العنصرية الأميركية.. عن رأسمالية بلا "ماكياج"

هل يمثل ترامب وجه الرأسمالية والعنصرية الأميركية الحقيقي؟ ولماذا جيء بأوباما إلى البيت الأبيض؟

  • العنصرية الأميركية.. عن رأسمالية بلا "ماكياج"
    عقود من النضال لم تكن كافية للتخلّص من العنصرية المُتجذّرة في الدولة والمجتمع الأميركي

تُحيل تسمية العُنصرية في القاموس السياسي الغربي إلى وصف المُمارسة أو الخطاب الذي يلجأ لتمييز أو عَزْل أو احتقار مجموعاتٍ بشرية بعينها. 

يمكن التأريخ لظهور المُصْطَلح، بحسب بعض الدراسات، إلى ثلاثينيات القرن العشرين من قِبَل بعض الكُتَّاب الألمان الذين كتبوا أو تُرْجِمَت أعمالهم إلى الإنكليزية كالطبيب ماغنوس هيرشفلد Magnus Hirschfeld في كتابه "Racism". 

اشتقّ هيرشفلد عنوان مؤلّفه من كلمة " race" التي تُشير إلى العِرق أو الجنس، ليتطوّر المُصْطلّح لاحقاً مع العالِم البيولوجي البريطاني جوليان هكسلي Julian Huxleفي سياق نقاشٍ طبعه نقل المُصْطَلح من المجال البيولوجي العِلمي إلى الإيديولوجي الذي يخدم المشروع النازي، وصولاً إلى العالِمة الأنثروبولوجية الأميركية روث بندكت Ruth Benedict التي أدخلت المُصْطَلح، من خلال كتابها "Race and Racism"، وأصدرته في الأربعينيات، إلى الحقل الأنثروبولوجي، فصار مُصْطَلحاً بحمولته الحالية مع بداية الخمسينيات(1).  

تتباين المُقاربات الغربية للظاهرة العنصرية، بل وقد تتناقض، على حسب مواقع أصحابها الاجتماعية والفكرية والاقتصادية. 

من خلال الدراسات السوسيولوجية الأنكلوساكسونية (البريطانية والأميركية) يمكننا ذِكر اثنتين رئيسيتين منها، حيث تعتمد الأولى على مُقاربةٍ نظريةٍ للعنصرية، من خلال تحليل المُحدّدات الاقتصادية والتاريخية والاجتماعية والاقتصادية المُحفِّزة على ظهورها. 

على سبيل المِثال، اعتمد عدد من السوسيولوجيين الماركسيين من أصحاب البشرة السمراء في الولايات المتحدة، على مُقاربةٍ اقتصاديةٍ تنظر إلى العنصرية كجزءٍ من الصراع الطبقي، وتبنَّى البعض الآخر مفاهيم ماكس فيبر Max Weber، التي لا تُعطي للطبقة الأولوية في فَهْمِ الظاهرة العُنصرية، فهي مُعطى للتحليل ضمن مُعطيات أخرى، فيما اعتمد البعض على آليات التحليل النفسي- الاجتماعي. أما المُقاربة الثانية فاعتمدت على البحوث والدراسات الشاملة لواقع المؤسّسات وعلاقتها بالعُنصرية (2).

لكن مختلف هذه المُقاربات، رغم أهميّتها، تغفل عامِلاً مهماً وحاسِماً في تحليل الظاهرة العُنصرية. ونقصد هنا، التقسيم المركزي الأوروبي لشعوب العالم القائم على أساس اللون، حيث الشعوب الغربية البيضاء "المُتفوّقة ذات التاريخ"، في مقابل شعوب أخرى "دونيّة بلا تاريخ".

هذه النظرة الإقصائية قادت حتماً إلى طريق الإبادة. فالرجل الأبيض "المُتفوّق" أصبح صاحب "الحق" في إبادة "المتوحّش" غير الغربي(3) بعد غزو أرضه واستيطانها، كما حصل في الجزائر في القرن 19م (4) وفي فلسطين في القرن العشرين، وقبلها في العالم الجديد أو أميركا التي كانت النموذج الأقسى في تاريخ الإبادة الجماعية العُنصرية(5).    

أوباما.. الوَهْم

  • العنصرية الأميركية.. عن رأسمالية بلا "ماكياج"
    أظهر وصول أوباما إلى البيت الأبيض الحاجة لتجميل وجه الامبراطورية الأميركية

مضت ستة عقود على بداية النضال من أجل الحقوق المدنية للأميركيين الأفارقة، لكنها أبداً لم تكن كافية للتخلّص من العنصرية المُتجذّرة في الدولة والمجتمع الأميركي. ذلك أن المسألة مرتبطة بأصل تشكِّل هذه "الأمّة" على جماجم السكان الأصليين وفق منظومة من "القِيَم" مبنية على احتقار الشعوب غير البيضاء كمرحلةٍ سابقةٍ لتشريع إبادتها، وكذلك على نَهْبِ ثرواتها كمحورٍ للرأسمالية. 

فالرأسمالية لا يمكن لها أن تعيش من دون عُنصرية كما قال مالكولم إكس  malcolm x الذي رفض فصل نضال تحرّر الأميركيين الأفارقة عن النضال ضد الرأسمالية. فتراكُم رأس المال الناتج من الاستحواذ على أراضي السكان الأصليين، ونَهْب ثرواتهم وتحويلها، اعتمد على "العبيد" المُسْتَقْدَمين من أفريقيا. 

يشرح عالِم الاجتماع الماركسي الأميركي أوليفر كوكس Oliver Cox الدينامية التي اعتمدتها الرأسمالية في ترسيخ التفرقة العُنصرية في الولايات المتحدة، مُتحدّثاً عن تشجيع مُلاًّك رأس المال على التفرقة على أساسٍ عِرقي، في مختلف المجالات؛ مثل العمل والسكن والتعليم، وصولاً إلى الأيديولوجية العُنصرية بغية الوصول إلى تحقيق أهدافهم الربحيّة (6). 

لقد تأسَّست منظومة سياسية ومالية وإعلامية وثقافية مُتكامِلة، هدفها ضمان استمرارية الهيمنة الرأسمالية العُنصرية على المجتمع. ومن أجل حمايتها في الداخل الأميركي، وضعت تحت تصرّفها جهازاً قمعياً يحتكر أقسى المُمارسات العنفية وعلى رأسه الشرطة. 

إذ ليس يسيراً على المُضطهَدين من الأميركيين الأفارقة الخروج من هذه الدائرة المُغلقة المحكومة بعلاقاتٍ مُتشابكةٍ، لذا فإن فَهْم العلاقة البنيوية بين الرأسمالية ومنظومتها الحاكِمة، وبين العُنصرية، كفيل بأن يُظهر لنا حجم الوَهْم الذي عاشه الكثيرون في داخل وخارج الولايات المتحدة، (في أفريقيا بالخصوص)، بعد انتخاب باراك أوباما. 

هذا الوَهْم صنعته تلك المنظومة نفسها حول إمكانية إحداث القطيعة مع الظاهرة العُنصرية في المجتمع أو مع عُنف الشرطة تجاه الأميركيين الأفارقة، من قضية رودني كينغ في لوس أنجلس في تسعينيات القرن الماضي، على الأقل، حتى مقتل جورج فلويد في مينيابوليس مؤخراً، مروراً بحوادث تبرئة لمُتوّرطٍ في قتل مُراهقٍ أسود في العام 2013، أو قتل مواطنين آخرين في نيويورك في العام 2014، وحادثة إطلاق النار على كنيسةٍ يرتادها أصحاب البشرة السمراء في شارلستون في العام 2015. 

لقد أظهر وصول أوباما إلى البيت الأبيض، فعلياً، الحاجة لتجميل وجه الامبراطورية العسكرية والاقتصادية العُنصري والإجرامي. ذلك أن قوّة النَهْب الأميركية واصلت مشاريعها المُنسجمة مع طبيعتها الامبريالية في العالم، في حصار الشعوب ونَهْب ثرواتها وإشعال الحروب، لكن في ظلّ تسويقٍ خبيثٍ لخطابه، عن التسامُح والسلام ونشر الديمقراطية، ولبشرته أيضاً.

ترامب.. الرأسمالية بلا "ماكياج" 

  • العنصرية الأميركية.. عن رأسمالية بلا "ماكياج"
    من التظاهرات أمام البيت الابيض احتجاجاً على قتل جورج فلويد

إذا كانت فترة حُكم أوباما حاولت تزيين وجه الرأسمالية الأميركية، بالحفاظ على جوهرها العنصري الاستغلالي، فإن وصول دونالد ترامب، بما يُمثِّله من طريقةٍ فاضحةٍ وفجَّةٍ في الخطاب والأداء السياسي لم يعهدها العالم عن اليمين الأميركي من قبل، جسَّد الوجه الحقيقي لها. فهذا الرجل هو الأكثر انسجاماً مع طبيعتها العنصرية الإبادية منذ "اكتشاف العالم الجديد". إذ لم يعد ضرورياً عند ترامب التركيز على أدبيات المنظومة الليبرالية الرأسمالية حول نشر "الديمقراطية" و"الحريات" و"العالم الحر" في الخارج، وكذا سردية المجتمع المُتعدّد الأعراق والثقافات الذي يكوّن "الأمّة الأميركية". 

فقد انتقل ترامب إلى خطابٍ يُعطي الأولوية الصريحة لحماية المصالح الأوليغارشية وإدارة شبكة علاقات النَهْب الرأسمالية في العالم. فهذا الرجل لم يعد يحسب حساباً للمحميات العربية عندما يُذكِّرها بدورها الوظيفي وبضرورة دفع أثمان الحماية استثماراً أو ضخّاً لمليارات الدولارات في الخرينة الأميركية، من أجل "تحقيق الرفاهية" للفقراء الأميركيين من البيض فقط. 

كما أعاد ترسيخ الهوية الأميركية في صيغتها العُنصرية التي تُقصي المهاجرين من أصولٍ لاتينيةٍ وآسيوية، ناهيك عن اصحاب البشرة السمراء التي يُحرَم المُنتمون إليها بالولادة من أدنى حقوقهم.

الطبيعة العُنصرية الاستغلالية للرأسمالية هي جوهر المنظومة الحاكِمة في أميركا، الذي لن يتغيّر سواء أخفى وحشيّته بقناعٍ زائفٍ ومُخادِع، أو خرج علينا بوجهه القبيح، وفَهْم تلك الطبيعة، من موقعنا كشعوبٍ  ذاقت ويلات الإبادة والعُنصرية والنَهْب والحصار، ولا تزال، في الجزائر والعراق واليمن وفلسطين وغيرها، أضعاف ما نراه اليوم في شوارع بعض المدن الأميركية، من نفس هذه المنظومة الاستغلالية، هو ما نحتاجه في بلادنا اليوم.     

  الهوامش:

(1)Etienne Balibar : La construction du racisme, Revue : Actuel Marx, 2005/02, Presse universitaire de France,  N°38, page 11- 28.

(2)Bernard Lamy : La recherche récente sur le racisme dans la sociologie américaine et britannique : une analyse bibliographique, Revue : Sociétés contemporaines N°1, Mars 1990. Page 131-136.

(3) عبد الوهاب المسيري: الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان، ص197، دار الفكر، دمشق، 2007.

 (4)يمكن مراجعة كتاب مصطفى الأشرف: الجزائر الأمّة والمجتمع، ص21-22-23، الجزائر، 2007. وأيضاً كتاب يرصد بالتفصيل جرائم الإبادة العنصرية التي ارتكبها الاستعمار الفرنسي في السنوات الأولى لسقوط الجزائر: François Maspero : L’honneur de saint-Arnaud, Edition casbah, Algerie. 

 (5)يمكن مراجعة منير العكش: أميركا والإبادات الجماعية، بيروت، 2002.

(6)Oliver cox : caste, class and race a study in social dynamics, New-york, Doubleday, 1948, p 624.

 

عبد الله بن عمارة

كاتب من الجزائر