فنانون على "حافة الجوع".. ماذا يحدث في تونس؟

فاقم تفشي "كورونا" أوضاعهم السيئة بشكل خطير ووصل بعضهم إلى حافّة الجوع. في هذا التحقيق نستطلع أحوال الفنانين في تونس قبل وبعد الحجر الصحي.

  • فنانون تونسيون على حافة الجوع
    فنانون تونسيون على حافة الجوع

"طرقتُ الباب بيدٍ، وفي يدي الأخرى ظرف يحتوي على مبلغٍ لا يتجاوز 35 دولاراً، سلّمته إلى صاحب المنزل، أُغمي عليه ولم يصدّق أنه سيتمكّن من شراء بعض الحاجيات". 

هذا المشهد روته للميادين الثقافية فنانة تونسية بصحبة آخرين نشطوا ضمن ما تسمّيه "خلية الأزمة" التي كوّنتها تعاونية الفنانين والمُبدعين والتقنيين في المجال الثقافي. 

طرقت الخلية أبواب قرابة 200 فنان كانوا على حافّة الجوع بسبب إلغاء أعمالهم الفنية بعد إقرار الحَجْر الصحّي في تونس. خلف إحدى تلك الأبواب بكى فنان بعد تسلّمه ظرفاً يحتوي على مبلغٍ من المال، وأمام منزل آخر فرح طفل صغير حين شاهد أباه يتسلّم مالاً وقال له: "أبي ستشتري لي حليباً" بعد أن غاب الحليب عن ثلاّجة المنزل مدّة أسبوع.  

تقول الفنانة المسرحية نجوى ميلاد إنها كانت شاهِدة على تلك القصص التي لازمت مُخيّلتها ولا تزال تُرعبها.

ويتحفّظ بعض الفنانين عن ذِكر هويات زملائهم من قطاعات فنية مختلفة، لم يجدوا ما يسدّ رَمَقهم طيلة الحَجْر الصحّي، خوفاً من إحراجهم، لكنهم شاركوا الميادين الثقافية أثر أكثر من ثلاثة أشهر من الشلل التام لا يعرفون متى سينتهي.

عرَّت أزمة "كورونا" الوضع الاقتصادي الكارثي الذي يعيشه الفنانون التونسيون في جميع القطاعات، التي تمسّ المسرحيين بدرجةٍ أكبر. فالمسرح هو مصدر الدخل المادي الوحيد لأغلب المسرحيين في تونس، حتى أن فناناً شاباً عرض على صفحته في "فايسبوك" بطاقته المهنية للبيع بعد أن ساءت حاله المادية.

وفي هذا الشأن يقول الفنان طاهر العوني، وهو صاحب شركة إنتاج مسرحي، "أنا أمتلك شركة إنتاج مسرحي ولم أصل إلى درجة عجزي عن دفع ثمن الخبز، لكنني وضعت خططاً للتقشّف مثل الحدّ من التنقّل بواسطة سيارتي حتى أوفِّر بعض البنزين، وذلك بعد توقّف كل عروضي ومشاريعي المسرحية".

  • فنانون تونسيون على حافة الجوع

عجز العوني عن الإيفاء بالتزاماته المالية تجاه المُتعاملين معه، ويخشى إفلاس شركته التي لا يمكنها الصمود لأكثر من 5 أشهر، مُعتقداً أن على الفنانين إيجاد طُرُق جديدة لتسويق أعمالهم. ويضيف موضحاً أن "مأساة الفنانين ستتواصل لثلاث سنوات على الأقل ولن تنتهي بمُجرّد رفع الحَجْر الصحّي، فالأزمة المادية التي يُعاني منها أغلب مُمتَهني الفن، سبقت بسنوات الإجراءات التي اتّخذتها الدولة في شهر آذار/مارس الماضي".

ويعقد العوني أمله على مُصادقة البرلمان التونسي على "القانون المُتعلّق بالفنان والمِهَن الفنية" المُعطّل منذ قرابة 3 سنوات، والذي يضمن دعماً للفنانين عن طريق "تعاونية الفنانين والمُبدعين والتقنيين في المجال الثقافي"، ويوضِح في أحد فصوله شروط التمتّع بالتغطية الاجتماعية، ويتطلّع إلى وضع استراتيجية كاملة لاعتماد طُرُق جديدة لتسويق الإنتاج الفني لاستعادة أمجاد الفن في تونس، والذي سطع خاصة في فترة إشراف الراحل الشاذلي القليبي على وزارة الثقافة في عهد بورقيبة، حيث انتعش الإنتاج الفني الذي دعمته الدولة بتبنّيها خططاً واضحة حسب قوله.

أما الفنان المسرحي عبد القادر دخيل فينتظر بدوره صدور قانون الفنان، خاصة أن آثار أزمة "كوفيد 19" كانت مُضاعَفة بالنسبة إليه، بعد تعرّضه في شهر كانون الثاني/يناير إلى جلطةٍ دماغية. ويقول للميادين الثقافية "أتمنّى أن يعوِّض قانون الفنان الخسارة التي تكبَّدها الفنانون بسبب إلغاء أعمالهم، وهو قانون يضمن كرامة الفنان وحقوقه الاجتماعية".

يواجه دخيل صعوبة مالية كبيرة من فرض الحَجْر الصحّي وعجزه عن دفع الإيجار، مُفصحاً أنه اضطر للاستعانة بعائلة زوجته من أجل دفع مصاريف شهرية تصل إلى 900 دولار، فيقول "أتمتّع بمنحةٍ رمزيةٍ منذ قرابة سنة تقدّمها لي الوزارة بسبب وضعي الصحّي والمادي الخاص، لكنها لا تفي بالحاجة، فأنا لم أستطع تسديد أقساط من معلوم التغطية الاجتماعية وهو ما عرَّضني لمشاكل مالية نتيجة التأخير في الدفع، إضافة إلى ديونٍ في ذمّتي في مشفى خاص. يجب على الحكومة أن تتحرَّك تقديراً لدور الفنان في المجتمع".

ويعتبر دخيل أن المنحة التي قرَّرت وزارة الثقافة تقديمها ومقدارها 400 دولار "غير كافية، وهي حل مؤقّت".

يُقدّر عدد الطلبات التي تلقّتها وزارة الثقافة للحصول على إعانةٍ ماليةٍ بنحو 90 ألف طلب. وتوضح الفنانة المسرحية نجوى ميلاد، التي حضرت جلسة مشتركة مع وزيرة الثقافة شيراز العتيري للتسريع بصرف المِنَح، أن ثُلثي الذين تقدَّموا بطلباتهم لم يتحصّلوا بعد على القسط الأول من المنحة كاشفة أن "هناك ما يربو على 80 ألف عامل في القطاع الفني يمكن تصنيفهم باعتبارهم مُحتاجين وينتظرون تدخّلاً عاجلاً، لكن المعاملات الإدارية التي تتطلّب إصدار قوانين أو مراسيم لصرف المنحة، عطّلت صرفها".

الضَرَر لحق بنجوى ميلاد إثر تفشّي "كورونا" في البلاد وتعطّل الحياة فيها، حيث أُلغيت 5 عروض مسرحية لها، إضافة إلى أنها لم تتحصّل على مُستحقاتها من وزارة الثقافة مقابل عروض صيف العام 2019. 

هكذا لم تجد ميلاد حلاً سوى اتّباع سياسة تقشّفية تقول إنها تعوّدت عليها منذ سنوات وتُضيف "لم أعش الجوع لأنني تعوّدت على التقشّف، وأعتقد أنني محظوظة نوعاً ما لأن صاحبة المنزل الذي استأجره لم تُطالبني بدفع 5 أقساط من معلوم إيجار المنزل".

من جهته، يُقدّر منير بعزيز، وهو رئيس تعاونية الفنانين، مُعدَّل دخل الفنان التونسي بنحو 2500 دولار سنوياً، وهو مبلغ "لا يكفي للعيش بكرامة" بحسب رأيه. ذلك أن قرابة ألف فنان تونسي يرزحون تحت التهديد بمواجهة دعاوى قانونية بسبب تأخّرهم عن سداد ديونهم.

هذا الواقع يصفه بعزيز بأنه "مُنافٍ للدستور الذي ينصّ على الحق في الصحّة والكرامة. هناك فنانون تقدّموا بطلبٍ للحصول على معونةٍ ماليةٍ لأنهم لا يمتلكون ثمن حفاضات لأطفالهم. إنه أمر مؤلم ومُخزٍ في الوقت ذاته". كما يؤكّد أن أزمة الفنانين المادية سابقة على وباء "كورونا"، فيذكر أن فنانين مشهورين "يتقاضون راتباً تقاعدياً يتراوح بين 50 و90 دولاراً شهرياً، وأغلبهم كانوا أجراء في الفِرَق الجهوية للمسارح التابعة للدولة التي كانت تشغّلهم بعقودٍ مُزيّفة".

لا تنفي سلوى عبد الخالق، وهي مدير عام مركز تونس الدولي للاقتصاد الثقافي الرقمي التابع لوزارة الثقافة، الأزمة المادية التي يُعاني منها جزء كبير من الفنانين. 

وفي تصريحٍ للميادين الثقافية لفتت إلى أن الوزارة تلقّت قرابة 3 آلاف طلب للحصول على المنحة الظرفية عبر المنصّة المُخصَّصة لذلك، فضلاً عن الطلبات المكتوبة.

وترى عبد الخالق أن أزمة "كورونا"، "كشفت أن القطاع الفني في تونس في حاجةٍ مُلحّةٍ إلى استعمال المجال الرقمي، حتى لا تتكرَّر المأساة التي تعرَّض لها الفنانون منذ آذار الماضي"، وتُضيف "يجب ألا يتكرَّر ما حدث مهما كانت حدَّة الأزمات. وارتأت الوزارة أن ذلك سيتحقّق بتشجيع الشركات الناشئة ومرافقتها للعمل في مجال التسويق عبر منصّات رقمية لترويج المنتوج الفني لأيّ فنانٍ يفتقد إلى مجال لتسويق منتوجه الفني، ومُراعاة جميع حقوقه".

لا تمتلك تونس التقاليد في ما يُسمَّى بالاقتصاد الفني، وبين آراء سياسية ترى أن الثقافة والفن اللذان تُخصّص لهما الحكومة ميزانية ضعيفة، لا يمكن إلا أن يكونا مُكوّناً كمالياً في المجتمع، وبين غياب خطط واضحة لتسيير هذا المجال المُتشعّب، تفرغ مدارج المسارح وتغلق بعض دور السينما العريقة أبوابها إلى الأبد، ليحلّ مكانها متجر لبيع الأحذية أو سوبر ماركت كبير.

نجلاء بن صالح

صحفية وكاتبة من تونس