لميس نجم.. مدللة غسان كنفاني ورفيقته في الحلم والشهادة

أحبها كثيراً، وكتب لها كثيراً. زرع فيها حلم العودة إلى فلسطين، وبقيت رفيقته في الحياة كما في الموت. ماذا تعرفون عن لميس نجم؟

  • لميس نجم.. مدللة غسان كنفاني ورفيقته في الحلم والشهادة
    لميس وأسامة نجم في صورة حصل عليها المتحف الفلسطيني مؤخراً 

في الثامن من تموز/يوليو 1972، استشهد غسان كنفاني. ما إن ركب سيارته في منطقة الحازمية، شرق بيروت، وأدار المحرك، حتى دوى الانفجار الذي أودى بحياته، لكنه حينها لم يرحل بمفرده. كانت فتاة في أول الصبا تجلس على المقعد إلى جانبه؛ فتاة كتب لها غسان وحدثها كثيراً. غذاها بما تعشقه مخيلة الأطفال: الأحلام. ومن هذه الأحلام، حلم العودة. 

إنها لميس حسين نجم، ابنة أخت غسان كنفاني المولودة في الكويت في العام 1955. ولأن الاطفال يكبرون على الحلم، فإنها صارت تحلم بالعودة إلى حيفا. خالها غسان لم يتوقف عن تكرار هذه الجملة أمامها: "جيلكم هو العائد إلى حيفا... وإلى فلسطين".

يقول العارفون بحياة صاحب "عائد إلى حيفا" إن حبه للميس كان شديداً، فهي أولى الأحفاد في عائلة كنفاني (1936 – 1972). اليوم، يكمل كنفاني عامه الـــ84، وتدخل لميس، ابنة ليلى كنفاني، عامها الـــ65. 

لو قُدّر للميس الحياة، لربما أصبحت اليوم جدة، وربما أيضاً، كانت ستظل مخيلة الطفلة التي تسكنها طرية، لتساعدها على انتظار الوقت الذي تجلس فيه أسفل شجرة برتقال في بلادها المسروقة منذ العام 1948. 

وعندما تخونها المخيلة، وتتشتت أحلامها، يمكنها أن تعود إلى أول قصة للأطفال كتبها غسان كنفاني لها خصيصاً. الخصوصيّة تكمن في الإهداء، بعد مجموعة من الكتيبات التي كان يزيّنها برسوم من ريشته مشفوعة بأشعار وقصص للأطفال، وكان يهديها إلى لميس في عيد مولدها كل عام. 

  • غسان كنفاني ولميس نجم
    غسان كنفاني ولميس نجم

عبّرت قصة "القنديل الصغير" عن إيمان كنفاني بأن الأطفال هم محرك المستقبل. وفي الحالة الفلسطينية، سيكونون ثوارها. كتب كنفاني إلى لميس في مقدمة الكتاب: "لكي أحافظ على وعدي لكِ وهديتي إليكِ، قررت أن أكتب لكِ قصة، وسوف أكتب لكِ واحدة اسمها "القنديل الصغير"، تكبر معكِ كلما كبرتِ".

 كبرت لميس، لكن يبدو أن الأميرة في "القنديل الصغير" لم تزل تبحث عن الطريقة التي تحمل بها الشمس إلى القصر، كي لا تقضي حياتها في صندوق خشبي مغلق عقاباً لها، كما أوصاها والدها، الملك العادل، وهو على فراش الموت.

لم تزل الأميرة، كأنها استعادة رمزية لحال الفلسطينيين اليوم، تنتظر أن يفسح للعجوز ليدخل بقنديله القصر، فيلحق به الناس حاملين قناديلهم بعد هدم جميع الأسوار، لتكتمل شمس حريتها. 

بقيت لميس نجم محبوبة خالها غسان كنفاني وملهمته، وكذلك رمز طموحه بعالم جديد للأطفال يكون أكثر عدلاً. هكذا كتب لها قائلاً: "سوف ندفع لكم من قلقنا ثمن اطمئنانكم، وسوف تستقرون على حساب ثورتنا. إن مشيئة التاريخ أن نكون نحن، ونحن فقط، جيل الانقلاب".

جمعت غسان بلميس علاقة حميمة يظهر أن القدر قرر أن يجعلها علاقة ارتباط أبدي؛ أن تكون رفيقته في الحلم والموت معاً. يقال إن لميس تعلقت بغسان كثيراً وهو كذلك، وأنها في رحلة عطلة صيفية إلى بيروت، لم تفارق خالها، كما لو أنها عزمت على الاستشهاد معه.

 رحل غسان كنفاني، صاحب "أرض البرتقال الحزين"، مكرساً النص الأدبي كفضاء للحالة الفلسطينية في الداخل المحتل وفي الشتات، ورحلت معه لميس نجم، الصبية التي شغل مخيلتها حلم العودة إلى بلاد مهددة اليوم بسلب ما تبقى منها. 

لكن غسان، وبعد أكثر من أربعة عقود على استشهاده، لم تزل أعماله مشحونة بعاطفة حيّة ترد القارئ إلى الحقيقة في سطوعها، إلى فلسطين العصية على النسيان في الأرض والسماء؛ تلك التي عبر عنها درويش راثياً كنفاني بالقول: "لو وضعوك في الجنة أو جهنم، لأشغلت سكانهما بقضية فلسطين.. فهي (فلسطين) التي سترتب عظامكَ، هي التي ستعيد تكوينك من جديد. ونحن هنا سنموت كثيراً. كثيراً نموت، إلى أن نصبحَ فلسطينيين حقيقيين وعرباً حقيقيين".