عندما يتبصَّر الفن الحرب والتاريخ في معرض "نابو" الفني

جدليّة اليأس والأمل هي ما يُقدِّمه متحف "نابو" في معرضه الجديد الذي يستعرض بصورةٍ جليةٍ مسار تطوّرات القرن العشرين في بلاد الشام.

  • الشجاعية لليلى الشوا
    الشجاعية لليلى الشوا
  • الفقاعة لمحمود العبيدي
    الفقاعة لمحمود العبيدي
  • جدارية القطار لمحمود العبيدي
    جدارية القطار لمحمود العبيدي

جدليّة اليأس أولاً والأمل تالياً، هي ما يُقدِّمه متحف "نابو" (شمال بيروت) في معرضه الجديد. فالمعرض يستعرض بصورةٍ جليةٍ مسار تطوّرات القرن العشرين في بلاد الشام، وللبنان فيه المساحة الأوسع من الأعمال.

المعرض حمل عنوان "اليأس والأمل"، كعنوانٍ رئيسي، و"عندما يتبصَّر الفن الحرب والتاريخ" كعنوانٍ فرعي، يُلقي بمسؤولية الصِراعات والأحداث المُتواصِلة على اتفاقية "سايكس-بيكو"، وهي ليست اتفاقية على ما دَرَجت تسميتها، كونها مُخطَّطاً فرضه المُسْتعمِر بالقوَّة على المنطقة، من دون اتفاق مع أحد.

والمؤسِف أن يتجاهل العرض الثري للأحداث والتطوّرات ومعانيها، المؤتمر الأمّ الأخطر، والمطموس في تاريخ المنطقة، وهو مؤتمر "هنري كامبل بنرمان" الذي عُقِدَ بين عاميّ 1905 و1907، وهو أساس مُشكلات المنطقة، ومشاريع التفتيت والصِراعات فيها، وما مُخطَّط سايكس -بيكو إلا واحداً من تجليّاته وعناصره. 

ولعلّ "نابو" في معرضه المقبل يُركِّز على "بنرمان" طالما هموم المنطقة وأهلها هي من همومه المركزية بحسب عبارة تنويه يستهل القيّمون على المعرض كُتَيّبه بها، مُتسائلاً "ما هي علّتنا.. وإلى أين؟"، ويُجيب أنه "مع تفاقُم المشاكل الاجتماعية والديموغرافية والاقتصادية، أضحى العالم العربي على مُفْترَقِ طُرُق. وقد جاء هذا المعرض ليُذكِّرنا بالماضي والواقع الأليمين، وليفتح باب النقاش حول انفجار المجتمعات الطائفية نتيجة الصِراعات الداخلية، والتدخّل الأجنبي، وطُرُق التعبير في لبنان وسوريا والعراق وفلسطين".

المعرض

  • جدارية رغبات مضمرة لضياء عزاوي
    جدارية رغبات مضمرة لضياء عزاوي
  • خشبية لجنان مكي باشو
    خشبية لجنان مكي باشو
  • لوحات لتاريخ الأحداث اللبنانية الأولى
    لوحات لتاريخ الأحداث اللبنانية الأولى
  • لوحات لتواريخ أخرى للبنان
    لوحات لتواريخ أخرى للبنان

يُشكِّل المعرض الذي يستمر حتى نهاية أيلول/سبتمبر 2020، جُرعة ثقيلة تُتيح القول بأنها قد تكون قاتِلة. فالإنسان يستطيع الاستمرار في صِراعه من أجل البقاء استناداً إلى قُدرته على نسيان أحداث جليلة وقعت في حياته، وغالباً ما يتمّ ذلك تحت وطأة أحداث أخطر وأكثر جَلَلاً. لكن المعرض يُقدِّم دفعة واحدة كل الذاكِرة التاريخية للقرن العشرين وكل التطوّرات اللبنانية منذ نشأة الكيان اللبناني عام 1943. 

وتبدأ الجولة في جناحٍ للفنان اللبناني ألفريد طرزي (1980)، وهو خرِّيج الجامعة الأميركية في بيروت، حيث نُطالِع مجموعةً كبيرةً من الصوَر الواقعية المُركَّبة التي صُنِعَت من لوحات ورق فائق النعومة مُثبَّت على الألمنيوم. واعتمد طرزي فيها على التصوير الفوتوغرافي والرَقمي والتركيب والنحت، راكَمَ بها تطوّرات لبنان منذ الانتداب وحتى اليوم. 

يمكن وصف هذه الجولة بــ "المُرعِبة"، حيث تضع الزائِر أمام كل مآسي تاريخه دفعة واحدة. فاللبناني طوى الأحداث في أعماقه عند تلقّفه أحداثاً أخرى، ولولا ذلك لما تحمَّل المُضيّ والاستمرار، ولما أمكن تسمية المعرض بـــ "اليأس والأمل"، وكانت التسمية اقتصرت على عبارةٍ واحدةٍ هي "اليأس".

وتستقرّ في خلفيّات لوحات طرزي العملة اللبنانية وفق الصيغة التي وضِعَت فيها بعد انفصال المصرفين المركزيين السوري واللبناني، وكانت الليرة ما تزال تحمل إسم "بنك لبنان وسوريا". أي أن الصِيَغ التي وضِعَت خلفيّة لكل صورة، لم تكن لتعبِّر عن المرحلة التي وقعت أحداث الصورة فيها.

ورافقت اللوحات التقنية شروحات موضوعية اللهجة، عرضت كل مرحلة، وتناولت الانتقال من واحدةٍ إلى أخرى، كما عُرِضَت مُلصقات من المراحل المختلفة عبَّر بعضها عن كل مرحلة، بروحيّةٍ ولغةٍ مُتناسِبةٍ مع عصرها.

ورغم أن تسلسُل الأحداث وفق الصوَر المُتَسَلْسِلة لم تكن مُتطابِقة مع شروح اللوحات، لكن الإثنتين - الصوَر والشروحات - قدَّمتا عرضاً وافياً لتاريخ لبنان وأحداثه وتطوّراته. كما أوضحت أن فترات الهدوء التي عاشها لبنان لم تكن تتعدَّى أكثر من عَقْدٍ من الزمن، وهي اللفتة التي وردت في مُقدّمة الكُتَيِّب بعنوان "الحرب الأهلية اللبنانية". 

أما الوجبة التوثيقية اللبنانية الثقيلة فتنتهي في الطبقة الأرضية من المعرض، لتبدأ معها مرحلة التعبير الرمزي عن مختلف مراحل تاريخ بلاد الشام بطريقةٍ فنيةٍ. حيث شارك الفنان العراقي ضياء العزّاوي بمجموعةٍ من أعماله أبرزها جداريّتان ضخمتان بعنوان "رغبات مُضْمَرة" و"شوهِد في الأعالي" وهما من أعمال العزّاوي في العام 2019 وشاهِدتان على دمار العراق. كما شارك الفنان العراقي بثلاث منحوتات تجريدية من البرونز. 

وكذلك الأمر مع الفنان العراقي محمود العبيدي (1966) الذي يشارك بلوحتين كأنهما تُناجيان أعمال عزّاوي، وهما لوحتا "القطار" و"الفقاعة" الشاهدتان على مأساة السكان الأصليين في أميركا "الذين قضوا بالرصاص، والمرض، وانتهوا في معسكرات العَزْل العِرقي (المحميات) في أميركا"، بحسب تعليق مُترافِق مع اللوحات. 

  • لوحة تشجعوا وقولوا نحن خائفون للسوري أحمد المعلا
    لوحة تشجعوا وقولوا نحن خائفون للسوري أحمد المعلا
  • لوحة شوهد في الأعالي لضياء عزاوي
    لوحة شوهد في الأعالي لضياء عزاوي

ثم تأتي لوحتا أحمد معلا "وما الحرب إلا ما علمتم وذُقتم" و"تشجّعوا وقولوا نحن خائفون"، لترسم مآسي الحرب في سوريا. ومعلا (1958) من أبرز الفنانين التعبيريين في تيّار ما بعد الحَدَاثة في سوريا. وكذلك لوحة "الشجاعية" لليلى الشوّا عن غزَّة، ولوحة أسد عزّي عن يافا لتدخلا فلسطين بصورةٍ رمزيةٍ في قضية المعرض الشرق أوسطية. 

تبقى من مُشاركات المعرض الفنانة اللبنانية جنان مكّي باشو (1947)، المُتخَرِّجة من نيويورك (1978) وبيروت في فنون الرسم والطباعة (1982)، ولها مُشاركات في العديد من المعارض الدولية، ومعارض خاصة في لبنان والخارج. أعمالها نصوب معدنية- فولاذية رمزية، بالإضافة إلى لوحتين واحدة خشبية والثانية نُحاسية، وكلتاهما تعبيريّتان رمزيّتان.

  • لوحتان للبنان
    لوحتان للبنان
  • ملصقات الأحداث اللبنانية
    ملصقات الأحداث اللبنانية

كما تضمَّن المعرض لوحات مُتعدِّدة حاكت موضوع الأزمة اللبنانية، والشرق أوسطية، إضافة إلى نصوبٍ أثرية، وفخّاريات وأباريق من التُراث المشرقي القديم الوافِد من أكاديا وسومر وآشور وسواها، وإنْ لعبت النصوب والآثار واللوحات التعبيرية دوراً، فإنما لتُذكِّر بمجدٍ عاشته المنطقة في حُقَبٍ تاريخية سبقت صعود الغرب العدواني، لتعطي إمكانية إضافة "الأمل" للمعرض.

نقولا طعمة

محرر في الميادين نت