ما جدوى القصائد خلال الكوارث؟

قد تبدو كتابة الشعر خلال الأزمات ترفاً مزعجاً لمن يختبر أهوال الصورة.. لكن لماذا نحتاج إلى كتابة شعر "اللحظة" كما حصل مع شعراء خلال انفجار مرفأ بيروت؟

  • جدوى القصائد بعد انفجار بيروت... بعيون الشعراء
    جدوى القصائد بعد انفجار بيروت... بعيون الشعراء

بعد انفجار بيروت وما أصابها في 4 آب/أغسطس 2020، تنوَّعت أشكال التعبير اللحظيّ المُتقن عن السخط والأسى والتشظّي، وما يتأجّج ويفور في الوجدان في الميدان الأدبيّ الإبداعيّ، لمَن استطاع إليه سبيلاً، وذلك في وقت وجيز جداً اتّصف عموماً لبنانياً بالاضطراب والصعوبة والحزن والتفجّع والتأهّب والطوراىء التي حلّت بالعاصمة اللبنانية والمدينة المنكوبة. 

الشعر الطازج المُنسلّ من قلب الوَجع واللوعة والخراب والدمار والتعاطُف والتماهي والبوح والصُراخ والمُناجاة... تعبيرٌ بليغٌ على نحوٍ مُغاير، ومحاولةٌ أحياناً للحضّ على التفكير بعُمق والتأمّل مليّاً والتساؤل أو للتحريض على التغيير. الشعر يرسم الواقع بالكلمات، إنْ بصورةٍ واقعية بيّنة تتلفّع بالمجاز وتستغيث برهافةٍ إنسانيةٍ تُظلِّلها، أو عبر اجتراح وابتداع واقعٍ أدبيّ موازٍ بديلٍ مُتصوَّرٍ. هكذا تبدّى الشعر انعكاساً وتفاعلاً إنسانياً وتأثّراً وتأثيراً، في الوسط النُخبويّ على الأقلّ، أكان محلّياً أم في المدى العربي أو في الخارج. 

النماذج القيّمة بعددها المُحدّد على سبيل المثال لا الحصر، تستحق الإضاءة عليها، وانطلاقاً منها ومما جرى واقعياً بإرتداداته ونتائجه المفتوحة على احتمالاتٍ عدّة، يبرز السؤال عن جدوى الشعر كحقلٍ تعبيري أمام مشهدٍ أقوى من أيّ كلام. من الجدير بالذِكر أنّ الشعر من أسمى مراتب اللغة، وبالمعنى الفلسفي الهايدغري العميق، فإنّ اللغة ليست مُجرّد أداة يملكها الإنسان إلى جانب غيرها من الأدوات، بل إنّها ما يضمن إمكان الموجود وسط الوجود، مصير اللغة يرتكز دائماً في حياة شعبٍ ما على علاقته بالوجود.

قصائد ارتسمت للناقِد والشاعر المصري عبد الله السمطي الذي كتب من المملكة العربية السعودية، ومن ألمانيا للباحث الأكاديمي والمُترجِم والناشر اللبناني سرجون كرم الذي يحفر علامات في اللغتين العربية والألمانية، وللكاتب والشاعر اللبناني مكرم غصوب، وللشاعرة اللبنانية آغنار عواضة.

يقول السمطي في تصريحٍ للميادين الثقافية إنّ "الشاعر يمتلك دائماً رؤيةً خاصة في مُقارَبة الأحداث والوقائع ويُعبِّر عنها تعبيراً مركزاً مُكثّفاً مشحوناً بطاقاتٍ من الرؤى وربما (النبوءة)"، مضيفاً أن "الشاعر بتخييله الفذّ وبإلهامه وقراءته للواقع هو شاعرٌ راءٍ وصاحب نظرة حصيفة تختلف عن بقية مَن يمارسون فن الكتابة. ولو تبصّرنا بمنظومتنا الشعرية العربية طوال تاريخيّتها وتمرحلاتها نجد أن الشعر من أكثر الفنون تعبيراً وإبداعاً ومُلامسةً للحياة والإنسان وأعمق اقتراباً من الروح وكينونة الوجود".

إن الشعر، كما يرى السمطي، كيفيةٌ خاصة في التعامُل مع الأحداث، وقد أوجعته مأساة تفجير مرفأ بيروت فكتب قصيدة. الشعر ، كما يؤكّد الشاعر المصري، لا يُقدّم بَلْسَماً من الكلمات، ولا يُقدّم وصفاً مناسباتياً بقدر ما يحرّك لواعِج الحزن ويُحفّز القرّاء على تحريك الحواس والروح والعقل من أجل حياةٍ أرقى، من أجل التمرّد والتغيير. الشعر مهما حدث هو روح الإنسان وهو صورته النموذجية الخلاّقة المُحفّزة الرائية دائماً.

أما سرجون كرم، فيقول إنّ "الشعر هو لكي أحرّك حاجزاً في داخلي منع حتى الكلام العاديّ من التشكّل. لا يمكن للشعر أن يؤدّي إلى تغيير العالم وتغيير الأنظمة. في زمن "الأسطورة"، حين كان الشعر في مفهومه ما زال مُرتبطاً بالألوهة، كان الشاعر على حصانه إلى جانب القائد العسكريّ الذي ينفّذ "الفكرة الجمعيّة" في التغيير".

ويستفيض سرجون كرم قائلاً: "حيث تتوقّف الفلسفة، يجب على الشعر أن يبدأ"، استناداً إلى الشاعر والفيلسوف الألمانيّ فريديرك شليغل. فالشعر في نظره، إلى جانب الموسيقى والفنون الأخرى، هو المُعبّر الأعمق عن الفكرة التي تريد التغيير وبطريقةٍ تُحاكي العقول بالمشاعر وبالفطرة التي توقظ الطفولة داخل كلّ إنسان. إنّ المُحرّك – الفكرة الذي وضعته فلسفة الوَعي الجَمْعيّ يحتاج إلى كلمةٍ كي تشعله. وهذه الكلمة يجب أن تكون الكلمة التي نبحث عنها بالذات. وهنا يسير الشعر جنباً إلى جنب في عمليّة القيادة". 

من جهته، يقول مكرم غصوب للميادين الثقافية: "لعلّ الكارثة التي أدمت قلب الوطن أكبر من أيّ كلام، أكبر من أيّة قصيدة أو لوحة أو سِمفونية. لكنّها حتماً أصغر من الشعر، لأنّ الشعر أكبر من الموت، وأعني شعر الحياة الجديدة المُتجدِّدة، الشعر الطريق النور المُنبعث من الحكمة والجمال والخير والحبّ... الشعر النار المُتّقدة الباعثة لطائر الفينيق، هذا النسر العظيم الذي يُحلّق بجناحَي الخيال والسؤال، جناحٌ يخفق خلقاً مُتجدّداً، وآخر يخفق معرفة مسؤولة، يحلّق فوق اليأس والألم، ينفلت من الزمان والمكان، يُخطّط حياة جديدة، مداها أوسع من المدى، ويرسم مُثلاً عُليا بديعة تُغيّر مفهوم العلاقة بالخالق والإنسان والوجود... نعم، على الشاعر والفنّان والفيلسوف أن يكونوا المنارة، وفي الوقت نفسه أن يكونوا أطبّاء يُعالجون بإبداعهم جراح روح مجتمعهم المُتفسّخة الدامية".

آغنار عواضة تقول بدورها للميادين الثقافية: "كان من الممكن أن يتوقّف قلبي، أو يُهشِّم الزجاج وجهي، أو أن تُقتلع عيني التي تتدثّر بهالات الحزن المُستدامة لكنني أمسكتُ بالقلم وكتبتُ قصيدةً، ربما لأتاكّد أنني لم أمت وأنا أنظر إلى الحبر يسيل بدلاً من الدماء!".

وتُضيف: "الشعر قد يكون جحيمنا وقد يكون خلاصنا. الكتابة عموماً والشعر خصوصاً صارا بالنسبة لي بمثابة رياضة شبه يومية تُلهيني عن مُمارسة الحياة الطبيعية التي ينعم بها الناس على الكوكب. الشعر ملهاتنا في هذا العالم الأبوكاليبسي". 

عن لحظة الدويّ والمعنى الكبير بحسب رؤيتها تقول آغنار: "كانت أشبه بزمجرة إلهية تنبهنا إلى أنّ الموت يعيش قريباً منا أكثر مما نتخيّل. التأثّر المباشر يشعل شرارة ما في وجدان الشاعر فيُضيء المعنى أمامه وتنبسط الصورة فيما لم نكن بحاجة إلا إلى نِثارٍ صغير لنشتعل. الشعر بيته العاطفة، وهو إيغالٌ في عُمق المشاعر الإنسانية، شمسه العقل المُنفلت من كل الضوابط. ليست وظيفة الشعر توثيق المأساة ولكنه بحثٌ عميق في جدوى الحياة والموت".

***

  • سرجون كرم
    سرجون كرم

قصيدة سرجون كرم:

دعوني أكتب الشعر باللغة العاديّة
وأسأل هذا الشعب البكّاء على امتداد خريطة مُقعّرة
من غضب السماء.

هل لديكم في قوافلكم 
مكانٌ لبحرٍ
يلعق الدماء عن يديه 
ويعضّ خاصرته
مثل كلب أُطلقت النارُ عليه؟ 

هل لديكم 
- أيّها المنبوذون من الموتِ - 
امرأةٌ خاليةٌ من لوثة الشعراء المُنتحرين 
تتأمّل بإعجاب أصابع قدميها كلّما استيقظت من نوم 
تحصي بهما الطيور وألوان الأزهار في الحديقة؟

هل لديكم في عرباتكم 
- أيها الأغبياء - 
وطن آخر تختارونه
كي تقتلوه
وتأكلوه؟

***

قصيدة آغنار عواضة:

  •  آغنار عواضة
    آغنار عواضة

هكذا سينتهي العالم
نمشتان على كتفي الأيسر
انفصلتا
واحدةٌ تنفي الأخرى

هنا سرت بأصابعك الجميلة
فوق عنق الوردة
أدمتني
وأدمنتني.
أنا ومدينتي نحبك
لم نكن يوماً بهذا التشابُه
لم نكن يوماً بهذا الخراب.

أنا إدمانك أيها الحزن
وحيدة أرثي
مكان اللقاء الأول. 
يموت العالم حين
يهبط هرمون الحليب
في جسد الأمّ

أمّ الشاب الحلو
أبو العيون العسلية.
*الأمّ لم تمت جسدياً؛ تمّ تكذيب الخبر.

***

قصيدة عبد الله السمطي:

  • عبد الله السمطي
    عبد الله السمطي

"يا حرقة قلبي يا أمّي"

... 
تصرخ امرأةٌ من وجع القهر
فيتّكىء الموت على شاهدةٍ من عطرٍ ويُخطّط كيف سيمسح دمعات الشهداء؟
تصرخ
سبع سماوات يتكحّلن بزرقة صرختها
ويسجّلن بدفتر عرش
أشجار الأرز
وإيقاع الأسماء
تصرخ
تمطر عند الله.. فيرسل سرباً من بركات
ويُطبطبُ فوق رؤوس الأشياء.

***

  • مكرم غصوب
    مكرم غصوب

قصيدة مكرم غصوب:

سائرٌ إلى حتفي

 من جيبي تسقُطُ الأمنياتُ

 اليمامُ جائعٌ

 لا أنظرُ إلى الوراءِ، كي لا تحترقَ المدينة!

الْمَدينةُ ضَجيجٌ عاقِرْ فيها اكتَشَفْتُ أنَّ كلَّ الأَنبياءِ ذُكورْ فَكَفَرْتْ!

سائرٌ إلى حتفي

 من جيبي تسقطُ الصوَرُ القديمة

الكلّ هنا يَنشُدُ الـ"هناك"

والـ"هناك" عباءةٌ بالية

لا أنظرُ إلى الوراءِ، كي لا تحتشمَ العاهرات!

سائٌر إلى حتفي

 الحزنُ فوضى

 العيونُ تائِهة

 الزمان رُكام 

المكان رُكام

 وفوق الرُكام يمرّ الحلم

 كطفل يطيّرها ميتة

 رفوف اليمام

 وتحت الرُكام

 تنام في قبلتها أميرة مدينة الأحلام...

أتعلمين يا بيروت،

 أنّ الليل ليس الظلام والصمت

 ليس السكوت

 إنما من أشكال الكلام

 والأسود إغماض عين واللون منام...

أتعلمين يا بيروت، 

مازلنا ندفن فيك موتانا 

ونرحل إلى موتنا وحيدين

 ألم يحن الوقت يا بيروت؟

أن يموت الموت على يدك

 كفانا أوقاتاً ضائعة

 كفانا أخطاءً شائِعة

 كفاك وكفانا يا أمّ الشرائع

 يقتلنا معاً سؤال السكوت

أينَ الله؟ متى الله؟ من الله؟

لا أنظرُ إلى الوراءِ، كي لا يموتَ الله مرتين!!

هالة نهرا

ناقدة موسيقية وفنية وكاتبة وشاعرة لبنانية