الموسيقى تنتصر لإرادة الحياة بعد انفجار بيروت

دائماً ما يتمظهر دور الموسيقى كشريان حياة بعد الأحداث الكبرى، فكيف عبّر موسيقيون عن تضامنهم مع بيروت؟  

  • الموسيقى تنتصر لإرادة الحياة بعد انفجار بيروت
    الموسيقى تنتصر لإرادة الحياة بعد انفجار بيروت

الموسيقى عًزْفاً وتأليفاً تبدَّت بعد انفجار مرفأ بيروت على اعتبارها رافِداً لإرادة الحياة، وتعبيراً فنياً دافِقاً ذا أصداءٍ وسطوةٍ يزاوج بين التجريد العالي وتحريك الإحساس، ويُسهِم في تجسيد مدى الألم وفي تسكينه معاً، وفي رفع المعنويات، والحضّ على الصمود والتجاوز.

نماذج موسيقية عدّة مُستأهلة مُتأرجحة بين اللافت والنوعيّ تفرض حضورها محلّياً وفي العالم، إنْ على مستوى التأثير أو على صعيد الانتشار ولَوْ ضمن حلقاتٍ مُعيّنة.

من فيديو مُصوّر لمشهدٍ تظهر فيه سيِّدة لبنانية إسمها مي عبود ملكي تعزف على البيانو وسط بعض الدمار في منزلها، بما يحمله هذا الفعل "الشاعريّ" عُمقاً من رمزيةٍ ودلالاتٍ كُبرى، مروراً بـ"ميدلي" Medley أماندا لاذقاني الذي عزفته على البيانو في نيويورك وهو مُهدى إلى لبنان، وصولاً إلى المقطوعة الموسيقية التي ألَّفها اللبناني عبد الله المصري، ومقطوعة العازِف والمؤلِّف الموسيقي اللبناني رمزي بو كامل. 

  • الموسيقى تنتصر لإرادة الحياة بعد انفجار بيروت
    الموسيقى تنتصر لإرادة الحياة بعد انفجار بيروت

ويشتمل ما أدّته أماندا لاذقاني على لحنَي أغنيتَي "يا بيروت" و"عم بحلمك يا حلم يا لبنان" المعروفتين، بالإضافة إلى مقطعٍ من النشيد الوطني اللبناني الذي تحوَّل مع العازِفة الشابة من "الماجور" Majeur في نسخته الرسمية الاعتيادية إلى "المينور" Mineur موسيقياً في فيديو نشرته بدايةً على صفحتها الرسمية في "فيسبوك"، وذلك للتعبير عن لجّة الحُزن العميق على الوطن الجريح بنَفَسٍ دراماتيكي، لا سيما في الخاتمة.

هكذا لعبت لاذقاني فنياً على فكرة التضادّ الدلاليّ بصورةٍ أساسية لإيصال الرسالة الموسيقية والفنية والإنسانية.

  • رمزي بو كامل
    رمزي بو كامل

أمّا مي ملكي التي تدثّرَ حضورها بقوّةٍ استثنائية وعزمٍ بَيِّن وإصرارٍ على مواصلة الحياة وعلى الاستعانة بأنغام البيانو للانتصار على الخراب والمأساة، فعزفت "Auld Lang Syne".

بمعزل عمّا أدّته، فإنّ فِعلَها بذاته اختزن "أوالية دفاعية" Mécanisme de defense، وعَكَسَ موقفاً وثباتاً قد تلفّعا بالتحدّي والمُجابهة التي تتَّسم ببُعدٍ حضاريّ. 

في المقابل، يبرز راهناً عمل المؤلِّف رمزي بو كامل الذي يستحقّ التمعّن في الإضاءة عليه، ارتكازاً على القيمة الإبداعية التي يستبطنها. التأليف الموسيقي حرفةٌ يومية عنده، كما يقول بو كامل في تصريحٍ للميادين الثقافية.

تمرَّسَ بو كامل موسيقياً عبر الانخراط باكراً في المُعترك الموسيقي اللبناني والعربي. انطلاقاً من الموسيقى العربية والجاز والموسيقى الكلاسيكية الغربية، دأب على تأدية الموسيقى في بيروت التي يعشقها منذ أيام "مسرح بيروت"، حيث أحيا حفلةً بدعوةٍ من روجيه عساف وقتذاك، وكان المشروع عبارة عن خطوطٍ ميلوديةٍ شرقيةٍ موضَّبة بإطار "جاز فيوجن"Jazz Fusion .

  •  أماندا لاذقاني
    أماندا لاذقاني

ثم بين العام 2003 والعام 2004 انخرط في ورش عمل للتأليف والموسيقى الحديثة في بلغاريا على سبيل المثال لا الحصر، فوضع منذ ذلك الوقت خطّةً وصار التأليف في رصيده يتطوّر تِباعاً حتى يومنا هذا.

ويضيف بو كامل للميادين الثقافية: "للإنسان قضيةٌ في ما يقوم به والفنّ ليس لأجل الفنّ فقط؛ على الفنّ أن يحمل رسالة، من هنا نشأت فكرة أن أقوم بتأليف ما يعكس إحساساً عميقاً صادقاً يفضي إلى نتيجةٍ ويلفت نظر مَن يستمع إليه إلى فكرةٍ مُعينة".

وتجدر الإشارة إلى أنّ العمل الذي ألَّفه لبيروت بعد الانفجار لم يُنْشَره بأكمله، بل نشر جزءاً ومُقتطفاً منه في وسائل التواصُل الاجتماعي بدايةً وهو مكتوبٌ للبيانو، ويشرح: "العمل ليس صعباً لناحية تقنيات العزف وبإمكان الشخص المُطّلع على النوتات أن يعزفه بعد قراءاتٍ عدَّة، بعد أربع أو خمس مرّاتٍ".

عمل رمزي بو كامل المُهدى إلى بيروت ولبنان يحمل عنوان "Elegy for solo piano" هو في تركيبته عبارة عن خليطٍ بين "هارموني" Harmony حديثة (عِلماً بأنّ "الهارموني" في الموسيقى تتمثّل بعِلْم التآلفات التناغُمية)، وبين ما يُشابه السرد المقاميّ على النغمة الواحدة.

وحول هذه النقطة يقول المؤلّف الموسيقي الغاضِب والهادىء في آنٍ واحد إن: "هذا السرد لا يكتمل عمداً ضمن إطارِ مفهومِ ما يُعرَف فنياً بالـ non-resolution للجملة بقصدٍ وتعمُّدٍ، ما يُحيل إلى العَبَث، وذلك انطلاقاً من الحال العامة واقعياً ودوّامةِ الأزمات في البلد و"القبول التاريخي" والرضوخ للواقع المُتآكل والصَّدِىء في مدى عقود، ما أفضى إلى هذه النتيجة الكارثية"، مؤكداً "الانفجار يُحفّز الإنسان على التأمّل والتفكير، وعلى إعادة حساباته مع نفسه".

أما عمل عبد الله المصري الذي يتّصف بالتكثيف والاختزال، فيستند إلى المتانة الكلاسيكية خلفيةً وأسلوباً، وإلى التعبير الأنيق الزاخر. 

في الإطار الذي نحاول فيه تفسير معنى الموسيقى قَدْر الإمكان على نحوٍ أكثر قُرباً من الحقيقة، نتذكّر اليوم قول الفيسلوف الألماني فريدريش نيتشه: "لولا الموسيقى لكانت الحياةُ خطأ".

كذلك تلمع في الذهن العبارة الشهيرة للشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش: "هزمتْكَ يا موت الفنون جميعها".

هذا عِلماً بأنّ الموسيقى ترسخ في المسامِع والقلوب والأعماق والأغوار، وتمدّ الفكرَ بأجنحةٍ وتجعله مُحبَّباً أو تجعل استيعابه سهلاً في التلقّي على الأقلّ وفي الحدّ الأدنى.  

  •  عبد الله المصري
    عبد الله المصري

هكذا، إنْ تأليفاً أو عَزْفاً واستحضاراً في التأدية، حملت الموسيقى عموماً معانيَ ومقاصدَ ومضامينَ وأبعاداً مُرتبطة مباشرةً - أو بصورةٍ غير مباشرة وتاريخية - بالحَدَث ونتائجه وهي مُتمحورة حوله وحول خلفيّاته وسياقاته، عِلماً بأنّ الموسيقى هذه في تعدّدها تبقى جزئياً قابلة للتأويل أيضاً؛ إذ أنها تتلفَّف بمروحةٍ دلالية وتعبيرية واسعة.

كما تحمل نسبياً علاماتٍ تنحفر في المدى التاريخي وتبقى إنْ في المكتبة الموسيقية اللبنانية والعربية والعالمية أو في الذاكِرة/ الذاكِرات السمعية والبصرية. 

مرّةً جديدة يتمظهر دور الموسيقى بعد الأحداث الكُبرى كمُحفِّز للإنسان والشعب على أكثر من مستوى، وكشريانِ حياة.  

هالة نهرا

ناقدة موسيقية وفنية وكاتبة وشاعرة لبنانية