من "الضنضرما" إلى "بوظة القشة".. المثلجات صناعة تراثية في طرابلس

تعد صناعة البوظة (المثلجات) من الصناعات التُراثيات التي تحتفظ بها مدينة طرابلس اللبنانية. فما هي أنواعها؟ وكيف تُصنع؟

  • نقولا

من ضمن التُراثيات الكثيرة التي تحتفظ بها مدينة طرابلس اللبنانية، أصناف البوظة المُتعدِّدة، والتي اعتمدت على الثلج في تصنيعها.

لم يكن قد ظهر البرَّاد الذي عمل على ضغط الغاز للتبريد، إن باستخدام "الكاز" (سائل الكيروسين البترولي) لتشغيل المُحرِّك، أمْ بالتيار الكهربائي بعد ذلك، فاعتمد على تبريد السوائل بأن تغمر مستوعَباتها (كالقناني) بالثلج في برّادٍ يشبه الصندوق، له عوازِل على الأطراف، ومُبطّن بمعدنٍ يحفظ الحرارة.

لكن البوظة لا يمكن أن تحتمل التبريد بالاحتكاك المباشر بالثلج، لأنه يُغيِّر تركيبتها المُكوَّنة من عصائر وسكاكر بنِسَبٍ مُتفاوتة. ولأن الحاجة أمّ الاختراع، فقد اخترع الناس التبريد بالثلج بصورةٍ غير مباشرة، حيث يوضَع في مستوعَب، وتوضع البوظة في مُستوعَب آخر مُنفصِل عنه. المُستوعَب الأول يؤمِّن التبريد، والثاني يحتفظ بالبوظة في جوٍ من البرودة اكتسبها بالاحتكاك بالثلج. 

البوظة العربية

  • المثلجات.. صناعة تراثية في طرابلس
    المثلجات.. صناعة تراثية في طرابلس

ومن هنا، بدأت البوظة العربية. أما آخر باعتها في طرابلس فهو أبو محمود، من سكان مدينة البداوي المُلاصِقة لطرابلس شمالاً. 

العربة الجوَّالة الشهيرة لمُهمّات البيع المُتجوِّل، هي المروّجة للبوظة العربية. لكن يجب أن تزوَّد بوعاءٍ كبير، مُستدير ومجوَّف، وعادة من الخشب، ومُثبت في وسط العربة، يستوعب الثلج. يوضَع فيه مستوعَب أصغر حجماً من النحاس، مُغطىً، وفيه مزيج من عصير الليمون، والحامض، والسكر المُعدّ في المنزل. 

يُحرِّك أبو محمود المُستوعَب الصغير في ثلج المُستوعَب الكبير. يتحرَّك السائل في الداخل، وتعلق طبقة رقيقة منه على جُدران المُستوعَب النُحاسي من الداخل. ومن خلال عملية التحريك، يكتسب النحاس برودة فائقة بإمكانها تحويل السوائل العالِقة على أطراف المُستوعَب الصغير إلى طبقةٍ رقيقةٍ من العصير المُثلَّج. 

  • بوظة
    بوظة"الضنضرما"

يقشط أبو محمود الطبقة الرقيقة، ويُقدِّمها للزبون بوظة شهيّة، تُبرّد القلوب مهما ارتفع الحر، واشتدّ القَيْظ.

مهمات عدَّة ترافق عمل أبو محمود، ومنها مَزْج ثلج التبريد بالملح كسباً للتجمّد، وتحمّل الحرارة، ومنها تحضير العصائر بمناسيب مُحدَّدة في المنزل، وكذلك "تبييض" (طلاء بالقصدير) المُستوعَب النُحاسي بين حين وآخر منعاً لتشكّل الزرنيخ السام عليه. 

أما مُستوعَب الثلج الخشبي فقد صنعه أبو محمود عند مُصنّعي المراكب: "هم وحدهم يستطيعون تركيب خشب مُتداخِل ومُتماسِك غير قابل للانفكاك، والدلالة أنني صنعت البرميل منذ 1982 ولا زلت اعتمد عليه منذ ذلك الحين"، يقول للميادين الثقافية. 

كانت العربات المُماثِلة تملأ الشوارع والأحياء في طرابلس صيفاً. لكن الحَدَاثة والبوظة المُبرَّدة بالكهرباء بأصنافها المختلفة، أقعدت العربات وغابت عن السوق.

هذا الصُنف من البوظة حوّله معلّمو الكهرباء إلى تبريد آلي، فصنعوا من وعاء عميق معدني ما يشبه البرَّاد، تلفّه أنابيب نحاس أو ألمنيوم تتبرّد بقوَّةٍ بعبور غاز التبريد المضغوط فيه، ويوضَع فيه العصير الذي يعلق على جوانب المُستوعَب المعدني من الداخل، ويتجمَّد بفعل التبريد الآلي، ثم يجري قشط البوظة المُتكوّنة عنه. 

بوظة الدقّ

  • المثلجات.. صناعة تراثية في طرابلس
    المثلجات.. صناعة تراثية في طرابلس

هذا الصُنف يتشكَّل من الحليب أو القشطة، وبهدف تماسُك البوظة، توضَع مادة السحلب معها في مُستوعَب مُبرَّد عميق، وفتحته ضيّقة لا يتعدّى قُطرها العشرين سنتمتراً. والسحلب نبتة نادرة موجودة شمالي سوريا وفي تركيا. يدقّ المعلّم البوظة بمدقّة طويلة تزيد على المتر، وعند رأسها كتلة خشب ثقيلة، ككل المدّقات. تستغرق عملية الدقّ وقتاً طويلاً إلى أن يلمس المعلّم تماسُك البوظة حتى تصبح كتلة واحدة.

تُباع بوظة الدقّ بقمع من البسكويت، وقد يطلب الزبون تغطيسها بالفستق الحلبي المطحون.

  • بوظة الدق
    بوظة الدق

المعلّمون القُدامى المَهَرة اعتادوا بلوغ التجمّد التام بالكتلة، فعمدوا إلى تعليقها على مداخل محلاّتهم، وباعوها تقطيعاً بالسكين على طريقة اللحّامين. ولئن اختفت هذه الظاهرة في لبنان، لكن بعض الباعة في الأحياء التراثية في سوريا ما زالوا يعتمدونها.

بوظة الدقّ كادت تنقرض، إلى أن أعاد بعض المُعلّمين إحياءها لتقديم صنف قديم- مُتجدِّد جاذِب للاستهلاك. 

الضنضرما

  • المثلجات.. صناعة تراثية في طرابلس
    المثلجات.. صناعة تراثية في طرابلس

مصدرها الأساسي تركيا، والضنضرما تعني البوظة بحسب مُصّنعيها الطرابلسيين الذين اكتسبوا صناعتها من تركيا ونقلوها إلى لبنان. وهي تشبه بوظة الدقّ إلى حدٍ بعيد، لكن بآليةٍ مختلفة.

فآلة دقّ الضنضرما معدنية، من قضيب طويل، مع كتلة معدنية حادَّة عند طرفه. وتصنع في ثلاثة مستوعَبات، حيث يُبرَّد الحليب أو القشطة في إحداها، ويُنقَل إلى الثاني الوسطي حيث يُعالجه المعلّم بالقضيب، دقّاً، وقشطاً عن جدران المستوعَب المُبرّد، فيتجمّد الحليب أو القشطة عليه، ويعاوِد المعلّم قشطه في حركة مُستديمة وسريعة، تخرج منها أصوات إيقاعية شبيهة بدقّ القهوة بالمِهباج، إلى أن يتحوَّل السائل إلى كتلة مُثلّجة، ومُتماسِكة. 

تأخذ العملية وقتاً طويلاً حتى تتحوَّل كل الكميّة إلى بوظة لَزِجة، تُباع بقُمع بسكويت، وتُغطَّس بالفستق الحلبي المطحون كخيارٍ يزيد تسعيرة البوظة. 

البوظة بالقشّة (القرن)

  • المثلجات.. صناعة تراثية في طرابلس
    المثلجات.. صناعة تراثية في طرابلس

سبق هذا الصُنف من البوظة بقيّة الأصناف، فقد اعتمد فيه ببساطةٍ على استخدام الثلج مباشرة، ومَزْج العصائر المُختلفة، وصبّها بقوالب مُستطيلة توضَع في وسط القالب مسكة خشب رقيقة، تُعرَف بالقشّة، تتجمّد البوظة عليها، وتصبح البوظة قابلة للإمساك بواسطة القشَّة. 

لا يزال هذا الصنف مُتوافِراً حتى في التصنيع الحديث، وثمّة مَن يُفضّله نظراً لشدَّة برودته المُستحبَّة لدى البعض. 

البوظة المشكّلة 

  • مدقة الضنضرما المعدنية
    مدقة الضنضرما المعدنية

بحسب ما يوحي إسمها، فهي أصناف مُتعدِّدة حسب المذاق، فمنها ما هو من عصير الليمون، أو التوت، أو الشوكولا، أو الحليب، أو سوى ذلك من أطعمة مُتفنّن بها. 

  • البوظة العربية
    البوظة العربية

هذا الصنف من البوظة هو تطوير لبوظة القشّة، فبينما تُصنَع الأولى من الثلج مباشرة، تُصنَع الثانية من نفس العصائر وتُبرَّد بالثلج سابقاً، وبالبراد الآلي حديثاً، لتتحوَّل إلى بوظةٍ بمُتناول العامة، بأسعارٍ مقبولة، ومذاق شهيّ. وهي الأكثر انتشاراً بين بقيّة الأصناف. ومن خياراتها التغطيس ببودرة الفستق الحلبي.

نقولا طعمة

محرر في الميادين نت