في ذكراها الــ 38.. "صبرا، فتاة نائمة"

تحلّ ذكرى مجرزة صبرا وشاتيلا في ظل اتفاقات سلام خليجية مع "إسرائيل".. فكيف يحفظ الأدب الذاكرة ويقاوم في زمن الرضوخ والتناسي؟

  • لوحة
    لوحة "مجزرة صبرا وشاتيلا" لضياء العزاوي

الذاكرة الفلسطينية حبلى بالمجازر. لائحة طويلة من الصور ومقاطع الفيديو أبطالها هم أنفسهم. رغم اختلاف الأمكنة فإن المشاهد تكاد تكون نفسها أيضاً. نساء وأطفال. بكاء وندب وأيدي مرفوعة بالشكوى إلى العليّ القدير. جثث متكومة وسط دوائر واسعة من الدماء. حضور القاتل الرمزي يطغى على غيابه الجسدي في معظم المجازر. 

هكذا، تعيدنا صور مجزرة صبرا وشاتيلا إلى رائحة الدم الطازج. القاتل ترك أثراً لا يمحى ومضى. لكن حبل الذكرى معه لم ينقطع رغم مرور 38 عاماً.

وإذا كانت الصورة صلتنا بصبيحة السادس عشر من أيلول/ سبتمبر عام 1982، فإن الكلمة عززت هذه الصلة. خاصة في هذا الزمن الذي يسنّ فيه خليجيون سكاكين مجانية للاحتلال، ليستكمل من دون كبير عناء ذبح ما تبقى من فلسطينيين. 

ولأن الكلمة خالدة بخلود الزمن الفلسطيني، فقد وجدت مجزرة صبرا وشاتيلا مكانها في الشعر والرواية العربيين. 

لم يوفر الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش الفرصة ليرسم بالكلمات ما عجزت عنه الصورة. فكتب "صبرا لا أحد.. صبرا هوية عصرنا حتى الأبد"، مضيفاً في قصيدته "صبرا.. بقايا الكف في جسدٍ قتيل"، ليؤرخ لوجود شهادة للقتيل على القاتل.

ووصف درويش في قصيدته عن صبرا، وهي مقطع من "مديح الظل العالي"، وصف حال الفلسطينيين بعد 36 ساعة من القتل والاغتصاب وبقر بطون الحوامل. إذ يقول "ليل طويل.. يرصد الأحلام في صبرا.. وصبرا نائمة ودّعت فرسانها وزمانها.. واستسلمت للنوم من تعب، ومن عرب رموها خلفهم"، ويضيف راوياً حال نساء المخيم على أيدي الاحتلال والميلشيات اللبنانية والمتعاملة معه: "يقطع الفاشي ثدييها.. يقلُ الليل ..يرقص حول خنجره ويلعقه. يغني لانتصار الأرز موالاَ.. ويمحو.. في هدوءٍ .. في هدوءٍ..  لحمها عن عظمها".

لم يتوقف الفلسطينيون منذ عاينوا المجزرة وسمعوا تفاصيلها ممن عايشوها، عن خطّ كل ما يمكن أن يعبّروا به عن مشاعرهم. نظموا القصائد وكتبوا الأغاني لترسيخ الذكرى في الأذهان.

هكذا قدمت فرق غنائية شبابية فلسطينيية وعربية ما يثبت الحق الفلسطيني في المقاومة، خاصة ونحن اليوم في زمن الانبطاح. ومن هذه الفرق فرقة "أغاني العاشقين" و"الطريق" و"ناس الغيوان".

كما قدم شاعر المخيمات ابراهيم صالح، المعروف بــ أبو عرب، كلمات تصف واقع حال من اختبروا المجرزة: "قومي يختي شوفي الجثث المبعثرة، شوفي الجثث الموزعة في الطريق، شوفي الأطفال مسبحين بدمهم، عم يرضعوا من صدر جثة أمهم".

بقايا الجرح الفلسطيني تلقفته الرواية بعد الشعر. وبعد عقود على المجزرة لم تزل ندوب الذاكرة تطبع النصوص الروائية العربية والفلسطينية. 

  • رضوى عاشور
    رضوى عاشور

هكذا نرى المذبحة في رواية "الطنطورة" للأديبة المصرية الراحلة رضوى عاشور، التي تتمحور حول ولد قرر جمع شهادات ناجين من المجزرة بعد استشهاد والده الطبيب.

ثم رواية "بنت من شاتيلا" للفلسطيني أكرم مسلم، وشخصية الفلسطيني مجد بطل رواية "طابق 99" لجنى الحسن، الذي يقع في حب لبنانية من أسرة تنتمي إلى حزب الكتائب الشريك في المجزرة التاريخية. 

  • بنت من شاتيلا لأكرم مسلم
    بنت من شاتيلا لأكرم مسلم

وكذلك في العملين الروائيين "تغريبة حارس المخيم" لسعيد الشيخ، و"بعد بيروت" لرائدة الشلالفة. 

استطاعت "صبرا وشاتيلا" أن تحضر في الأعمال الروائية العربية كتعبير عن الذاكرة الجمعية التي تخص العرب لا الفلسطينيين وحدهم، فشكلت مادة لأعمال طويلة كتبها لبنانيون ومصريون وسوريون وعراقيون، بعضهم عايش الناجين وبعضهم سمع شهاداتهم. 

ويمكن أن نذكر هنا رواية "باب الشمس" للبناني الياس خوري، الذي ظهّر حجم الإجرام الإسرائيلي بالتعاون مع اليمين اللبناني بحق الفلسطينيين.  

ولذلك فإن محاولات أنظمة خليجية تزوير التاريخ وشطب مجازر الاحتلال من الذاكرة العربية لن تنجح، ولو عمد بعضهم إلى رمي فلسطين خلفه.