طرابلس... طموحٌ بين التُراث والتحديث

حتى مُنتصف السبعينيات كانت طرابلس سوقاً تجارية للبنان وسوريا، لكن تعاقب الأحداث أفقدها بعض صناعاتها.. فماذا بقي من هذه الصناعات؟

  • طرابلس الاقتصاد: طموحٌ بين التُراث والتحديث
    طرابلس الاقتصاد: طموحٌ بين التُراث والتحديث

طاوَل تراكُم الحُقَب التاريخية في طرابلس شمال لبنان اقتصادها بشكلٍ مُركَّبٍ، ومُعَقَّد، ومُتعَدِّد الأبعاد. 

في التقليدي من الاقتصاد، قام اقتصاد المدينة على تأمين حاجات السكان، وعرفت المدينة القديمة كل أصناف الحِرَف التي تشكَّلت لها أسواق خاصة، فكان سوق النحَّاسين، وسوق الكندرجيّة، وسوق النجّارين الذي أصبح صناعة موبيليا واسعة، وسوق الصاغة، وسوق العطَّارين، وسوق الخيَّاطين، وسوق الحدَّادين، وسواها، وأيضاً صناعة المراكب المستمرة، وقد تراجع كثيراً دور هذه الأسواق، تحت وطأة الحَداثة التي استوردت مختلف المُنتجات الاستهلاكية بأسعارٍ أرخص.

اليوم، يقتصر سوق الكندرجيّة على مُصلّحي أحذية قلائل مُنتشرين في أنحاء المدينة. النحَّاسون خرجوا من سوقهم، وبقي القليل. وتفرَّق مَن صَمَد إن لأحياء خارج السوق، أم إلى بلدة القلمون المجاورة. ولم يبق من سوق العطَّارين سوى واحد مشهور هو "الشهَّال"، وحافظ النجَّارون على سوقهم مع انتشار واسع في القسم الحديث من المدينة.

 كذلك الصاغة الذين يتجمَّعون أساساً في سوقٍ كبيرة في الداخل الطرابلسي في حيّ يُعْرَف بــ "سوق الصاغة"، وانتشر صاغة آخرون في أنحاء المدينة. 

  • الحداد العربي
    الحداد العربي

ويكاد الخيَّاطون يندثرون، بينما لا يزال أحد أشهر الخيَّاطين "الحفَّار" يعمل منذ أوائل الخمسينات، يخيط الأطقم الرجالية، وكان رَهْطٌ منهم مُتجمّعاً في خان الخيّاطين. كما حافظ أحد أبناء المدينة على صناعة "الطرابيش"، وبقي حدَّادان عربيان يعملان عند ضفة نهر أبو علي الشرقية، واستمرت بعض الحِرَف كصناعة قوالب الحلوى، والخشبيات المُماثلة، والكراسي القشّ، والفخَّاريات التي رست على إثنين من آل عريرو في الميناء، والزجاج الذي بقي له مصنع واحد في البدّاوي، ويمكن العثور على مختلف الحِرَفيين لكن بأعدادٍ قليلة. 

من الصناعات التي اشتهرت بها المدينة هي صناعة الحلويات التي تُعْتَبَر من أبرز مُنتجات طرابلس التي طوَّرها الحلوانيّون بمذاقاتٍ جاذبة، وصناعة الصابون، مُستندة على زراعة الزيتون الوفيرة التي تحفّ بالمدينة، والعطور المُسْتَخْرَجة من زهر الليمون الذي كان طاغياً على "عاصمة الشمال" فارِضاً لقبها بـــ "الفيحاء". 

وأهم مظاهر هذه الصناعة "قرية بدر حسّون البيئية"، التي طوَّرت صناعة الصابون والعطور، وكل ما يمتّ للصحة البيئية بصلة. 

  • خشبيات يدوية
    خشبيات يدوية
  • جانب من خان الخياطين
    جانب من خان الخياطين
  • صناعة الفخار
    صناعة الفخار

ولعب مرفأ طرابلس دوراً تاريخياً في استيراد وتصدير البضائع، إن المُصنَّعة محلياً، أم المستورَدة من الخارج، فشكَّلت المدينة نقطة عبور للبضائع ما عزَّز اقتصادها بالترانزيت، فبُني خط حديد من المرفأ، كان يعبر بساتين الليمون قبل نشوء المدينة الحديثة وذلك عبر عربات نقل تجرّها الجياد، فيما عُرِفَ ب"الترامواي"، ويصل الخط إلى طرف المدينة في باب التبّانة، حيث نشأ سوق تلاقى فيه التجّار اللبنانيون مع السوريين، وتطوَّر السوق حتى بات يُسمَّى "سوق الذهب" في النصف الأول من القرن العشرين، وما قبل. 

ومع خروج المدينة من بوتقتها التاريخية القديمة، بدأت تتأسَّس فيها الأسواق الحديثة الطابع، وبداية من "التلّ"، ثم انتشرت بالتدرّج في اتجاهات مختلفة، وما هي إلا ستينات القرن الماضي حتى بدأت الأسواق الحديثة تظهر مُنافسة أرقى الأسواق العالمية، مثل شارع عزمي، والبوليفار، فطريق الميناء، والمنلا، والمئتين، وشوارع أخرى، وصولاً إلى الشارع الأحدث "عشير الداية" الذي يُعْرَف بــ "الضمّ والفرز" لدى الطرابلسيين ، وتُباع فيها شتّى أصناف البضائع الاستهلاكية من ثيابٍ وأحذيةٍ وأثاث منازل ومواد كهرباء وكل ما يحتاجه الإنسان. 

حتى مُنتصف السبعينيات، كانت طرابلس قد باتت سوقاً تجارية للبنان وسوريا، يرتاد الناس أسواقها، وممراً ومصدراً للبضائع إلى مختلف الدول العربية.

  • نحاسيات طرابلسية
    نحاسيات طرابلسية
  • صناعة المراكب
    صناعة المراكب

وشهدت فترة من الرخاء والازدهار، ووفدت إليها الماركات الأوروبية المختلفة، ونشطت سياحيا بقلعتها، وأسواقها، ومواقعها الأثرية الكثيرة، ومطاعمها التُراثية، ثم لتستقبل كل أصناف الصناعات الغذائية إلى جانب الحلويات من صناعتها التي لم يستطع سواها دخول المدينة نظراً إلى عدم القُدرة على مُنافستها. 

حتى أواسط السبعينيات، أصبحت طرابلس سوقاً مُزْدَهِرة، تؤمِّن كل الحاجيات وبأسعارٍ مُنافسة لأيّ مكانٍ آخر.

مع دخول البلاد مرحلة الحروب الأهلية، كان من الطبيعي أن تطال التطوّرات طرابلس وتجذبها إليها، وأصيبت بوضعٍ أمني مُتوتّر ذي طابع خاص، فجرت فيها صِدامات مع الجوار خلال الحرب الأهلية، وجولات عُنف داخلية، تمدَّدت وتكرَّرت واستمرت حتى العام 2014.

قضت التوتَّرات المُتعاقِبة في المدينة على "شارع سوريا"، فلم يعد سوقاً للذهب، وحُرِقَت محلات الجُملة والمفرَّق. وطاولت الأحداث إسواقها القديمة والحديثة، فأقفل الآلاف منها، وظلَّت تتدهور مع كل جولة عُنف جديدة، وبينما توقَّف العُنف في مختلف أنحاء لبنان، ولو لفترات، لكن في طرابلس، لم تتوقَّف الصِراعات، والأحداث التي تآكل اقتصاد المدينة تحت وطأتها.

كانت طرابلس زاهية، فأصبحت باهِتة، تحاول لَمْلَمَة جِراحها وندوب اقتصادها، لكنها تعود فتنوء تحت وطأة مُستجدَّات غير مُرْتَقبة لدى وقوع احتجاجات 17 تشرين الأول/أكتوبر ودخولها زمن "كورونا"، ولم تحاول السلطات المُتعاقبة تقديم يد العون للمدينة للنهوض بها، وباتت تنتظر كما مختلف المناطق اللبنانية التي ساوت تطوّرات 2020 بينها جميعاً.  

 

نقولا طعمة

محرر في الميادين نت