هجرة الطيور.. وأسرار اللقلاق المدهشة

تغطي البولنديات عيونهن أثناء عبور طائر اللقلاق لاعتقادهن أنه قد يتسبّب لهن بإنجاب مُبكر.. تعالوا لنتعرف إلى أسرار طائر اللقلاق ومكانته عند البولنديين.

  • هجرة الطيور.. وأسرار اللقلاق المدهشة
    هجرة الطيور.. وأسرار اللقلاق المدهشة

بغريزتها الصائِبة، بدأت الطيور المُهاجِرة ترحالها نحو الجنوب، مُتلمّسة قدوم فصل الخريف، وبعده الشتاء، حيث بدأ البرد القارس يطغى على موائلها في بلدان أوروبا الواقعة في المناطق الباردة شمال الكرة الأرضية، وقد بدت رفوفها بالآلاف عابرة الأجواء، هادِرة هديراً مُخيفاً وغير مُتوقَّع.

تقوم الطيور المُهاجرة بهجرتين مُتعاكستين سنوياً، الأولى، أوائل الخريف أي في أواخر أيلول/سبتمبر وأوائل تشرين الأول/أكتوبر، وتتّجه من موائلها في أوروبا نحو الجنوب، حيث مناطق مُعتدلة كصيفيات بلادها، والثانية تبدأ في شباط/فبراير نحو الشمال عائدة إلى بلادها.

وبحسب "جمعية الأرض" اللبنانية التي أقامت حملات واسعة لحماية الطيور، فإن "600 مليون طير يهاجر فوق سماء لبنان خلال الموسم الواحد، وحوالى 400 نوع، أهمّها الجوارح التي تجمل السماء، كالعُقبان والنسور، والباز، والبواشِق والحوم، واللقلاق، والبَجَع، والكركي، بالإضافة إلى عشرات الأنواع من الطيور الصغيرة. والمعروف أن منظر مشاهدة الهجرة في لبنان مُتميّز عن كل باقي الدول"، بحسب الجمعية، "إذ تتّجمع آلاف الطيور لتمر فوق أودية لبنان وجباله".

أبرز أصناف الطيور هو "اللقلاق" لما يتّصل به من روايات، وسلوك خاص، فاحتلّ بطبيعته أهمية مُتعدِّدة الجوانب، ومنها ما يُلامِس الموقع السياسي، حيث يؤدّي التمادي باصطياده إلى أزماتٍ دبلوماسيةٍ بين بعض الدول، خصوصاً مع بولندا التي تحتفظ بمكانة عالية لــ "اللقلاق"، نظراً لما يجنيه لها من فوائد، وتعمل على حمايته وتكاثره.

  • هجرة الطيور.. وأسرار اللقلاق المدهشة
    هجرة الطيور.. وأسرار اللقلاق المدهشة

وتروي منشورة صادرة عن "وكالة الأنباء البولندية" حكاية اللقلاق المُثيرة، ذاكِرة أنه "في مسار هجرة اللقلاق من جنوبي أفريقيا إلى أوروبا، يقطع الطير مسافة عشرة آلاف كيلومتر، دونها المخاطر الكثيرة، ويعبر في خطّين، الشرقي وهدفه أواسط أوروبا، ويعبر فوق السودان، فمصر، فالشرق الأدنى، فتركيا، فبلغاريا، ومنها إلى أماكن عديدة لكن الأهمّ منها هي بولندا. أما الخط الثاني، فيعبر باتجاه أواسط أفريقيا، بلوغاً إلى مضيق جبل طارق، فالمنطقة الغربية من أوروبا وتحديداً منطقة غرب الألب"، وذلك في خط التفاف يوفّر على الطيور قَطْع مسافات واسعة فوق مياه المتوسّط، وهو خط يبدو أكثر صعوبة، ومشقّة على الطيور حيث يتعذّر العثور على مكامِن الاستراحة بسبب المياه.

في أواخر آذار/مارس من كل عام، يصل بولندا نحو ثلاثين ألف زوج من اللقلاق، حيث تعتبر بولندا أكبر تجمّع لهذا النوع من الطيور، وتستضيف ثُلث العدد الشامل منها، في وقتٍ تتعرَّض فيه الطيور في الغرب الأوروبي لمخاطر الانقراض. ففي ألمانيا لا يوجد سوى ثلاثة آلاف زوج، وفي النمسا 318، وثلاثين في فرنسا فقط، بينما لا يوجد أيّ طير منها في بلجيكا والسويد.

ويزداد حضور اللقلاق شرقاً، ففي أوكرانيا هناك أكثر من 15 ألف زوج، وعشرة آلاف في بيلاروسيا. 

تعيش طيور اللقلاق على الحشرات، وتحتاج عائلة واحدة منها شهرياً إلى ما بين 200 -250  كيلوغراماً من لحم الحشرات، ويكفي التناقُص الذي يسبّبه اصطيادها لإحداث خلل بيئي لا تعرفه الطبيعة التي لا يتوافر اللقلاق فيها.

ويصف بعض الاختصاصيين كبار اللقلاق بالقُساة المتوحّشة لأنها تُلقي صغارها خارج العشّ عندما تشعر أن الصيف جاف، فهي تعرف منذ أوائل الربيع وجهة الطقس الصيفي المقبل، ومدى جفافه. كما تستطيع الطيور احتساب قُدرتها على الصيد في كل موسم، وبناء عليه تقرّر ضرورة التخلّص من عدد من صغارها.

لا يتفق كل الاختصاصيين مع هذا الرأي حيث يعتقد بعض منهم أن الطيور الصغيرة قد تلتقط طفيليات من الضفادع، والحشرات، والزواحف تتسبّب بأضرارٍ قاتلة في العشّ، لذلك يتخلّص الكبار منها عند إصابتها.

وتبدأ رحلة اللقلاق في شهر شباط/فبراير من أفريقيا، باتجاه الشمال، ويستفيد الطائر من الهواء الساخِن الذي يحمله إلى أعلى فيُساعده على الطيران، ولذلك يؤثّر الطيران النهاري، وعند اقتراب الليل، يبرد الهواء، ويكون الطائر قد أنهكه الطيران طوال النهار، فيبحث عن محطة استراحة على البر، وبين انهاكه وقُربه من الأرض يصبح هدفاً سهلاً للصيادين المُتفلتين من قوانين الصيد.

وما ينجو من الطيور يتابع سيره باتجاه الدول التي يتّجه إليها بتركيز ومعرفة وذاكِرة وقّادة، فيعود إلى النقطة التي يُقيم فيها عشّه الذي ولِد فيه لإجراء عملية الإباضة. 

  • هجرة الطيور.. وأسرار اللقلاق المدهشة
    هجرة الطيور.. وأسرار اللقلاق المدهشة

ويسبق ذكور اللقلاق إناثها بأربعة أيام، يستكشف خلالها حال عشّه، فإذا كان ما يزال في مكانه، أجرى عليه بعض لمسات ترميم، وتحضير، وإذا كان مُدمّراً، بنى عشّاً آخر في نطاق الخمسين كيلومتراً من المكان السابق تحضيراً لـــ "العشّ الزوجي" الذي تضع فيه الأمّ الأبناء.

تصل أسراب الإناث بعد أربعة أيام، وتتوزَّع الطيور أزواجاً، كل زوجين معاً لفصل صيف واحد، يستكشفان المكان، ويتمتّعان بجمالاته، يتبادلان إشارات الوداد كأنهما في شهر عسل، وبعد جولة في المروج والحقول الخضراء، يتّجه العاشقان إلى العشّ الذي هيّأه الذكر، فتقام طقوس التزاوج وبعدها تضع الأنثى ما بين ثلاث وخمس بيضات. 

وتبلغ فترة حضانة البيض الشهر، وتبقى الولادات الجديدة في حضانة الأب والأمّ مدّة تتراوح بين شهرين وثلاثة، بعدها يغادر الجيل الجديد، ويلتحق بأترابه، وتتجمّع الطيور الحديثة أسراباً على ضفاف المياه، وفي المروج الرطبة، ثم تبدأ رحلة هجرتها أواسط آب/أغسطس كحد أقصى باتجاه أفريقيا هرباً من برد الشتاء القادم.

بنى البولنديون مُعتقدات مُتعدّدة حول اللقلاق، ومنها اعتبار رؤية عشّ لقلاق نذير خير وسعادة، ويعتقد الأطفال أن اللقلاق هو الذي أتى بهم إلى أهلهم. أما الإناث فيغطين أعينهن عند عبور الطيور لاعتقادهن أن اللقلاق قد يُسبّب إنجابهن المُسْبَق (untimely progeniture).

نقولا طعمة

محرر في الميادين نت