حروب الشوارب

آلهة وملوك .. كيف تسبَّبت الشوارب واللحى في إشعال الحروب؟

  • الملك فؤاد الأول
    الملك فؤاد الأول

في شموخٍ يتعارض مع قصر قامته، وقف الفنان إبراهيم سعفان، أو قل "المتر سفاجة سفان" أمام وحش الشاشة الفنان فريد شوقي "أمشير"، ليترافع في جريمة بشعة، يشيب لها شعر الوليد، أو حسب قوله: " تقول لجرائم ريّا وسكينة قوموا وأنا أقعد مطرحكم"، والتي تمثّلت في إشعال الحريق بجزءٍ من شارب موكّله "إبن النجعاوي".

البداية كانت عندما جلس أبو بكر عزّت في دور "مدحت الشماشيرى" بجوار حسن حامد "إبن النجعاوي"، يتابعان عرض أزياء تشارك فيه نوال أبو الفتوح (أزهار)، قبل أن يطلب الأخير من "الشماشيرى" أن يُشعِل له سيجارته؛ ليخرج ولاّعته ويبدأ في الإشعال من دون أن ينظر إليه؛ ومن ثم تُصيب النار شارب "إبن النجعاوي" وتتحوَّل جلستهم إلى حالٍ من التعدّي على "الشماشيري".

هذا الأمر المُروِّع أفقد "إبن النجعاوي" هيبته، ما دفع "مجلس النجع" لإعلان الحرب على مَن قام بفعلته، ولكن حسب قول "سفاجة سفان" آثر النجعاوية السلم، مُكتفين بطلب تعويض بسيط قدره ألفان من الجنيهات. 

سخر "أمشير" من طلبهم، قبل أن يطلب المحامي منه النظر من شباك المنزل؛ ليرى جيشاً من النجعاويين جاؤوا للقصاص لشارب إبن كبيرهم، ومن ثم عدل عن سخريّته بل وطالبهم أن يضاعفوا التعويض عن تلك الجريمة الشنعاء. 

هذا أحد مشاهد الفيلم الكوميدي "30 يوم في السجن"، والتي تطوَّرت أحداثه بلجوء النجعاوية إلى القضاء وحصولهم على حُكم بسجن مدحت الشماشيرى 30 يوماً، قضاها عنه صديقه "أمشير".

لكن من الطريف أن هناك حروباً حقيقية نشبت بين بعض الدول، وراح ضحيّتها الكثير من الرجال من أجل "فردة شنب"، سواء كان ذلك قديماً أو حديثاً.

حروب على لحى الآلهة

  • حروب الشوارب
    حروب الشوارب

فمثلاً؛ الحرب التي نشبت بين الفينيقيين، لم تكن حرباً على لحى الملوك، بل الآلهة، فلما كانوا مختلفين في ما بينهم من حيث إطلاق اللحى من عدمه؛ جاءت آلهتهم على نفس الصورة. 

ولكن الحرب نشبت عندما لم يكتف أهل مدينة صور اللبنانية بأن يكون إلههم "بعل" بلحية، بل وصل الأمر إلى حد رغبتهم في أن يكون "دربعل" إله صيدون مُلتحياً هو الآخر، وهو الأمر الذي رفضه الصيداويون، نشبت الحرب بينهما قبل أن تنتهي بانتصار صور وإملاء شروطها.

أما الحرب التي اشتعلت بين التتار والصينيين، فلم تكن لفرض الشارب، بل لتعديل وضعه. فالصينييون كانوا يرخون شواربهم إلى الأسفل، وهو الأمر الذي لم يرض عنه التتار، ومن ثم كانت رغبتهم في أن يرفعوها إلى الأعلى مثل شواربهم. ولما رفض الصينيون ذلك نشبت بينهما حرب انتهت بانتصار التتار وإجبار الصينيين على تنفيذ رغبتهم، حتى أنهم كانوا كلما شاهدوا صينياً بشارب مسدل يرفعونه بحد السيف.

لحية أخرى كانت سبباً في قيام حرب ضروس سقط فيها قتلى وجرحى من أصحاب اللحى أو ممَّن تخلّوا عنها، وهي لحية السفير التركي التي جلبت له سُخرية دوق البندقية، وهو الموقف الذي كان من الممكن أن يمرّ خفيفاً. لكن بحسب مقال  "اللحى والشوارب في التاريخ" للدكتور طلال المجذوب ( مجلة "العرفان" بتاريخ 1 آب/أغسطس 1987)، وصل الخبر للسلطان العثماني، الذي عدَّها إهانة شخصية فأعلن الحرب على البندقية.

غيرة الملك فؤاد من شارب "شاويش"

  • الملك فؤاد الأول
    الملك فؤاد الأول

أما بين الملوك والعامّة فقد ظهرت معارك صغيرة كان سببها شارب أو لحية أحدهما، ولعلّ أشهرها في العصر الحديث ما وقع بين الملك المصري فؤاد الأول وشاويش في الجيش المصري.

إذ كان لفؤاد شارب قال عنه الكاتب محفوظ عبد الرحمن في مقال بعنوان "حتى الشوارب لها تاريخ"، إنه ربما كان نتاج تأثر الملك بالتُراث العثماني والحضارة الإيطالية الحديثة.

لم يكن شارب الملك الذي وصفه العامة بأنه "يقف عليه الصقر"، هو وحيد زمانه. إذ سُرعان ما تناقل سكان القاهرة أخباراً عن شاويش يحمل شارباً يشبه شارب الملك، وهو الأمر الذي أزعج فؤاد كثيراً وأثار فضوله فطلب من رجاله إحضار الشاويش.

حضر الرجل وكان شاربه طبق الأصل، وخرجت الرواية من القصر تقول بأن الملك استقبل الشاويش أحسن استقبال وأغدق عليه. لكن محفوظ عبد الرحمن يؤكّد أن القصة لم تكن كاملة، فلقد اختفى الشاويش بعدها من تحت الأضواء، وقيل إنه عندما ظهر هنا أو هناك كان يحمل شارباً متواضعاً.

أما في العام 1551 فحدث ما يجعلك لا تأتمن ملكاً على لحيتك أو شاربك، وتحديداً عندما أصيب الملك فرنسوا الأول بجرحٍ في رأسه وهو يُبارز أحد الأشراف؛ فاضطر إلى قصّ شعر رأسه وجزّ لحيته.

ودرج الناس بعد ذلك على حلق شعورهم ولحاهم، ولكن لما دار الزمن دورته وطابت جروح الملك، عاد إلى إرخاء لحيته، لكن ثمّة شيء نما بداخله جعله يرى اللحية سِمة ملكية لا يمتاز بها العامة.

ووفق مقال المجذوب، فقد أصدر فرنسوا الأول مرسوماً يسمح للنُبلاء فقط بإرخاء لحاهم مثله، وحرَّمها على عامة الناس الذين تخلّوا عنها لأجله.

ويذكر المجذوب أنه في عهد الملك لويس الثالث صدر مرسوم بحلق لحى النُبلاء، عدا جزء صغير في وسط الذقن "سكسوكة" عُرِفَ في ما بعد باسم "اللحية الملكية" وقلّدهم فيها عامة الناس.

لكن مع مجيء لويس السادس عشر أمر الضبّاط بحلق لحاهم وشواربهم وسمح للجنود بإطلاقها. وعند قيام الثورة الفرنسية شجّعت الناس على حلق اللحية والشوارب، لكن منذ عام 1820 عادت موضة الشوارب إلى الظهور، وكذلك موضة إرخاء اللحى منذ العام 1848.

عقاب للأعداء والفارّين من الخدمة العسكرية

  • الفنان الراحل محمود المليجي في لقطة من فيلم
    الفنان الراحل محمود المليجي في لقطة من فيلم "الأرض"

في فيلم "الأرض" للمخرج المصري الراحل يوسف شاهين، يعترض أهل القرية على أن يقطع جسر أراضيهم وصولاً إلى قصر الباشا. حضرت قوات الأمن وألقت القبض عليهم حتى باتوا ليلتهم في زنزانة ضيّقة.

وإمعاناً في إذلال "محمّد أبو سويلم" شخصية البطل في الفيلم، والتي جسّدها الفنان الراحل محمود المليجي، لم تجد السلطة أشرّ من أن تحلق له شاربه، في حركة ترمز إلى التعدّي على رجولته وكرامته، وهو الفعل الذي أبكى الشخصية حينما وقع نظرها في عيون أهل البلد. تلك القرية التي دخلها مُختبئاً كمَن يهرب من عار.

هذا الأمر اختبره الإسبارطيون أيضاً، حيث كرّسوا حلق لحى وشوارب جنودهم الهاربين من الخدمة عقاباً لهم على فعلتهم. حتى إن الكثير من الشعوب القديمة جرت العادة بينها على حلق شوارب الأسرى لديها؛ إمعاناً في إذلالهم. 

ولما كان حلق لحية الهاربين من التجنيد والأسرى علامة إذلال، فإن ترك الشارب من دون تهذيب علامة على الحزن الشديد، فالبعض إلى الآن يتركون لحاهم وشواربهم لشهور من دون تشذيب إذا ما فقدوا عزيزاً لهم.