شارع الكنائس: دفء تفاعُل وسِحْر شرقي

شارع تتجاور فيه الكنائس والجوامع وتتعانق فيه المآذن والصلبان.. تعالوا لنتعرف إلى "شارع الكنائس" في طرابلس اللبنانية.

  • شارع الكنائس: دفء تفاعُل وسِحْر شرقي
    شارع الكنائس: دفء تفاعُل وسِحْر شرقي

أن يكون هناك شارع إسمه "شارع الكنائس" في طرابلس، يبدو أمراً غريباً في زمننا العجائبي، لكن الحقيقة مُغايرة للسائد في ظلّ طغيان مفاهيم الحروب والأحداث الأمنية اللامُتهاوِدة، التي شوَّهت الحياة العامة وبرزت ما هو مطلوب كوقودٍ للحروب. 

يختزل شارع الكنائس تاريخ المدينة القديم والحديث، قبل أن تدخل الأحداث في متاهات السيطرة التي لم يبدُ حتى الآن إلا أنها تهدف إلى التفكّك، والتفتيت، وضياع البلاد المُتعمَّد من  دون أفق. 

يقع شارع الكنائس في نقطةٍ وسيطةٍ بين طرابلس القديمة، وطرابلس الحديثة، وفيه تنوّع ديموغرافي إسلامي-مسيحي كبير، وتُعرَف إحدى حاراته بحارة النصارى كامتدادٍ لطرابلس القديمة، سكنتها غالبيّة مسيحية، في البداية هم من سكان المدينة الأصليين، كآل غريب والنحاس وخلاط والروس، ومنهم الوافد لاحقاً من الجوار الطرابلسي في تنوّعٍ عريضٍ، وربما من الخارج كعائلة كاتسفليس اليونانية، وفي الحارة أملاك وقفية يونانية. 

  • شارع الكنائس: دفء تفاعُل وسِحْر شرقي
    شارع الكنائس: دفء تفاعُل وسِحْر شرقي

وفي شارع الكنائس مساجد، وكنائس مُتجاوِرة، ويمكن القول إنها مُتعاشِقة، تكاد تستند قبَّة جرس فيها إلى مئذنة جامع، كما يبدو بين الجامع الأسعدي وكنيسة مار نقولا. 

وفي الأبنية السكنية، أقامت عائلات مُتنوِّعة الانتماء المذهبي، تقاسَم أبناؤها الحياة، والتقاليد بالطريقة عينها، والفارِق أداء الطقوس المختلف بين فئةٍ وأخرى، من دون أن يكون ذلك عامل تفرِقة، أو رفض من الآخر، بل شكَّل عامل تفاعُل، وتشارُك في كثيرٍ من الأحيان، حتى تخالطت المُمارسات، واللغة، والمفاهيم، ولم يعد يُعرَف مَن المسلم، ومَن المسيحي. 

  • شارع الكنائس: دفء تفاعُل وسِحْر شرقي
    شارع الكنائس: دفء تفاعُل وسِحْر شرقي

ما زال هذا المناخ سائداً في شارع الكنائس، وحارة النصارى، مع فارِق تراجُع عدد المسيحيين في الحيّ بشكلٍ ملحوظٍ مُقارنة مع عدد المسلمين.

وشارع الكنائس ضمّ مدارس إرسالية كبيرة ابتداء من النصف الثاني من القرن التاسع عشر، لعبت دوراً كبيراً في ثقافة الحيّ، والمدينة بصورةٍ عامة، خرَّجت عشرات الآلاف من مختلف أبناء وفئات المدينة، منها "مدرسة الآباء اليسوعيين" (الفرير)، و"مدرسة الآباء الكرمليين" (الطليان)، وعلى مقرُبة منهما، "مدرسة الراهبات اللعازاريات"، و"المدرسة الإنجيلية"، إضافة إلى مدرسةٍ وطنيةٍ كبيرةٍ بحجم الإرساليات هي "مدرسة البنات الوطنية للروم الأرثوذكس”. وقد هجر أكثرها المدينة منذ أوائل سبعينات القرن الماضي بسبب ازدحام الأعمال، والتكاثُف السكاني، وحتى العقد المُنْصَرِم، ولم يبق منها إلا "مدرسة الروم للبنات"، وفرع مهني لمدرسة الآباء الكرمليين. 

أجواء الشارع جذبت العديد من العائلات من البلدات المسيحية في الجوار، للعمل وللعِلم، فكانت تظهر عوامل التنوّع في تراجُع الحركة الاجتماعية صيفاً بسبب خروج العائلات نحو قراها لتعود أوائل تشرين الأول/أكتوبر مع عودة المدارس. 

  • شارع الكنائس: دفء تفاعُل وسِحْر شرقي
    شارع الكنائس: دفء تفاعُل وسِحْر شرقي

الشارع يُعْتَبر حديثاً نوعاً ما، وبدأ يتأسَّس في الزمن العُثماني في القرن التاسع عشر، يشير إلى ذلك وجود المسجد الحميدي عند طرف الشارع، وهو عُثماني العهد، ومسجد الرفاعية عند زاويةٍ أخرى من الشارع، وفي الوسط، الجامع الأسعدي.

بين هذه المساجد الثلاثة توزَّعت الكنائس. فحول الجامع الحميدي قامت، من جهة، مطرانية الروم الأرثوذكس، التي دُمِّرت في أحداث 1985 في قصفٍ طاول المدينة، فنقلت إلى مقرٍّ ثانٍ في طرابلس الحديثة، ومن الجهة الثانية، مطرانية الروم الملكيين الكاثوليك التي ما زالت قائمة مع كنيستها. 

وقرب الجامع الأسعدي، تقوم أعتق كنائس الحيّ وهي كنيسة مار نقولا، بُنيَت سنة 1809، وأقيمت باتفاقية بين الطائفتين، جرى فيها تبادُل كنيسة داخل المدينة القديمة قرب جامع "الأويسية" بهدف توسعة مجاله، ومصبنة كانت موجودة مكان الكنيسة حالياً. 

  • شارع الكنائس: دفء تفاعُل وسِحْر شرقي
    شارع الكنائس: دفء تفاعُل وسِحْر شرقي

أما ثاني أكبر الكنائس فهي كنيسة مار جرجس للروم الأرثوذكس، وتُعْتَبر أضخم كنيسة أرثوذكسية في لبنان، بُنيَت بين أعوام 1862 و1873، وتتذكَّر السيّدة أنياس غريب أن منزل أهلها كان قائماً في نقطةٍ لصيقةٍ بموقع الكنيسة، واضطر والدها لتقديم المنزل لتسهيل بناء الكنيسة، فانتقلت العائلة إلى السكن في حيٍّ آخر من المدينة. 

وبينما تُقام صلوات مُحدَّدة في كنيسة مار نقولا، إضافة إلى قدَّاس الأحد، فإن كنيسة مار جرجس تُعْتَبر موقعاً مركزياً تلقائياً لمختلف الرعايا الأرثوذكس من مختلف المناطق، يأمونها للمشاركة في إحياء احتفالات دينية مركزية كعيدي الميلاد أواخر العام، والفصح مطلع الربيع.  

أما كنيسة مار يوسف التي تتبع لطائفة السريان الكاثوليك، وتقوم قبالة كنيسة مار جرجس، ورغم أن عدد أبناء رعيتها الطرابلسيين قد أصبح رمزياً في المدينة، إلا أن الكنيسة ما انفكَّت تستضيف قدَّاس الأحد من دون توقّف، بحسب إفادات سكان الحيّ. 

كنيسة مار مخائيل المارونية، شُيِّدت سنة 1889، قبالة مدرسة الطليان، تقام الصلوات اليومية فيها، ويأمّها موارنة الحيّ، والأحياء المجاورة، وقد انتقلت أهميّتها بعد أن بنى الموارنة كاتدرائية مار مارون في الشارع الذي حمل إسمها أواسط القرن الماضي، فباتت تستضيف المناسبات الدينية الكبرى، وظلَّت مار مخائيل مركزاً للصلاة اليومية، ولقدَّاس الأحد.

بينما كنيسة اللاتين التابعة لمدرسة الآباء الكرمليين، فيستخدمونها في طقوسهم العادية، مع العِلم أن أبناء الجالية اللاتينية قد تناقصوا، ولم يبق منهم سوى عدد صغير. 

  • شارع الكنائس: دفء تفاعُل وسِحْر شرقي
    شارع الكنائس: دفء تفاعُل وسِحْر شرقي

امتداداً إلى شارع الكنائس، يقوم شارع الراهبات الذي حمل إسم دير الراهبات اللعازريات، ومدرستهن الشهيرة التي خرَّجت آلاف الطرابلسيات من كافة فئات المدينة، وانتقلت قبل الأحداث إلى منطقة السامرية في الكورة. أول شارع الراهبات، قامت الكنيسة الإنجيلية، وظلّ الإنجيليون يمارسون طقوسهم فيها حتى مُنتصف السبعينات حيث انتقلت كنائسهم بعد ذلك إلى أحياء أخرى، في شارع الثقافة، وشارع المنلا الأكثر حداثة.   

ويتذكَّر سفير لبنان السابق في الكويت الدكتور خضر الحلوة وجود كل العائلات الروحية في الشارع، وينطلق من شارع الكنائس لعَنْوَنة كتابه "شارع الكنائس" الذي جسَّد صيغة العيش المشترك التي شهدتها طرابلس ككل، وبلغت ذروة مجدها في النصف الأول من سبعينات القرن الماضي.

يتذكَّر الحلوة المدينة وعيشها المُشترك ووفود الجوار اللبناني، وكذلك المسيحيين السوريين والعراقيين. أجراس ما انفكَّت تُقْرَع من دون توقّف. مستمرة مثل المآذن. ويصف الشارع بقوله: "جمع الكنائس مع الجوامع جنباً إلى جنب، كنائس وصلبان إلى جانب جوامع ومآذن من التاريخ القديم إلى التاريخ الحديث تتجاور وتتحاور.. إنه سحر شرقي فريد لم يعرفه الغرب".