من جميلات الجزائر: جميلة عمران مجاهدة ومؤرخة

لم يأت نضالها من العَدَم، وتعلَّمت منذ صِغَر سنّها حبّ الحرية والعدالة والكفاح من أجل الحق. من هي جميلة عمران؟

  • من جميلات الجزائر: جميلة عمران مجاهدة ومؤرخة
    من جميلات الجزائر: جميلة عمران مجاهدة ومؤرخة

مُقدّمة: جميلة دانييل عمران (1939-2017)

الترجمة من الفرنسية: محمد وليد قرين

نرى اليوم كتابات مُتعدِّدة حول حرب التحرير الجزائرية، لكنها كلّها تشترك في تجاهُل نضال النساء، سواء تعلَّق الأمر بأعمالٍ روائيةٍ، أو شهاداتٍ وأبحاثٍ جامعيةٍ، على الرغم من أنه منذ بداية الكفاح، وُجِدَت جزائريات انخرطن واقتحمن السياسة والحرب، وهما مجالان كانا من قبل حكراً على الرجال.

فقد ظهرت في الصحف منذ العام 1955 أسماء مُناضِلات تمّ اعتقالهن، وظهرت صوَرَهن على واجهة الصحافة المحلية. وفي عزّ الحرب، صار إسم إمرأة، إسم جميلة بوحيرد، رمز شعب يُكافِح بأكمله*.

لقيَ نضال النساء خلال الحرب صدىً إيجابياً عند الرأي العام، على المستوى الوطني والعالمي، في الشرق الأوسط وأوروبا. وعند انتهاء الحرب، لم تختفِ النساء بسرعةٍ من المشهد السياسي فحسب، وإنما بدا وكأن الجميع نسيَ الدور الذي لعِبنه في الحرب.

لقد احتفظت ذاكِرتي، كوني شاركتُ في حرب التحرير الوطنية، بصورة كل تلك المُناضلات اللاتي عرفتهن خلال معركة الجزائر، في الجبال وفي السجون. وبدا لي ظُلْماً كبيراً جداً أن تتمّ كتابة تاريخ سنوات الحرب السبع بطَمْسِ النساء وهنّ نصف الشعب الجزائري.

هذا النصف الذي نسيه المؤرِّخون والشهود، والفاعلون والكتَّاب هو الذي أردتُ إعادة إحيائه في كتابي هذا.

* مُلاحظة الكاتبة: فيلم واحد (جميلة الجزائرية، من إخراج يوسف شاهين، 1958) وكتاب واحد (من أجل جميلة بوحيرد، من تأليف جورج أرنو وجاك فيرجيس، باريس، 1957) وأغاني (مثل أغاني وردة الجزائرية، جزائرية مُستقرّة في مصر، والمصرية سعاد محمَّد والمغربية حاجة حمداوية) تحتفي بإنجازات جميلة ومُعاناتها. هذه حال فريدة من نوعها، إذ لا يوجد فيلم آخر ولا أغنية أخرى (مؤلّفة وفي الخارج) أثناء الحرب خصِّصياً لشخصيةٍ واحدة. يوجد فقط كتاب آخر يحكي ملحمة شخصيّة ويتعلّق، مرّة أخرى، بامرأة هي جميلة بوباشا (كتاب جيزيل حليمي، جميلة بوباشا، باريس، 1962).

كتبت جميلة عُمران هذه المُقدِّمة في كتابها الموسوم بـLa guerre d’Algérie, Femmes au combat، منشورات رحمة، الجزائر، 1993 

تقديم: كاتبة هذا النصّ مُجاهدة من نوع خاص، وهي شاعِرة ومؤرِخة جزائرية تبَّنت الجزائر بأكملها وثورتها الوطنية التحريرية رغم أنها فرنسية المولِد والمنشأ. لنستعيد ما قاله عبد الحميد بن زين في كتابه "يوميّات مُجاهِد" حتى يفهم القارئ أحسن انخراط أوروبيين وجزائريين من أصولٍ أوروبيةٍ في جيش التحرير الوطني الجزائري.

كتب بن زين ما يلي: "إنّ حربنا ليست حرباً عِرقية ولا هي حرباً دينية، إنما هي حرب وطنية. يوجد مسلمون في صفوف الاستعماريين وهم الواشون، الشرطيون، وبعض الإقطاعيين الذين آذونا بقدر ما آذانا الفرنسيون. وفي صفوفنا نحن يوجد أوروبيون (...) (Abdelhamid Benzine, Journal de Marche, Editions Nationales Algériennes، 1965، الجزائر-ستراسبورغ، ص.33).

إسم جميلة الأصلي هو دانييل مين Danièle Minne وولِدَت في فرنسا سنة 1939. لم يأت نضالها من العَدَم، وتعلَّمت منذ صِغَر سنّها حبّ الحرية والعدالة والكفاح من أجل الحق. أمّها جاكلين قرّوج مُجاهِدة فدائية مع زوجها عبد القادر قرّوج، مُناضِل يساري مشهور وعضو في جيش التحرير الوطني الجزائري.

التحقت دانييل سنة 1956 بصفوف جبهة التحرير الوطني رفقة زوجها خليل عُمران، مباشرة بعد إضراب الطلبة الجزائريين في 19 ايار/مايو من نفس السنة.  

وفي سنوات الكفاح تبنَّت إسم "جميلة"وصارت فدائية وأختاً في الجهاد لجميلات "معركة الجزائر"، جميلة بوحيرد، جميلة بوباشا وجميلة بوعزّة.

شاركت جميلة عُمران في عملياتٍ فدائيةٍ تتمثَّل في تفجيرِ حاناتِ ومقاهٍ يرتادها الاستعماريون في الجزائر العاصمة، وأشهر تلك العمليات هي تفجير حانة الأوتوماتيك، في العاصمة في كانون الثاني/يناير 1957.

اننقلت جميلة بعدها إلى العمل المُسلَّح واعتقلها جنود الاستعمار الفرنسي في كانون الأول/ ديسمبر 1957 إثر اشتباك عنيف استشهد فيه إخوتها من المُجاهدين وأختها في الكفاح المُجاهِدة ريموند بيشارRaymonde Peschard المُلقَّبة بـ"الطاووس".

تمّ سجن جميلة في حبس بارباروس (سركجي) في الجزائر العاصمة، ثم تمّ نقلها إلى حبس رين، في فرنسا. أُطلِقَ سراحها في نيسان/ابريل 1962 بعد اتفاقيات إيفيان. وبعد الاستقلال صارت أول أستاذة جزائرية تُدرِّس التاريخ في جامعة الجزائر.

أصدرت جميلة سنة 1993 في الجزائر كتابها نساء في الكفاح، حرب الجزائر (1954-1962) تؤرِّخ فيه لمُشاركة النساء في حرب التحرير الوطني الجزائرية.

لكن سنوات التسعينيات هي أيضاً سنوات الإرهاب التكفيري الذي ضرب الجزائر، وهدَّد الإرهابيون جميلة بالقتل فاضطرّت على أخذ طريق المنفى، خاصة بعد أن قتل إرهابيو الجبهة الإسلامية للجهاد المُسلَّح (فرع من فروع الجماعة الإسلامية المُسلَّحة التكفيرية) عدداً من المُفكِّرين والمُثقَّفين الجزائريين كـمالك علّولة وعزّ الدين مجوبي والعادي فليسي وجيلالي ليابس ومحمَّد بوخبزة.

درَّست جميلة، بدءاً من 1999، تاريخ الدراسات النسوية في جامعة تولوز، في فرنسا ولكنها قضت سنواتها الأخيرة في وطنها الجزائر.

توفّيت المُجاهِدة في شباط/فبراير 2017 ودُفِنَ جُثمانها في مقبرة سي محمَّد أمقران، في مدينة بجاية، مسقط رأس زوجها المُجاهِد الشهيد خليل عُمران، الذي كان ضابطاً في جيش التحرير الوطني، واستُشْهِد في تشرين الثاني/نوفمبر 1960 خلال اشتباك مع جنود الاستعمار الفرنسي، في دوَّار إقجان، في ولاية بجاية حالياً.

محمد وليد قرين

كاتب وأستاذ في معهد الترجمة بجامعة الجزائر