خانات طرابلس ودور تاريخي بين الشرق والغرب

استضافت طرابلس القديمة التجَّار العابرين بين الشرق والغرب، ولهذه الغاية أنشئت الخانات.. تعالوا لنتعرف إلى أشهر خانات طرابلس وقصة كل منها.

  • خاناتُ طرابلس ودورٌ تاريخي بين الشرق والغرب
    خاناتُ طرابلس ودورٌ تاريخي بين الشرق والغرب

تؤشِّرُ كثرةُ الخانات في طرابلس شمال لبنان تاريخياً إلى الدور الاقتصادي الذي لعبته المدينة كنقطةِ وَصْلٍ بين الشرق والغرب على مدى قرونٍ مُتعدِّدة.

فقد لعبت طرابلس القديمة دور استضافة التجَّار العابرين بين الشرق والغرب على خط التبادُل التجاري بين العُمْق الشرقي في سوريا والعراق وإيران بلوغاً إلى الهند، وما بعدها الصين، وبين الغرب حيث مرافىء متوسّطية أوروبية كميلانو الإيطالية، ومرسيليا الفرنسية، وبرشلونة الإسبانية. 

خطُ شَهِدَ حركة تجارية منذ التاريخ القديم، شكَّل في مرحلةٍ من المراحل ما يُعْرَف بــ "خط الحرير" الموصِل إلى الصين، حيث أفضل إنتاج للحرير ومنسوجاته.

الخان هو بديلٌ للفندق الحديث، يتكوَّن من بناءٍ مُربَّعٍ مُقْفَلٍ على ساحةٍ واسعةٍ تتوسّطها بركةُ ماء، يمكن استضافة الكثير من البضائع في هذه الساحة للتجَّار الوافدين قبل نقلها. وللخان بابٌ ضخمٌ وواسع، يُتيح المجال لدخول البضائع والقوافل، قبل نقلها، ويُقْفَل ليلاً. يحفُّ بالساحة العديد من المخازن، تُسْتَخْدَم لغاياتٍ مُتعدِّدة، منها للبضاعة، وقسمُ منها للدواب. 

الطبقة العُليا من الخان مُخصَّصة للزوَّار، يفضي إليها سلَّم حجر أو أكثر، ويصل السلَّم إلى شُرفاتٍ واسعةٍ مع صفوف قناطر، وخَلْفَ كل قنطرةٍ غرفة إقامة الزوَّار.  

الخانات الطرابلسية المُتبقيّة من الحقبتين المملوكية والعثمانية هي خان الصابون، وخان الخيَّاطين، وخان المصريين، وخان العسكر، وخان التماسيلي، أما بقيَّة الخانات فقد اندثرت لفُقدان دورها، وإهمالها، وتعرّضها للإزالة بمشاريع مختلفة.

خانات طرابلس

تُشيرُ سجّلات المحكمة الشرعية في طرابلس، إلى أن طرابلس القديمة احتوت على 26 خاناً، خِلافاً لما هو مُتَداول أنها بلغت الأربعين خاناً منها: 

خان الصابون

  • خان الصابون
    خان الصابون

يُعتَبر خان الصابون من أشهر الخانات نظراً إلى الدور الذي لعبه مُستثمروه في صناعتهم من الصابون، فحمل إسم الحِرْفة التي تُمارَس فيه، وهو مملوكي، بُنِيَ في نهاية القرن الخامس عشر بحسب لوحة على مدخله. وبحسب أبرز مُستثمريه بدر حسون، فالخان شَهِدَ صناعة الصابون منذ العام 1480، وبسبب اتّساع باحته، وتشكيلته الهندسية الجميلة، استضاف الخان حديثاً احتفاليات فنية وثقافية وتُراثية مُتعدِّدة. 

تحفُّ بباحته الفسيحة غُرَفٌُ عديدة، يستثمرها صناعيون للصابون، منه التقليدي البلدي، ومنه المُطوَّر بالتلوين، والتعطير، وتصنيع أشكال منه كالعقود، والمسابح، والأساوِر تتلألأ بألوانها في نواحي الخان.

لكن مخازنه القريبة المُطلَّة على الطريق العام حيث سوق الصاغة أو الذهب، فهي مُخصَّصة لأنواعٍ من البضاعة الاستهلاكية كالثياب، والتجميل وما شابه.

على مَقْرُبةٍ من الخان، يقع حمَّام العبد الوحيد الذي بقي يعمل بين الحمَّامات التقليدية في طرابلس، حيث لم تكن هناك شبكات تزوِّد الخان بالمياه، فكان الزوَّار يعتمدون على الحمَّام العام.

خان الخيَّاطين

أقدم خانات طرابلس، وليس معروفاً تاريخ بنائه بالتحديد، ويُشير المؤرِّخ الطرابلسي الدكتور عمر تدمري في كتابه "تاريخ طرابلس السياسي والحضاري" إلى أن خان الخيَّاطين "مملوكي" .. و"يُحْتَمَل أنه كان قيسارية للإفرنج (ثكنة عسكرية)" قبلاً، ويلفت إلى "وجود عمود كورنثي بيزنطي إلى يسار بوَّابته الغربية" من دون تفسير وجود العمود، وثمَّة مَن يُرَجِّح أن بناءه تمَّ على أنقاض مبنى صليبي.  

الخانُ مُستطيلُ الشكلِ، يتكوَّن من طبقتين، وله مدخلان مُتقابِلان، عُرِفَ أيضاً بخان الحرير، واتَّخذ خيَّاطون غُرَفه السفلية مقرَّاً لصناعتهم، يخيطون فيها الثياب التقليدية، مثل السروال والأثواب التُراثية، وتفنَّنوا في صناعتهم المُطرَّزة، والمُزَرْكَشة، والمُزْدانة بالحلّي، والخرز المُلَّون. ولا يزال بعض من محلاته يشهد هذه الحِرَف، بينما تحوَّلت غُرَفٌ أخرى إلى صالات عرضٍ للثياب الحديثة.

في الطبقة العُليا، صفوفٌ من غُرَف الإقامة، يوصِل إليها درج عند مدخله الغربي، أما الاستحمام فكان يتمّ في "حمَّام عز الدين" القريب منه.

يذكر أنه تمّ ترميم الخان، والحمَّام، ووضِعا في الخريطة السياحية الرائِجة اليومية لطرابلس القديمة.

خان المصريين 

  • خان المصريين
    خان المصريين
  • خان المصريين
    خان المصريين

شُيِّد زمن المماليك أوائل القرن الرابع عشر، بين أعوام 1300 و1320 م، يقوم في الجهة الغربية قبالة خان الخيَّاطين، له بوَّابتان واحدة قبالة خان الخيَّاطين، والثانية تطلُّ على التربيعة. يبدو مربَّع الشكل، مُهْمَل، تُسْتَخْدَم غُرَفه السُفلية بعشوائيةٍ، ولتجارةٍ استهلاكيةٍ مُتنوِّعة، بينما يسثمره أحد حِرَفيي الصابون التقليديين في طبقته العُليا. 

باحته المُربَّعة تتوسّطها بركة ماء، اسْتُخْدِمَت حتى أواسط سبعينات القرن الماضي لصباغة الأقمشة، والثياب، فكانت الأوعية الضخمة تغلي بالمياه عالية التسخين، تُغَطَّس فيها الثياب، قبل أن تُنْشَر على حبالٍ تتدلَّى حول البركة، وفي الساحة. لكن الصباغة انتفت منه. 

يُرَجِّح بعض المُتَتبِّعين لوضع الخان أنه كان مقرَّاً للجيوش المصرية في فترة خضوع طرابلس 1832 للجيش المصري زمن إبراهيم إبن محمَّد علي باشا الذي اتَّخذ من المدينة قاعدة لحملته العسكرية، وقد مكثَ فيها لثماني سنوات، فحمل إسمهم، كما يُعتَقد أن التّجار المصريين اتَّخذوا من الخان مقرَّاً أساسياً لإقامتهم عند قدومهم إلى طرابلس.

خان العسكر

  • خان العسكر
    خان العسكر
  • خان العسكر
    خان العسكر

أكبر خانات طرابلس، شُيِّد زمن المماليك، وأُضيفت إليه أقسام في العصر العثماني، وقد كان خاناً فخماً بحسب رئيس لجنة التُراث والآثار في بلدية طرابلس الدكتور خالد تدمري، مُشيراً إلى وجود زخارِف في داخله تدلُّ على انتمائه للعصر المملوكي. وله ثلاثة مداخل، الرئيسي فيها يقع للجهة الشرقية المُفضية إلى السوق القديم.

استمرَّ الخان في وظيفته التجارية في العهد العثماني وعلى مدى نحو 350 عاماً منه، وفي عهد السلطان العثماني عبد العزيز تحوَّل الخان إلى ثكنةٍ عسكريةٍ، حيث كانت تُحْشَد فيه الجيوش العثمانية استعداداً للحرب العالمية الأولى. وتُشير طغراء السلطان المنقوشة على الباب الشرقي للخان إلى أنه شُيِّد سنة 1873م.

أُهْمِلَ الخان لفتراتٍ طويلةٍ، وسكنه مُهجَّرون، ورُمِّم في العقدين المُنصرمين، واستضاف العديد من الأنشطة الفنية والتُراثية.

خان التماسيلي

  • خان التماسيلي
    خان التماسيلي

يُعْتَبَر خاناً بحرياً، فقد تاخم شاطىء البحر حتى أواسط ثمانينات القرن الماضي قبل إنشاء الرصيف الحالي برَدْم البحر. ويدلُّ موقعه على أنه استضاف وافدين عبر البحر، مع بضائعهم.

وهو مملوكي على ما تُجْمِع عليه مختلف الوثائق الأثرية، لكنه يقع خارج نطاق المدينة التي شادها المماليك على أنقاض طرابلس ما قبل المماليك، وهو الخان الوحيد على البحر. ومن هنا أهميَّته الخاصة، فقد استقبل الوافدين بحراً من كافة الأصقاع، وكانت تُخَزَّن فيه البضائع المُسْتوَردة والمُصدَّرة عبر المرفأ، وكان مقرَّاً للسُفراء والقناصل لقرونٍ مضت.

يتميَّز خان التماثيلي بخصائصه المعمارية التي اشتهر بها المماليك، والمُتمثِّلة بالمُقَرْنصات والتجويفات التي تعلو الزوايا الأربع للخان في الرِواقات العُليا.

وتذكر دراسة أعدَّتها بلدية الميناء بالتعاون مع "مجلس منطقة البيرينيه الوسطى" أن الخان شُيِّد زمن المماليك بين سنة 1316 و1341 ميلادي، وكان بمثابة فندق للمُفاوضين والمُسافرين. الخان المُدلَّل بات اليوم مُهْمَلاً، ويقتصر على سكن عائلات فقيرة. وثمَّة بقايا خانات أخرى خارج نطاق المدينة القديمة مثل خان البطيخ في باب التبانة.  

نقولا طعمة

محرر في الميادين نت