هلا عز الدين "تبحث عن النور"

رسمت من نافذتها البيروتية في سبيرز، ما لفتها في الجفينور، وتحته بقليلٍ، في 2019، ليستقرّ مشهداً مُتلبّساً كارثة 4 آب/أغسطس 2020.

  •  هلا عز الدين
    هلا عز الدين

تنغمس الفنانة هلا عز الدين في واقعٍ مُتكامِلٍ يجمع الإنسانية بالأشياء، فتندمجُ في مُخيّلتها رؤيوية تصبّ الراهِن في المُستقبل، كأنها تُنبىء بما هو آتٍ عن غير قَصْد. هي لا تُنبىء، هي ترى، وتستلهم، فإذا رؤاها الهادئة، واقع مُتَفَجِّر.كانت عز الدين تبحثُ في عيونِ الأطفالِ عن إنسانيةٍ تائهة، منها في واقعها، ومنها في النزوح. فإذا بها تُعبِّر عن حجم المأساة، مُتحدّية توحّشها بألوانٍ من النور الساطِع، كأنها تريد أن تثور على واقعها المؤلِم لتقلبه إلى شيءٍ من الفرح. لكن الواقع يُفاجئها ويُباغتها، ليخطف منها الجمال مُكرِّساً وجع الواقع الذي نعيشه.

في معرضها الثاني "بحثاً عن النور" (In Search of Light)، الذي يُقام في "غاليري أجيال" في بيروت (حتى 9 كانون الثاني/يناير 2021)، تسعى عز الدين إلى تطوير تجربتها الفنية التي بدأتها في بلدتها عرسال البقاعية حيث كانت تدرس الفن في مدارسها. 

هناك يكتظّ المشهدُ بوجوهِ الألمِ في عيونِ أطفالِ البلدة، والأطفال النازحين، فظلَّت ترسمهم، مع بعض الطبيعة لأربع سنوات، وأقامت معرضها الأول قبل أن تنتقل إلى العمل والحياة في بيروت.

  • هلا عز الدين
    هلا عز الدين "تبحث عن النور"

تتحدَّى عز الدين الواقع، أو ربما تهرب من وجعه، فتلوّنه بألوان النور الزاهية، تغطّي بالفاقِع عُمْق السواد، وتجذره. هي في موقعٍ وإحساسٍ وشعورٍ، والواقع في مكانٍ آخر. وعندما يتقاطع شعورها مع الواقع، تستشعر بما هو آتٍ من دون إدراك، ولا عن سابق تصميم. 

رسمت من نافذتها البيروتية في سبيرز، ما لفتها في الجفينور، وتحته بقليلٍ، في 2019، ليستقرّ مشهداً مُتلبّساً كارثة 4 آب/أغسطس 2020.

التبست إحدى لوحاتها البيروتية على كثيرٍ ممَّن شاهدوها، فظَّنوا أنها مشهد للمرفأ إثر تفجيره. توضِح عز الدين الموقف مُسْتَغْرِبة: "المشهد ليس للمرفأ، هو مشهد رسمته عام 2019 لبرج المر مع البناية الجديدة بقُربه، وهو مشهد أراه كل يوم من نافذتي. لكن الغريب كيف أن كثيرين رأوا في اللوحة مأساة المرفأ".

نظرة الفنان قاطِعة في استلهامها للتطوّرات، حتى لو لم يكن الفنان يُدرِك ما في قزحيّته من ألوانٍ، وفي داخله من نورٍ، أو ربما كان حَدَث المرفأ الدراماتيكي من القساوةِ ما لم يكن بالسهولةِ نَزْع ثقله من مُخيّلةِ الناسِ، فتثبتت صورته على مشهديةٍ طاغية.

تُعلِّقُ عز الدين على الموقفِ بقولها: "عندما أنهيتُ المعرض الحالي وجدتُ أنه مُتشابِهٌ مع الوضع العام، ويشبه حياتنا، وحالنا، لذلك لاحظ كثيرون كيف أن اللوحات المُستوحاة من أفكارٍ سابقةٍ، تشبهُ الوضعَ الراهِن".

المعرض الحالي هو الثاني لعز الدين. يوم نزلت إلى بيروت، عايَشت وجوهاً جديدة، ومواقع جديدة، وتقول لــ الميادين الثقافية: "بما أنني أحبّ رَسْمَ الوجوه، لما فيها من تعبيرٍ إنساني، لذلك، ركَّزتُ على وجوهِ الأطفال، الذين كانوا من غير تلامذتي، وإنما كنت ألتقيهم في بيروت، منهم مَن كنتُ ألتقي به يومياً، ومنهم مَن ألتقيته مرةً واحدةً، فكنتُ أرسمُ لوحةً لكلٍ منهم".

الفارِقُ بين الأول والثاني هو أن الثاني زاد فيه المشهد الطبيعي، فنصفُ اللوحات تقريباً هي مشاهِد عامة من بيروت، والنصفُ الآخر بورتريهات لأشخاصٍ إلتقت بهم. 

  • هلا عز الدين
    هلا عز الدين "تبحث عن النور"
  • هلا عز الدين
    هلا عز الدين "تبحث عن النور"

وفي تعليقها على العنوان "بحثاً عن الضوء" تقول: "هناك في الضوء ما يُحرِّكني لأرسمَ لوحةً، وأفضِّل ألا أنطلق في عملي من فكرةٍ، لذلك يتركَّزُ الشغلُ على الضوءِ، الذي هو أكثر ما يُحرِّكُ مشاعري، لذلك يبدو العمل على الضوء جلياً في اللوحاتِ عن مدينةِ بيروت".

وزَّعت عز الدين الضوء على الأبنيةِ فخرجَ المشهدُ من ريشتها رمزياً، يجمعُ الواقعَ بالمُفْتَرض، ويظهر كيف تتركَّب اللوحة رقعةً رقعةً من خلالِ عمليةِ الرَسْم.

وما ينطبقُ على الأشياءِ من أبنيةٍ وسواها، يمكن أن نراه مُتكرِّراً في وجوهِ الأطفالِ، وسعي الفنانة لتحويلِ المؤلِم إلى مُفْرِحٍ بلعبةِ اللون، "مما كان حافزاً لتسميته "البحث عن الضوء"، كما تقول. 

تُصرُّ عز الدين على تحقيقِ أُمنيتها وأملها بالحياةِ كفنانةٍ وكإنسانةٍ صاعِدة: "رغم أن المعرض فيه بعض الأسى، إلا أنه يحتوي على الكثيرِ من الأملِ، وطالما نعمل ونُتابع يعني أن الأمل لا ينقطع".

  • هلا عز الدين
    هلا عز الدين "تبحث عن النور"

يذكر أن عز الدين فنانة لبنانية 1989، تحمل الماستر من معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية، شاركت في العديد من المعارض المُشتركة، منها "صالون الخريف" في متحف سرسق 2019، و"خارج النصّ" في غاليري صالح بركات 2019، وسمبوزيوم الفن الدولي في عمان 2018، ومعرض بيروت للفنون 2017، ومعارض أخرى.

بين 2011 و2016 درَّست الفنون للأطفال اللبنانيين والسوريين النازحين، في بلدتها عرسال، ونالت جوائزعدَّة، منها جائزة لجنة الحَكَم في "صالون الخريف"- سرسق 2019، وجائزة بوغوصيان للرَسْمِ 2015، وجائزة "جيل الشرق 2016. وفي سنة 2020، كانت فنانة مُقيمة لشهرين في (Galerie Analix Forever’s Atelier AMI in Geneva) في جنيف في سويسرا.. 

نقولا طعمة

محرر في الميادين نت