مستودع تُجّار الشرق.. كيف أصبحت "خانات دمشق"؟

عُرفت دمشق تاريخياً بكثرة خاناتها بسبب موقعها على طريق التجارة العالمية.. فكم تبقى منها اليوم وما هو حالها؟

  • خان أسعد باشا

مع مطلع القرن العشرين، قلَّ عددها ودورها في الحياة الاجتماعيَّة والاقتصاديّة. "خانات دمشق التاريخيّة" لم يتبق منها اليوم، إلا سبعة خانات، بعضها مُقْفَل ومُهْمَل، والآخر مُسْتَخْدَم كمستودعاتٍ من تجَّار دمشق. 

عُرِفَت دمشق تاريخياً بكثرة الخانات المتواجِدة فيها. ذلك أنّ موقعها على طريق التجارة العالمية بين الشرق والغرب جعلها مَقْصَداً للتجَّار والزائِرين من كل مكان.  فانتشرت في دمشق وعلى طُرُق السفر المؤدّية إليها منذ العام 720 ميلادية. 

وفي دمشق اليوم، مُعظم ما تبقَّى من هذه الخانات، إما مُهْمَل ومُقْفَل، أو يُسْتَخْدَم من قِبَل  تجَّار أسواق دمشق القديمة كمُستودعاتٍ لبضائعهم، ما شوَّه شكلها المعماري عبر إدخال بعض التعديلات عليها، وإشغال باحاتها الداخلية ومداخلها بنشاطاتٍ تجاريَّةٍ كثيفة، أدَّت إلى احتراق بعضها، كما حصل لــ "خان الصوَّاف" في "سوق البزوريّة" نهاية العام 2020.

الخانات تاريخيّاً

  • مستودع تُجّار الشرق
    خان أسعد باشا

جاء في المصادر التاريخيّة، أنَّ تلك الخانات برزت بعد الفتح الإسلامي لدمشق، وأيّام الدولة الأمويّة، وتعدَّدت أغراضها في المرحلة الأولى كأبنيةٍ للاجتماع والمَبيت وتخزين البضائع، كما تنوَّعت وظائفها بين إيواء القوافل التجارية وتموينها، وبين كونها مقرَّاً للمُقاتلين، ووصل عددها إلى ما يفوق 100 خان. 

وتذكر الدكتورة نيفين سعد الدين، أمين "المتحف الإسلامي"في دمشق، في حديثها مع الميادين الثقافيّة أنّ "جُلّ ما بُنِيَ في دمشق من هذه الخانات يعود إلى العهد العثماني، مُشيرة إلى أن "من هذه الخانات ما حمل إسم بانيها كخان أسعد باشا العظم في سوق البزوريّة، وخان سليمان باشا في سوق مدحت باشا، ومنها ما كان يُمثِّل فئة من الجُند فنُسِبَ إلى تلك الفئة كخان اللاوند وخان الدلاتية". 

وتُضيف سعد الدين بأنّ دور الخانات الاقتصادي سابقاً، انحصر في التجارة، كمُلتقى للتُجَّار، وتخزين البضائع. وجميع الخانات المُتبقيّة اليوم مُسجَّلة في القوائم الأثريّة، أي أنَّها تحت حماية مديريّة الآثار، لا يجوز هَدْمها وتغيير أوصافها، كما ذكرت سعد الدين مؤكِّدة بأنَّ "هناك تعدّ وسرقة أقسام منها بسبب التقصير والإهمال من الجهة المُشْرِفة عليها". 

من جهته، يعترف مصدر رسمي من المديريّة العامة للآثار والمتاحف، بحجم الضرر الذي لحق بتلك الخانات لكنه في المقابل يؤكِّد بأنَّ المديريّة، لا تمتلك أيّ مشروع لإعادة إحيائها في ظلّ الحرب التي تشهدها البلاد منذ 10 سنوات. 

ملكيّة الخانات ونمطها العُمراني

  • خان الجمقمق
    خان الجمقمق
  • خان الجمقمق
    خان الجمقمق

بُنِيَت الخانات على الطُرُقات العامة، خارج سور دمشق وداخله، وفقاً للعمارة الإسلامية، بحسب إفادة سعد الدين وانقسمت من حيث الملكية إلى ثلاثة أقسام، سُلطانية (ملك للسُلطان) وتُسْتَخْدَم للأغراض العسكرية أو التجاريّة أو لإيواء الحجَّاج. والنوع الثاني الخانات الخيريّة التي أُنْشِئَت لتُقدِّم الموارد الثابتة للمؤسَّسات التعليمية أو الخيرية، وثالثها الخانات التي يُنشئها الأثرياء والتجَّار أصحاب النفوذ لاستثمارها من أجل الربح.

ويتكوَّن الخان كنمطٍ عُمراني وفقاً لسعد الدين، من طابقين أو ثلاثة، السُفلي للبضائع وحظائر للدواب، والطابق الثاني للمُسافرين والتجَّار، كالفنادق حاليّاً. 

وتقول أمين "المتحف الإسلامي" بأنّ "تصميم خان المدينة، بشكلٍ عام، لم يتغيَّر على مرِّ العصور. فأخذ تخطيط صحن مركزي مكشوف يتوسّطه حوض. وتُحيط بالصحن بوائك أُقيمَت الدكاكين تحتها، لتبقى أبوابها محميّةً من الحرّ صيفاً ومن المطر شتاءً. ومن الناحية الإدارية، قد يكون الخان مؤسَّسة دينيّة مُرتبطة بوَقْفٍ يُحوَّل ريعه لصيانة مدرسةٍ أو مسجدٍ أو إطعام مسكين أو فقير".

وقد يحمل الخان إسم الحرفة أو الصنعة التي تُمارَس فيه، كخان الزيت وخان الجمرك، وخان الجواري الذي كانت تُجْلَب إليه الجواري من الرقيق. وما كان منها مُلْحَق بالخانات لبنات الهوى، وتحديداً في العصر العثماني، كما تشرح سعد الدين في حديثها مع الميادين الثقافية. 

خانات اليوم.. مُهْمَلة!

  • خان الزيت
    خان الزيت
  • خان الزيت
    خان الزيت
  • خان الزيت
    خان الزيت

لم يبق من كل تلك الخانات إلا العدد القليل؛ واقتصرت خدماتها على استعمال المستودعات والدكاكين من قِبَل مُستأجرين لا تجمعهم إلا نادراً تجارة مُشتركة أو مِهَنٌ واحدة، وربّما سكنت غرفةً عائلات فقيرة.

والخانات الدمشقية المُتبقيّة من الحُقبتين المملوكية والعثمانية هي، الجَمَقْمَق، الزيت، الدكّة، والتي تقع على امتداد سوق الحميدية، والمُسْتَخْدَمة من قِبَل تجَّار دمشق كمستودعاتٍ لبضائعهم، والسفرجلاني في حيّ القيمريّة المُغْلَق، وسليمان باشا الذي يخضع للترميم حاليّاً. وخان أسعد باشا، الوحيد الذي ما زال محافظاً على طرازه المعماري وعمارته الإسلاميّة، كما توضِح سعد الدين.

  • خان الدكة
    خان الدكة
  • خان الدكة
    خان الدكة

واعتبر مؤرِّخون أنَّ تحوُّل طُرُق التجارة إلى عرض البحر، مع ظهور السفن البخارية، مثلَّ تحدّياً للخانات لم تستطع مواجهته، لتأتي السيارات التي تعمل بالنفط، وتُبَدِّل خارطة الطُرُق التجارية، وتُخْرِِج الخانات من دورها التاريخي. 

يُشار إلى أنّ خانات دمشق تعود إلى العهد العثماني والمملوكي وكان عددها في مطلع القرن العشرين حوالى 139 خاناً تناقصت بعد انتشار الفنادق الحديثة في دمشق، ليصل عددها اليوم إلى نحو 7 خانات، والتي لا تزال تُشكِّل تُراثاً تاريخياً مُهدَّداً بالإنقراض. 

 

حبيب شحادة

كاتب وصحفي من سوريا