العلوم العصبية والجريمة.. هل نصل إلى نظام قضائي جديد؟

"طعن أمّه وزوجته حتى الموت".. هل يحولنا حدوث خلل ما في أدمغتنا إلى مجرمين؟ إليكم ما يقوله علم الأعصاب الجنائي.

  • تشارلز ويتمان مع عائلته
    تشارلز ويتمان مع عائلته

في الأول من آب/أغسطس 1966، وبعد أن طعن أمّه وزوجته حتى الموت، صعد تشارلز ويتمان إلى أعلى برج جامعة تكساس، وفتح النار بشكل عشوائي على المارّة لمدة 90 دقيقة، تمكّن خلالها من قتل 14 شخصًا، وجرح أكثر من 30 آخرين، قبل أن يرديه أحد عناصر الشرطة قتيلًا. كانت هذه حادثة إطلاق النار الأكثر دموية في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية حتى ذلك التاريخ.

في ما بعد، وبناءً على وصيّته، أظهرت عيّنة أُخذت من دماغه وجود ورم كان يضغط على اللوزة الدماغية، وهي منطقة تؤثر في الانفعالات والسلوك، وهو ما دفع الكثيرين إلى الاعتقاد بأن الورم الدماغي كان السبب وراء سلوك ويتمان الإجرامي، وأنّه لم يكن ناتجًا من إرادته الحرّة [1].

  • هل تدفعنا العلوم العصبية إلى إعادة تصوّر نظامنا القضائي؟
    تشارلز ويتمان يطلق النار من أعلى برج جامعة تكساس ويقتل 14 شخصاً
  • تشارلز ويتمان
    تشارلز ويتمان

بقيت هذه الإشكالية عالقة حتى اليوم، وفتحت باب النقاش واسعاً على واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في مجال العلوم الجنائية. هل تقف الإرادة الحرّة وراء سلوك المجرمين أم أنّها الاضطرابات النفسية والعصبية؟ وعليه، أيّ درجة من المسؤولية يتحمّل هؤلاء؟ وإلى أيّ حدّ يستحقّون العقوبة؟

لاقت هذه الإشكاليات اهتمامًا واسعًا في الوسط العلمي، وأجريت دراسات للكشف عن أي علاقة تربط بين النشاط الدماغي والسلوك الإجرامي.

ثورة في مجال التصوير العصبي

  • هل تدفعنا العلوم العصبية إلى إعادة تصوّر نظامنا القضائي؟
    صورة تحاول تبيان الفروق بين أدمغة الناس العاديين وبين من يقدمون على ارتكاب أعمال جرمية 

"من بين الأشياء التي اكتشفها جنسنا البشري على هذا الكوكب، لم يضاهِ شيءٌ تعقيد أدمغتنا"، يقول عالم الأعصاب الأميركي دايفد إيغلمان. يتكوّن الدماغ البشري من حوالى 86 مليار خلية عصبية مترابطة في ما بينها بغابة كثيفة من التشابكات التي تتبادل عبرها المعلومات على شكل موجات كهربائية فائقة السرعة [2]. لتقريب الصورة، يمكننا القول إنّ عدد هذه التشابكات العصبية في دماغ كلّ منّا يفوق أضعاف عدد النجوم الموجودة في مجرة درب التبانة.

لطالما أثار الدماغ البشري دهشة الباحثين الذين عملوا على فك شيفرات نشاطه، وعلى فهم دوره في العمليات الإدراكية، وفي صنع القرارات وإنتاج السلوك. وقد شهدت العقود الأخيرة تطوّراً تكنولوجيّاً هائلاً أنتج تقنيات جديدة لتصوير الدّماغ، كان أبرزها تقنية التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI)، التي سمحت بتصوير التغيّرات في النشاط العصبي لمناطق من الدماغ بناءً على التغيرات في جريان الدم خلالها. استُعملت هذه التقنية في الدراسات العصبية للكشف عن أنماط النشاط الدماغي المرافقة للعمليات الإدراكية المختلفة، كاختبار العالم الحسّيّ والتّذكر والتخيّل.

في واحدة من الدراسات التي أجراها باحثون في كلية الطب في جامعة "هارفرد"، تمّت دراسة 17 مجرماً عانوا من تلف دماغي قبل ارتكابهم الجريمة. أظهر التصوير الدماغي لهؤلاء أنّ تلفاً أصاب مناطق مختلفة في أدمغتهم، ولكنها جميعاً كانت مرتبطة بشبكة عصبية متداخلة مسؤولة عن اتخاذ القرارات والتقييم الأخلاقي [3]. تمكنت هذه الدراسة وغيرها من إيجاد علاقة بين الأذى العضوي للدماغ والأفعال الإجرامية.

في دراسة أخرى، تمكن باحثون من تمييز أنماط من النشاط الدماغي مرتبطة باتخاذ قرارات عن سابق دراية بأعمال غير قانونية، في مقابل أنماط مختلفة مرتبطة باتخاذ القرارات المتهورة، وهو اكتشاف مهم، لما يترتب عليه من تبعات قانونية [4].

وفي السنوات الأخيرة، ازداد الحديث عن استعمال تقنيات التصوير العصبي في تقييم مدى خطورة الجناة، للبناء عليه في ما يخص الحكم بالسجن، أو الإفراج المشروط، أو الإيداع في مؤسسة إصلاحية على سبيل المثال. وفي هذا السياق، يتم العمل حاليًا على دمج تقنيات المسح الدماغي مع تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، في سبيل تطوير خوارزميات قد تتمكن من توقّع السلوك المستقبلي للمجرمين، من خلال أنماط النشاط الدماغي الخاصة بهم، ما يعني إمكان توقّع عودتهم إلى السلوك الإجرامي من عدمه [5].

آمال وتحدّيات

  • ظهر علم جديد يعرف بعلم الأعصاب الجنائي (Neurolaw)
    ظهر علم جديد يعرف بعلم الأعصاب الجنائي (Neurolaw)

بالتوازي مع كلّ هذه التطورات في مجال علم الأعصاب، تزايدت حالات إساءة استخدامها في قاعات المحاكم، فقد تضاعفت في العقدين الماضيين أعداد المتهمين في الولايات المتحدة، الذين جادلوا بأنّ "أدمغتهم دفعتهم إلى ارتكاب الجريمة"، من خلال الادعاء بأنهم يعانون إصابات في الرأس أو اضطرابات دماغية دفعتهم إلى القيام بالسلوك الإجرامي [6]. تخطى الأمر ذلك إلى حدّ استخدام تقنيات لم تحظَ بقبول علمي في عدد من المحاكمات في الهند؛ ففي العام 2008، تمت إدانة امرأة هندية بجريمة قتل، بالاستناد إلى جهاز قياس الموجات الكهربائية الصادرة عن دماغها (EEG)، والذي أظهر أنماطًا تدلّ على "معرفة ناتجة من التجربة" بتفاصيل الجريمة، بحسب قول القاضي [7].

لهذه الأسباب، كان لا بدّ من تنظيم توظيف الأدلة العصبية في النظام القضائي، ووضع الأطر القانونية المناسبة للاستفادة منها، ما استدعى ظهور علم جديد سمّي بعلم الأعصاب الجنائي (Neurolaw)، الذي يهتم بدراسة تأثير المستجدات العلمية العصبية في النظام القضائي، إلا أنّ الباحثين في هذا المجال يحرزون تقدّماً حذراً، قد لا نلمس نتائجه في المستقبل القريب.

على الصعيد التقني، ما زالت تقنيات المسح العصبي قاصرة عن تزويدنا باستنتاجات جازمة تتعلق بالعمليات الإدراكية للأفراد. على سبيل المثال، يُنتج الاعتقاد الخاطئ بأنّك رأيت وجهاً ما من قبل أنماطاً من النشاط الدماغي لا يمكن تمييزها عن تلك المترافقة مع استرجاع الذكريات الحقيقية [8]، ما يعني عدم قدرتنا، على الأقل في الوقت الراهن، على التمييز بين الذكريات الحقيقية والمزيفة. إضافةً إلى ذلك، تظهر الأدلة إمكانية تدرّب الأشخاص على إخفاء أنماط النشاط الدماغي المرتبطة بالتذكّر، ما يؤدي إلى الفشل في اكتشاف وجود الذكريات الفعلية لديهم [9].

وعلى صعيد آخر ربّما يكون الأهم، تكمن صعوبة دمج الأدلة العصبية في الممارسة القانونية، في الجدل القائم بين من يؤمن بثنائية العقل والدماغ واستقلالية كلّ منهما عن الآخر، وبالتالي انعدام جدوى استخدام الأدلة العصبية في فهم القرارات والسلوكيات المنتجة، ومن يعتقد أن الحالة الذهنية للإنسان ليست سوى نتاج مباشر للعمل الفيزيائي للدماغ، ما يعني أنَّ بإمكاننا ترجمة كل مفهوم ذهني بالكامل إلى نشاط كهربائي يمكن تحديده وقياسه في الدماغ.

قد تبدو تقنيات قراءة الدماغ والأفكار أشبه بنبوءات أورويلية، لكن مسار تطويرها انطلق، ولن يتوقف، وأصبح الوصول إليها مسألة وقت وجهود بحثية إضافية فحسب. وحتى ذلك الحين، يبدو أننا أمام نقاش فلسفي مؤجّل لا بدّ من خوضه، عن حدود العلاقة بين العلوم العصبية من جهة، والمفاهيم الفلسفية، كالإرادة والمسؤولية والأخلاقية، من جهة أخرى. هو مسار قد يغيّر نظامنا القضائي كما نعرفه اليوم، ويدفعنا إلى إعادة تصوّر مفهومنا للجريمة والعدالة.

المصادر
 
[1] https://www.britannica.com/event/Texas-Tower-shooting-of-1966/The-shooting
[2] Eagleman, D. (2020). Livewired: The Inside Story of the Ever-Changing Brain. Canongate Books.
[3] https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC5776958/
[4] https://www.pnas.org/content/114/12/3222.long
[5] https://www.frontiersin.org/articles/10.3389/fpsyg.2020.00220/full
[6] https://www.scientificamerican.com/article/my-brain-made-me-do-it-is-becoming-a-more-common-criminal-defense/
[7] https://www.nytimes.com/2008/09/15/world/asia/15iht-15brainscan.16148673.html
[8] https://www.abajournal.com/magazine/article/millions-have-been-invested-in-the-emerging-field-of-neurolaw.-where-is-it-leading
[9] https://www.jneurosci.org/content/35/22/8531.long

 

مهدي رزق

باحث في علم الأعصاب وطالب صحافة في الجامعة اللبنانية