"فندق صوفر الكبير" ... شاهِد على ولادة لبنان

"فندق صوفر الكبير" كان الحاضِنة لنشوء الكيان اللبناني الحالي، بالتعاون مع أول سفارة فرنسية في لبنان، والتي بُنيَت كمقرٍ صيفي على مقربة من الفندق، ومن هنا أهمية الحديث عن عودة الحياة إليه، وما يجري فيه حالياً من مناسبات اجتماعية.

بعد توقّفٍ دام ثلاثا وأربعين سنة، أعاد آل سرسق العمل في "أوتيل صوفر الكبير" بإفساحهم المجال لإقامة عرسٍ في باحته. هو النشاط الأول بعد كل هذه السنوات من التوقّف، تعرّض فيها البناء إلى اعتداءاتٍ شتّى، تُضاف إلى تعرّضه للتلَف والتآكُل تحت وطأة العناصر الطبيعية في بيئة جبلية قاسية شتاء قلّما تغيب الثلوج عنها.

يعود العمل في الأوتيل - الفندق، في الوقت الذي كانت فيه مدينة "إهدن" في شمال لبنان تقيم احتفالية محلية إحياء لذكرى ولادة "لبنان الكبير". حدثان صغيران في حجمهما، لكن أهميتهما تكمُن في الدلالاتِ التي تختزنها المناسبتان.

أعطي لبنان صفة "الكبير" مع أنه يُعتبَر أحد أصغر الأوطان في العالم، والمُفارقة إشارة تلخّص تاريخ المنطقة في القرن العشرين. فلبنان الكبير الذي هو الكيان اللبناني الحالي، لم يحدث في التاريخ أن كان موجوداً ككيانٍ سياسي مستقل، وتسميته بالكبير إنما هي للتمييز عن "لبنان الصغير" أو جبل لبنان يوم كان ولاية من ولايات الخلافة الإسلامية في زمن السلطنة العثمانية، في فترة "القائمقاميتين" ثم المتصرفية.

"أوتيل صوفر الكبير" الذي عاد مُجدَّداً للحياة،  استضاف اللقاءات الأولى التي أسّست الكيان اللبناني.

يمكن القول إن "أوتيل صوفر الكبير" كان الحاضِنة لنشوء الكيان اللبناني الحالي، بالتعاون مع أول سفارة فرنسية في لبنان، والتي بُنيَت كمقرٍ صيفي على مقربة من الفندق، ومن هنا أهمية الحديث عن عودة الحياة إليه، رغم انتفاء الدلالة والرابط بين الأحداث الأولى التي جرت فيه، وما يجري فيه حالياً من مناسبات اجتماعية، وأولها حفلة عرس  في الأول من أيلول/سبتمبر 2018.

ويفيد رودريك سرسق كوكران للصفحة الثقافية في الميادين نت أن الفندق "تعود ملكيّته لورثة الفريد موسى سرسق، وميشال إبراهيم سرسق، وقد تأسّس سنة 1892، وأول حفلة أقيمت فيه في (1 أيلول 2018) بعد انقطاع 43 سنة.

وأضاف أن الحفلات التي تُقام في فندق صوفر الكبير، وقصر الدونا ماريا "قد أعادت الحياة إلى المنطقة".

وأعلن سرسق كوكران أن "فندق صوفر الكبير سيفتح أبوابه لاستقبال جميع أنواع الحفلات بالإضافة إلى مركز ثقافي، مع العِلم أن أول كازينو، وملهى أقيم في لبنان كان في هذا الفندق".

أما دونا ماريا فهو إسم سيّدة من آل سرسق، على قرابة من رئيسة لبنان الأولى زلفا شمعون، في فترة حُكم الرئيس كميل شمعون للبنان بين 1952 و1958.

أما الدكتور محمّد شيا، الباحِث في الجامعة اللبنانية، فيُسلّط الضوء على دور الفندق، حيث أفاد أن "صوفر حديثة العهد بالمُقارنة مع الأعمار التاريخية لتطوّر البلدات والمدن، فرغم ازدهارها، وتطوّر حركة البناء فيها، فإن عُمرها ليس أكثر من 150 عاماً"، مُضيفاً أنها "جديدة كبلدة سكن، وبدأت بالظهور في القرن التاسع عشر، وتحديداً عند نشأة طريق بيروت - دمشق للقوافل البرية، وقبل أن تتحوّل إلى طريقٍ للسيارات".

ولفت شيا إلى أنه "مع نشأة الطريق بدأ السكن في صوفر، بداية من العائلات البيروتية المسيحية الأرستقراطية مثل بيت سرسق، وبيت ثابت، والأصفر، والخضرا، والتويني، ولاحقاً السنّية مثل سلام، والوزان، والصلح، وبيهم، وهي غالبية العائلات التي تولّت رئاسة الوزارة، والمقرّ الصيفي للسفير الفرنسي، ثم توّجَت بسكن الرئيس رشيد كرامي فيها، كما كان هنا بيت الرئيس إميل إده، ونجله العميد ريمون إده، وآخرون". 

ويفيد شيا أن "البناء  بدأ يتصاعد في صوفر أواخر القرن التاسع عشر مع إنشاء سكة حديد بيروت- عاليه- بحمدون- صوفر- شتورة- رياق- حمص، وأنشىء فندق صوفر الكبير سنة 1896 في أجواء هذا التطوّر، وكان حدثاً معمارياً رائعاً، مع تشجير رائع بالصفصاف، وملاعب تنس، وشُيِّد على الطراز الفرنسي، لكن الحرب الأهلية ألحقت به أضراراً كبيرة وتحديداً في حزيران 1976، ولم يرمَّم حتى اليوم".

مع نشوء سكة الحديد، وفندق صوفر الكبير، وفنادق أخرى، ازداد الطلب على الاصطياف في صوفر، وللمرة الأولى ليس الاصطياف المحلي فقط، إنما اصطياف عالمي بعد الحرب العالمية الأولى، و"أولى الجاليات التي صَيَّفت في صوفر كانت مصرية، وشهدت المدينة حضوراً مصرياً قوياً، وعرفت فيها عائلات كثيرة منها قشوع المسيحية، وهي عائلة إقطاعية من الاسكندرية، وبسبب التواجد المصري الكثيف، صار للجالية المصرية عضوان في البلدية، من دون أن يتجنّسا"، بحسب شيا.

يذكر أن بلدية صوفر تأسّست سنة 1913، وهي من أوائل البلديات اللبنانية، وفي المرسوم التأسيسي لها منذ زمن العثمانيين أنه "يتشكّل مجلس بلدية لصوفر من ستة أشخاص، 2 يمثلان الجالية المصرية 2 العائلات البيروتية، 2 السكان المحليين".

وعند نشوء سكة الحديد، وفندق صوفر الكبير، بدأت الحاجة لعمل اقتصادي ونشأ جو اجتماعي وسكنت البلدة عائلات من المنطقة مثل شيا، وفياض، والصانع، والأحمدية، والبنا، وفخر الدين، ونشطت الحركة خصوصاً في الصيف حيث وصل عدد العاملين 400 عامل، يُضاف إليها يد عاملة تقنية من مناطق أخرى.

ويعلّق شيا على الواقع المُستجَد في صوفر بقوله إنه "بوجود هذا النشاط، صار هناك مجال لتصريف المواسم الزراعية التي احتاجتها مئات العائلات، ففندق صوفر، وبقية الفنادق، نَشّطت مختلف القطاعات إذ إن الفندق كان ست طبقات، و400 غرفة، وفيه ملحقات، وأنشطة فنية، ورياضية".

وأوضح شيا أنه "بعد الحرب العالمية الأولى، وفي العشرينيات، تحوّل الفندق إلى مجموعة من اللقاءات السياسية، والمخابراتية، والثقافية، والفنية، وسواها، ويمكن أن يُشَبّه بالفينيسيا، والحبتور الحاليين، وفيه كانت تؤلَّف الحكومات على سبيل المثال"، مردفاً "إنه عالم غريب عجيب مختلط من كافة الأصقاع، سهّل القطار تنقلاتهم، وحتى ال1948، بدأ الشلل يطال خط الحديد بقيام (إسرائيل)، وقطع التواصل بين المشرق وشمالي إفريقيا".

ويتناول شيا العديد من جوانب الحياة في صوفر، ومن زوايا متنوّعة، فيتحدّث عن النطاق العقاري الصغير، إذ عندما "كان الباعة الجوّالون يعبرونها، كانت البلدية تجبرهم على الخروج مبكراً منعاً لإزعاج السكان، أما البوق "الزمّور"، فكان ممنوعاً البتّة".

ويروي أن "سكان صوفر كانوا يغادرونها بين شهري تموز/يوليو، وآب/أغسطس، إلى فرنسا، ويعودون لقضاء بقية الصيف في أيلول/سبتمبر، وتشرين الأول/ أكتوبر" لاحظا أنه "في صوفر مناخات شبيهة بأجواء فرنسا، فالدلب المنتشر فيها أتى به الفرنسيون إليها مع بناء السفارة، والبناء العام خليط من البناء المحلي والأوروبي، ورغم فوضى الحرب الأهلية لم يُبنَ في صوفر إلا الفيلات، ووصلتها السيارة لأول مرة سنة 1910 على يد آل سرسق".

وبدءاً من الخسمينيات، يقول شيا، إنه "تغيّرت مناخات المنطقة، وساد طابع أكثر شعبية على المستوى الاجتماعي، ولم تعد المجتمعات مُقتصرة على نُخَبٍ اجتماعية أرستقراطية الطابع".

ويصف دورها بقوله إن "صوفر كانت محطة للأنشطة السياسية أكثر من أن تكون لعبت دوراً سياسياً، وأشهر اجتماع جرى فيها هو اجتماع الهدنة، ووقِّع فيها بروتوكول جامعة الدول العربية 1945".

وينتهي شيا إلى الختام أن "الحروب المتواصلة طالت صوفر بكثيرٍ من التخريب، ودفعت ثمناً من عدّة وجوه نظراً لموقعها الاستراتيجي على الطريق العام، لكنها استعادت بعضاً من حياتها، وعاد الاصطياف، والحركة السابقة إليها، وهي لا تزال تحافظ على طابعها التراثي، فيها عدّة حدائق عامة، وكنائسها السبع لم تُمسّ".

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]

نقولا طعمة

محرر في الميادين نت