"وصاروا مَثَل يا خال" ... عن عكا والتاريخ

اليوم، وبعد سبعين سنة، ما زال وجه عكا عربياً فلسطينياً.

يُقال إن الكأس المُقدَّسة قد ضاعت في عكا، ويُقال أيضاً إن فرسان الهيكل فقدوها خلال معركة تحرير عكا على يد المماليك، وبذلك فقدوا معها آخر قِلاعهم في المنطقة. بقي حلم العودة للأرض المُقدّسة يقضّ مضاجِع فرسان الهيكل، ورغم كل ما حدث معهم لاحقاً، فقد استمروا بالعودة، مرة على شكل استعمار ومرة على شكل احتلال.

إنها عكا أو عكو بحسب التسمية الكنعانية لها ومعناها الرمل الحار. في زمن الفرنجة كان يُقال لها (سانت - جون - د إكار) وبقي هذا الإسم يُطلق عليها حتى عاد المماليك في زمن السلطان الأشرف خليل فحرّروها مُعيدين لها إسمها الأصلي عكا.

 

كانت المدينة مرفأ استراتيجياً لكل الغُزاة الذين مرّوا على بلاد الشام، آخر قِلاع الصليبيين ومركز صناعة السفن الحربية عند المسلمين. قاومت كل غُزاة الأرض وبقيت شامِخة تنتظر فلاحها الأول.

جغرافياً تقع عكا على الساحل الشرقي للبحر المتوسّط، إلى الشمال الغربي من مدينة القدس التي تبعد عنها حوالى 180 كم، كما تبعد 21 كم عن الحدود اللبنانية جنوباً، و23 كم عن حيفا شمالاً، و46 كم إلى الغرب من الناصرة ما جعلها نقطة عبور رئيسة لكل طُرُق التجارة ونقطة انطلاق لكل الجيوش نحو بلاد الشام.

 

 

منزل عائلة الأديب الشهيد غسان كنفاني

عكا المدينة الساحلية الرطبة صيفاً والدافِئة شتاء كانت أول عاصمة لأول محاولات تأسيس دولة عربية مُستقلّة عن الحُكم العثماني في زمن الظاهر عمر، ثم كانت المدينة المنيعة بسورها المشهور وأحمد باشا الجزّار، كاسرة حلم نابليون في احتلال بلاد الشام، وصولاً إلى عكا النكبة وغسان كنفاني.

عكا التي صمدت أمام قرار التقسيم لفلسطين عام 1947 الذي أقرّته الأمم المتحدة، لم تكن ضمن المساحة "المُعطاة" للإسرائيليين. الأمر الذي فتح الباب لهجرة داخلية من القرى والمدن القريبة التي وقعت ضمن مناطق الاحتلال.

لكن الاستعمار المبني على التوسّع والتدمير الشامل ظلّ يُسهِّل اعتداءات العصابات الصهيونية  لما تبقّى من مدن فلسطينية، حتى سقطت عكا بعد معارك ومجازر عنيفة. هنا بدأت مرحلة جديدة من الصراع  لدى أهل عكا. صراع الوجود والبقاء من أجل المحافظة على التواجد العربي والتمسّك بالأرض رافضين الرحيل رغم كل محاولات التضييق عليهم. فوفق الإحصائيات سيطرت ما تسمّى بدائرة أراضي إسرائيل على ما يقرب من 80% من منازلها ( 1125 منزلاً) وحاولت جاهدة أن تقوم بترحيل السكان منها بكافة السُبل، سواء عبر منع بناء البيوت والترميم وإهمال الخدمات الموجودة في البلدة القديمة مقابل عمليات استجلاب عوائل كاملة من الإسرائيليين ومنحهم امتيازات مثل خفض ضرائب الدخل والتعليم.

 

رسم متداول لظاهر العمر

عملت السلطات (الإسرائيلية) بعد النكبة على تنفيذ خطة أطلقت عليها "تطوير عكا"، لكن هذه الخطة هي تهجير للسكان الفلسطينيين، وتفريغ المدينة وتهويدها وطمْس معالمها وتشويه تاريخها، حيث أحيطت المدينة القديمة، بالبنايات الكبيرة والعمارات الضخمة، بهدف التغطية على مدينة عكا الأصلية.

كما أن مدينة عكا، ما زالت مُستهدفة بالدرجة الأولى من خلال الهجمات العنصرية، لأنها مدينة حضارية وتاريخية، وتشهد على عروبة هذه البلاد، كما أن محاولات التهويد، لم تتوقّف ولو لحظة، إلا أن صمود فلسطينيي عكا، وتمسّكهم بمدينتهم وبتاريخها، أفشل وسيفشل كل مخطّطات التهويد، وبقيت البلدة القديمة، وهي مدينة عكا الأصلية، عربية مائة بالمائة، بتاريخها ووجهها ومعالمها التاريخية. كما أن سكان عكا، داخل البلدة القديمة، حافظوا على مساجدهم وكنائسهم، رغم محاولات الاحتلال الاستيلاء على مسجد المنشية الذي يقع في قرية المنشية المُهجّرة، ومسجد اللبابيدي في عكا الجديدة.

 

عكا...ميناء العودة

اليوم، وبعد سبعين سنة، ما زال وجه عكا عربياً فلسطينياً. تمشي في شوارعها القديمة حتى تصل الى سجنها الشهير مُستذكراً شهداء الثلاثاء الحمراء عطا الزير ومحمّد جمجوم وفؤاد حجازي، لتبدأ الذاكرة بضخّ لحن الموّال الشعبي الشهير:

"كانوا تلات رجال يتسابقوا عالموت

أقدامهم عليت فوق رقبة الجلاّد

وصاروا مَثَل يا خال

وصاروا مَثَل يا خال

طول وعرض البلاد".

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]

محمد هشام

كاتب من فلسطين