في مواجهة الفصلِ الثاني من الرّدّة

"طلبَ منّي مديري أن أضع قائمة بالأغنيات وأرفق بطلبه ملاحظة صغيرة: هناك أغنية غنّاها للقدس، احرصي على ألّا يغنّيها في الحفل!".

الخليج والتطبيع ... هذا ما حدثتني عنه صديقتي الكويتية

منذ يومين كنتُ أتحدّث وصديقة كويتيّة حول أمسية شعريّة نظّمتها حملة مقاطعة (إسرائيل) في دولة الكويت لنصرة فلسطين، أخذنا الحديث تلقائيّاً إلى مسألة التّطبيع مع (إسرائيل) وأهميّة الأنشطة التي تذكّر الناس العاديّين بالقضيّة الفلسطينيّة. أرسلت لي في هذا الصّدد صورةً لمحادثة إلكترونيّة صادمة بينها وبين صديقتها من جنسيّة خليجيّةٍ أخرى على هامش الأمسية.

كان واضحاً أنَّ تلك الصّديقة تتحدّث عن فلسطين والقضيّة بكثير من الأسى، وسرعان ما تبيّن سبب هذا الأسى. أنقلُ القصّة عن لسان صاحبتها كما ذكرتها بدون ذكر الدّولة أو الأسماء بغرض حمايةِ الفتاة من الطّرد من الوظيفة:

"منذ فترة نظّمت المؤسسة التي أعمل بها حفلاً لأحد الفنّانين الخليجيّين، وطلبَ منّي مديري أن أضع قائمة بالأغنيات التي سنطلب من الفنان المذكور أن يغنّيها، وأرفق بطلبه ملاحظة صغيرة: هناك أغنية غنّاها للقدس، احرصي على ألّا يغنّيها في الحفل!".

الأمرُ صادمٌ حدَّ الوقاحة، لا تذكروا فلسطين حتّى في أغانيكم، لا تدعوا النّاس يسمعون عن فلسطين، فليفرحوا وليطربوا وليغنّوا ويتحدّثوا في أيِّ موضوع إلّا فلسطين!

هذا أخطرُ ممّا نتصوّر، هناك مؤسسات (عربيّة)، تحاولُ أن تمحو فلسطين وقضيّتها من الذّاكرة الجمعيّة للجيل، تحاولُ أن تفكَّ ارتباطنا كشعوب بهذه القضيّة، لم يعد الأمرُ مقتصراً على الأنظمة والحكومات.

هذه قصّةٌ واحدة من عديد القصص المشابهة، الإعلام المشبوه والجمعيّات المموّلة من الغرب، القضايا التّافهة التي تفرّخ من العدم وتصبح ترند ننجرف خلفه جميعاً، خلق الكثير من الأعداء الوهميين والحقيقيين الخارجيين والمحليّين بحيث يضيع العدوّ (الإسرائيلي) في طوفان الأعداء هذا، كلُّ هذه أوجهٌ للفصل الثّاني من الردّة: العمل على محو ذاكرة الشّعوب.

الأنظمة العربيّة كلّها - إلّا من رحم ربّي - تطبّع علاقاتها مع (إسرائيل) سرّاً أو علانية منذ زمنٍ طويل، حدّثتني - بشيءٍ من الأسى - شاعرة فلسطينيّة تعيش في الأراضي المحتلّة أنها "تسافر بجواز السّفر (الإسرائيلي) إلى عدد من الدّول العربيّة ويبقى جواز سفرها الفلسطيني في البيت لأنها لو استخدمته لن تستطيع دخول هذه الدول من دون معاملات تأشيرة ماراثونيّة!".

وحدها الشّعوب حافظت على مناعتها وإيمانها الفطريّ بالقضيّة، وحدها الشّعوب بقيت على موقفها الرّافض لكلِّ أشكال التّطبيع، وحدها الشّعوب أنجبت سليمان خاطر وجميلة بوحيرد وسمير القنطار ومن سار على دربهم، واليوم بعد أن فشلت جهود الأنظمة في إقناعنا بإسرائيل ها نحنُ أمامَ حملةٍ شرسة لجعلنا على الأقل ننسى فلسطين، وفي وجه هذه الحملة التي ستفشلُ كسابقتها كلُّ قصيدةٍ وكلُّ أغنيةٍ أو لوحةٍ أو كاريكاتور أو مقال أو عبارة على حائط حقيقيٍّ او افتراضيّ تذكّر بفلسطين هي فعلُ مقاومة، كلُّ ذكرٍ لفلسطين في جلسةٍ حتّى ولو كانت عائليّة هو فعلُ مقاومة وجدوى مستمرّة.

ما تقدّمهُ وتقدّمينه ليس قليلاً، المقاومة كلٌّ مؤلفٌ من أجزاء، وكلُّ واحدٍ منّا يمكنه أن يكون جزءاً، بل من واجبه أن يكون.

في كلِّ الدّول العربيّة، وفي كلِّ مكان في العالم، ساهموا ولو بعبارةٍ صغيرة: لا تنسوا فلسطين!

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]

حسن المقداد

شاعر لبناني