قصة البيضة التي جعلت عمالقة الموضة ملوك التماسيح

جلد التمساح الأسترالي يُعدّ من بين أغلى الجلود على هذا الكوكب، ويستخدمه عمالقة الموضة مثل: "هيرميس" و"لويس فويتون".

  • قصة البيضة التي جعلت عمالقة الموضة ملوك التماسيح
    قصة البيضة التي جعلت عمالقة الموضة ملوك التماسيح

قد لا يخطر على بال أحد من  المشاهير والأثرياء وعارضات الأزياء، عندما يقفون أمام عدسات المصوّرين، ويتعمّدون إبهار جمهورهم ــ  وهم يتمايلون يميناً وشمالاً بغنج ودلال ـــ  متباهين بأناقة وجمال حقائب اليد الفاخرة التي يحملونها، وبأثمانها الخيالية، خصوصاً تلك المصنوعة من الجلود الطبيعية، بأنّ أصلها يعود إلى بيضة، قبل أن  تتحوّل لاحقاً إلى قطعة جاهزة  للاستعمال البشري، ثم البيع لدور الأزياء العالمية. 

لكن مهلاً، هذه البيضة ــ  والتي للمناسبة ليست عادية بل يصحّ معها القول بأنها ذهبية،  كونها تدر أموالاً طائلة بعد استخدامها ـــ لا تعود لحيوان وديع، بل لأشدّهم افتراساً وفتكاً وشراسةً على وجه الكرة الأرضية، ونقصد بذلك التمساح الأسترالي.

وما علاقة بيوض التماسيح الأسترالية بدور الأزياء العالمية؟ 

 في الواقع، يُعد جلد التمساح الأسترالي من بين أغلى الجلود على هذا الكوكب. ويستخدمه عمالقة الموضة مثل: "هيرميس" و"لويس فويتون"Hermès و Louis Vuitton لصناعة حقائب اليد المصمّمة لديهم، والتي يتمّ عرضها على مدارج نيويورك وباريس وميلانو، ويمكن أن تباع بمبلغ يصل إلى أكثر من 50 ألف دولار. ولكن هذه الجلود باهظة الثمن، لها حكاية تتميّز بالإثارة والخطورة في آن معاً.  

فقبل وقت طويل من أن تصبح هذه الجلود "بيركينز" ( وهي قطعة، وعادة ما تكون حقيبة يد، ترتبط تسميتها، بالممثّلة والمغنية جين بيركين التي ألهمت تصميم هذه الحقيبة المرغوبة) كانت عبارة عن بيوض مدفونة في المستنقعات والغابات  في أستراليا. زد على ذلك، أن اكتشاف أماكن وجودها ثم تجميعها، يُصنّفان من أصعب وأخطر الوظائف.

 من هنا، وعلى مدار عقود من الزمن، كانت المهمة تقع على عاتق السكان الأصليين الأستراليين، الذين خاطروا بحياتهم وأطرافهم مقابل القليل من المكافأة.

لكن ذلك بدأ يتغيّر، حينما عمدت أستراليا إلى مراجعة ماضيها الاستعماري الوحشي العنيف، وشرعت ببذل جهود متزايدة للحفاظ على الوظائف والأرباح في أيدي السكان الأصليين. وبالتالي وبدلاً من مجرد نقل بيوض التماسيح، إلى المزارعين البِيض، باشرت مجموعات من هؤلاء السكان بتولّي وظائف  تفقيس وتربية التماسيح بأنفسهم في منطقة رامينغيننغ (هو مجتمع من السكان الأصليين الأستراليين يتكوّن بشكل رئيسي من شعب يولنغو في الإقليم الشمالي، أستراليا، على بعد 560 كيلومتراً (350 ميلاً) شرق داروين (عاصمة الإقليم)، في عملية هي الأولى من نوعها.

وكيف تتمّ عملية تجميع بيوض التماسيح، والمخاطر الناجمة عنها؟ 

في الحقيقة، لا تتزاوج التماسيح عادة في الأسر، لذلك يجب جمع معظم البيوض في البرّية. ففي بلدة رامينغينينج النائية، حيث يتمركز الحرّاس (مجموعة من شعب يولنغو يطلق عليهم هذا اللقب) تعايش السكان الأصليون مع التماسيح منذ آلاف السنين. والآن، وفي ظل التقاء الموضة العالمية والتقاليد المحلية، توفّر الحيوانات القديمة فرصة جديدة لصناعة الجلود.

وتبعاً لذلك، تعتبر الزواحف جزءاً من الحياة اليومية في المنطقة. حيث يعرف الجميع شخصاً  واحداً، على الأقل تعرّض للعضّ من تمساح.. لذا، غالباً ما يصطاد الحرّاس البَيْض، باستخدام مجذاف خشبيّ فقط، يكون مشوّهاً في نهايته بسبب مواجهاتهم مع المفترس الرئيسي، من أجل الحماية. 

 الأكثر أهمية، أنه حتى وقت قريب، كانت هناك  ممارسة تسمّى "القذف"، حيث يتم تعليق صائدي بيوض التمساح من طائرات الهليكوبتر للحصول على مكافآتهم. ولكن تم حظر  هذا الأسلوب الخطر، بعدما أدى حادث تحطّم مروحية العام الماضي، إلى مقتل نجم تلفزيوني، وإصابة طياره بجروح خطيرة، وقد دفعت هذه الواقعة الى زيادة التدقيق في صناعة مربحة ولكنها غامضة.

وعلى أثر ذلك، أعلنت الحكومة الأسترالية مؤخراً أنها ستطلق مراجعة للقواعد التي تحكم كل شيء، بدءاً من جمع البيوض، واصطياد التماسيح البرية وحتى تكاثرها في الأسر، فضلاً عن أساليب القتل.

لكن حظر "القذف" نجم عنه أيضاً، ارتفاع أسعار بيوض التماسيح، واعتماد الصناعة على مجموعات السكان الأصليين، بما في ذلك Arafura Swamp Rangers، وهي عبارة عن أرض رطبة داخلية كبيرة للمياه العذبة لها أهمية وطنية في منطقة أرنهيم لاند، في الطرف العلوي من الإقليم،  وهي توصف بأنها أكبر مستنقع  مغطى بالورق النباتي في هذا البلد.

وماذا تعني التماسيح للسكان الأصليين في أستراليا؟ وما التحديات التي تواجههم؟ 

كانت التماسيح تعيش في منطقة رامينغينينج عندما وصل السكان الأصليون إليها منذ نحو 60 ألف سنة،  والمثير أنه تمّ نسجها في خطوط الأغاني المحلية أو التاريخ الشفهي لديهم. فبالنسبة لبعض اليولنغو، يعتبر التمساح أيضاً طوطمهم (الطوطم هو كائن روحي أو مقدّس، أو رمز يعمل كشعار لمجموعة من الناس، مثل عائلة أو عشيرة أو نسب أو قبيلة).

 وتعقيباً على ذلك قال أحد شيوخ يولنغو وحارس مستنقع أرافورا للصحافة، وهو يدعى بيتر دجيجير (61 عاماً) : "التمساح ليس حيواناً سيئاً. لقد كانت عائلته موجودة جنباً إلى جنب مع الزواحف منذ أجيال، حتى أن أحد أسلافي كان يصطاد التماسيح بيديه العاريتين.. إنها ثقافتنا".

الجدير بالذكر أن دجيجير بدأ العمل لدى المزارعين البِيض في التسعينيات، وكان يتدلى في كثير من الأحيان من طائرة هليكوبتر، لتنظيف أو تفتيش أعشاش التماسيح بحثاً عن البيض.

أكثر من ذلك، كانت السنوات الخمسين الماضية أو نحو ذلك مليئة بالتحديات. لقد كادت هذه الحيوانات أن تنقرض في أستراليا، حيث أدى ارتفاع الطلب الأوروبي، إلى ذبح تماسيح المياه المالحة على نطاق واسع، والتي يشتهر جلدها بقوته المرنة وأنماطه الحرشفية.

وبحلول عام 1970، انخفض عدد التماسيح "الملحية" في الإقليم الشمالي من 100 ألف، إلى بضعة آلاف فقط. وفي أعقاب حماية هذا النوع بعد عام، انتعشت أعداده. ولكن بنتيجة هجماتها على البشر، ارتفعت عمليات إعدامها، الأمر الذي هدّد مرة أخرى بإحياء هذا الحيوان الزاحف.

ولتحفيز التعايش، لجأ المسؤولون إلى الولايات المتحدة، حيث بدأت بعض الولايات الجنوبية تسمح للناس بزراعة أو بيع بيض التمساح الموجود في ممتلكاتهم.

ولاحقاً، تم تطبيق نظام مماثل في أستراليا، مما أدى إلى خلق مصدر دخل للسكان الأصليين، الذين يمتلكون ما يقرب من نصف أراضي الإقليم الشمالي ومعظم الجزء العلوي. ومع ذلك، يعاني هؤلاء السكان من الغبن والظلم، بسبب احتكار أصحاب الأعمال من المواطنين الأستراليين البِيض، لمعظم الأرباح، حيث يقومون بتفريخ الحيوانات وتربيتها وقتلها وسلخها في المزارع القريبة من داروين، فيما يتلقّى السكان الأصليون تعويضات مالية ضئيلة، لا تتناسب وحجم المخاطر التي يواجهونها من وظيفة جمع البيوض. 

ما هي مراحل تحويل البيضة إلى حقيبة باهظة الثمن؟

بدأت تجارب تفريخ الحيوانات منذ عقد من الزمن. في المرحلة الأولى يقوم الحرّاس في إعداد البيوض التي جمعوها من أعشاش التماسيح (يحتوي كلّ عش على ما يقرب 50 بيضة). بعدها  تُرسم علامة معينة على البيض بقلم رصاص، للتأكد من سلامتها، وعدم موت أجنّة التمساح الهشة الموجودة بداخله، ثم يعمدون إلى غسل البيوض.

وفي النهاية يجري وضع أكثر من من 300 بيضة بالفعل في رطوبة ودرجة حرارة تصل إلى 100 درجة مئوية في حاضنة بحجم المقطورة، في عملية تحاكي الظروف الطبيعية ذاتها التي تتوفّر للعش في الغابات.

 وبعد انتهاء فترة تفقيس البيوض، تحتاج التماسيح الصغيرة إلى اللحوم. وتبعاً لذلك يقوم الحرّاس كل يوم أو يومين، بإطعام الحيوانات لحم جاموس مفروماً، لأنه مدعّم بالكالسيوم والفيتامينات.

وعندما يبلغ عمر الصغار نحو 9 أشهر، يجري إرسالهم إلى مزرعة أكبر بالقرب من داروين. وبعدما يصبح طولهم نحو 4 أقدام – الحجم المطلوب لحقيبة يد صغيرة – يتم قتلهم وتوريد جلود بطونهم الناعمة إلى المدابغ في آسيا، قبل أن تحوّلها المشاغل في فرنسا إلى سلع فاخرة.

 ما تجدر معرفته، أنّ إعداد منشأة مناسبة لهذه التجربة، تحظى بالتمويل الحكومي، وهي العملية الوحيدة التي يملكها السكان الأصليون لزراعة التماسيح في أستراليا.

اللافت أنه في العام الماضي، باع الحرّاس 232 فرخاً صغيراً، وقد أظهرت سجلات الأعمال أنها مملوكة لشركة هيرميس وميك بيرنز، وهي تعود لمزارع أبيض يُطلق عليه غالباً "ملك التمساح" في أستراليا.

وماذا عن الأسعار؟

تنتج منطقة رامينغينينج اليوم، نحو 25000 جلد سنوياً بقيمة تزيد عن 20 مليون دولار. يدفع المالكون التقليديون (وجلّهم من المزارعين البِيض)، نحو 28 دولاراً لكلّ بيضة، كتعويض للحرّاس الذي يتلقّون أيضاً ، 86 دولاراً  عن كل تمساح يبلغ من العمر 9 أشهر.

كما أن كلّ تمساح مذبوح، يدرّ نحو 750 دولاراً، وفقاً للأرقام الحكومية. وفي هذا السياق يتساءل بعض دعاة الحفاظ على البيئة عمّا إذا كان السكان الأصليون يحصلون على حصة عادلة.

بالمحصّلة، في كلّ الأمم والمجتمعات البشرية، يحرص الآباء على أن ينال أبناؤهم أفضل تعليم أو أن يحظوا بأرقى الوظائف، لكن في أستراليا فإن طموح وحلم الحرّاس (السكان الأصليون) يتوقّف عند تربية التماسيح حتى يتم ذبحها، بل أن يعمل أبناؤهم الصغار في المزرعة، ويتعلّموا منهم كما تعلّموا هم. فبنظرهم "هذه هي الخطوة الأولى في الرحلة التي نحن فيها". ويحدّثونك عن الإنسانية وحقوق الإنسان؟