لقمان - سحبان - يقظان

ثلاثة أسماء لكل منها شخصية وتاريخ ومعنى.. تعالوا لنعرف عنها أكثر

لقمان - سحبان - يقظان

إذا بَدا وَجهُ ذَنْبٍ فَهْوَ في سِنَةٍ
وإن بدا وجهُ خَطْبٍ فَهْوَ يَقظانُ
ذو حِكمةٍ وبَيانٍ جَلَّ قَدْرُهما
فَفيهِ لُقْمانُ مَجموعٌ وسَحْبانُ
وما لِسَحبانَ جُزءٌ مِن فَصاحَتِهِ
ولا لِلُقمانَ لو جاراهُ لُقمانُ

بهذه الأبيات يمدح ابنُ الروميّ (836 - 896) الشاعر العباسي الذي اشتهر بالتطيُّر والضيق بالناس، أحد القادة مُلتمساً عطاءه. وهو يبالغ في مدحه فيجعله متيقظاً دوماً للأحداث الجسام متغاضياً عن معاقبة المذنب، أحكم من لُقمان الحكيم، وأفصح من سَحبان وكلاهما يُضرب به المثل، أولهما بالحكمة والثاني بالفصاحة. وتيمُّناً بهما يطلق اسماهما على الأبناء الذكور.

أما اسم يقظان فهو مأخوذ من اليقظة وهي الانتباه والفِطنة. فاليقظان هو الصاحي. يقال: يَقِظَ، يَيْقظُ، يقظاً، من نومه: إذا صحا، فهو يقظٌ ويقظان. واليقظان أيضا هو المتنبّه للأمور الفَطِن. وعليه قول الشاعر الأندلسي أبي اللقاء النردي:

هي الأمورُ كما شاهدتها دُوَلٌ
مَن سَرّهُ زمنٌ ساءتهُ أزمانُ
يا غافِلاً ولهُ في الدهرِ مَوعِظَةٌ
إن كنتَ في سِنةٍ فالدهرُ يقظانُ

وأبو اليقظان كُنيةُ الديك.

أما اسم لُقمان فهو يُحيل على لُقمان الحكيم الذي سُمّيت به إحدى سُوَر القرآن الكريم حيث ترد الآية «ولقد آتَينا لُقمانَ الحِكمةَ». ولذلك يُضرب به المثل في الحكمة. أما من حيث المعنى والاشتقاق فهو مأخوذ من لَقْمِ الطعام، وهو أكلُه سريعاً. وقد لَقَمَ الطعامَ، يلقَمُه، لَقْماً، أي أكله بسرعة والتهمه التهاماً.

ورجلٌ لُقمانُ أي كثير اللقْم، ومثلُه التِلْقامُ وهو العظيم اللُقَم. على أن التسمية بلُقمان إنما هي على سبيل التيمُّن بلُقمان الحكيم ولا يُلتَفتُ إلى المعنى اللغوي. ويقال إن لُقمان الحكيم عاش عُمر سبعة نسور، والمعروف أن النسر يُعمّر طويلاً. وإلى ذلك يشير الشاعر العباسي أبو عُبادة البُحتُري حيثُ يقول:

أقصِرْ فَإنّ الدهرَ ليسَ بِمُقصِرِ
حتّى يَلِفَّ مُقَدّماً بِمُؤَخّرِ
أوْدَى بِلُقمانَ بنِ عادٍ بعدما
أودَتْ شَبيبَتُهُ بِسبعةِ أنسُرِ

وأما التسمية بِسَحبان فتذكّر بواحد من أفصح إلعرب يُضرب به المثل في الفصاحة وهو سَحبان وائل (ت674) نسبة إلى قبيلة وائل التي ينتمي إليها. وكان من أخطب العرب، وكان إذا خطب يعتمد على عصا ويسيل عرقُه ولا يتنحنح ولا يتوقّف ولا يعيد وإن تكلّم سحابةَ يومه. وهو القائل:

لقد عَلِمَ الحَيُّ اليمانونَ أنني
إذا قلتُ أمّا بعدُ أنّي خطيبُها

واشتقاق سَحبان من السحب وهو جَرُّ الشيء. وكل شيء جررته فقد سحبته. ومنه اشتقاق السحاب، أي الغيم، لانسحابه في الهواء. 

وكما يُضرَب المثلُ بسحبان وائل في الفصاحة والبيان، يُضرب المثل في العِيّ واللجلجة وعدم الإفصاح برجل آخر يُدعى باقل. ويروى أن شاعراً يدعى حُمٍيد بن الأرقط نزل عليه ضيفٌ كثير الكلام متحذلق لم يترك باباً من أبواب الكلام إلا ولجه، فلما حضرت المائدة خرِس تماماً وانصرف إلى الأكل يلتهمه التهاماَ حتى بات عاجزاً عن الكلام بعد فراغه. وفي ذلك يقول الشاعر:

أتانا وما ساواهُ سَحبانُ وائلٍ
بياناً وعِلْماً بالذي هو قائلُ
فما زال عنه اللّقْمُ حتّى كأنّهُ
مِنَ العِيِّ لمّا أن تكلّمَ باقِلُ

 

صالح الأشمر

كاتب ومترجم من لبنان