حازم

حازم

إذا بَلغَ الرأيُ المشورةَ فاستعِنْ

بِرأي نَصيحٍ أو مَشورَةِ حازِمِ

ولا تجعَلِ الشُورى عليكَ غَضاضةً

فَإنّ الخَوافي قُوةٌ لِلقوادِمِ

وخَلِّ الهُوَينَى للضَعيفِ ولا تَكُنْ

نَؤوماً فَإنّ الحَزمَ ليسَ بِنائمِ

هذه الأبيات من أشهر ما قيل في فضل المشورة، ولا سيما للحاكم في الأمور الخطيرة. وهي للشاعر العباسي بشّار بن بُرد (714- 784) الذي كان فاقد البصر قوي البصيرة.

وقد لاقت هذه الأبيات تقديراً كبيراً لدى النقّاد. ويروي الأصمعي وهو اللغوي والراوية المشهور أنه قال لبشّار: "يا أبا مَعاذ، إن الناس يُعجبون من أبياتك في المشورة. فقال لي: يا أبا سعيد إن المُشاور بين صواب يفوز بثمرته، أو خطأ يُشارَك في مكروهه"، فقلت: أنت والله في قولك هذا أشعر منك في شعرك".

والحازم هو ذو الحزم. والحزم هنا هو جَودة الرأي، وذلك أن يكون الرأي سديداً متماسكاً غير مُذبذب. وعليه في باب الهوى قول الشاعر المصري محمود سامي البارودي (1840- 1901):

أضعتُ الهوى حِفظاً لِحَزمي وإنما

يُصانُ الهَوى في قلبِ مَن ضاعَ حَزمُهُ

والحازِمُ من الرجال هو العاقل المُمَيّز ذو الحِنكة. وقد حَزمَ، يَحزُمُ، حَزماً، وحَزامةً، إذا كان يضبط أمره، ويحكمه، فهو حازِم. من ذلك قول البارودي متغزّلاً:

لها نظرةٌ لو خامرتْ قلبَ حازِمٍ

لأصبحَ مسلوبَ النُهى غيرَ حازِمِ

أطعتُ الهوَى فيها وإن كانَ ظالِماً

وعاصَيتُ في حُبّي لها كلَّ راحِمِ

يقال: حزم رأيَه، أو أمرَه، إذا ضبطه وأتقنه. والأصل في معنى الحَزم هو شَدُّ الشيء وجمْعه. وقد حزمت الشيءَ، إذا شددته وإذا جعلته حُزمة واحدة. من ذلك الحِزام وهو المشدّ وغيره يلتفّ حول الوسط. ومنه حزام الأمان لركاب السيارة أو الطائرة، وحزام النجاة للإنقاذ من الغرق في الماء.

وقد سمّت العربُ الرجلَ حِزاماً وحازماً كما سمّته حَزْماً. وابنُ حزْم الأندلُسي (994 - 1064) فيلسوف ومؤرّخ متأثر بأفلاطون.

وللشاعر الأموي الأحوص هذه الأبيات الطريفة التي قالها ساخراً من رجل يدعى ابن حزم، كان من عامة الناس وأصبح حديث نعمة ومن الأعيان:

أعجِبتَ أن رَكِبَ ابنُ حزمٍ بَغلةٍ

فَرُكوبُهُ فَوقَ المنابرِ أعجبُ

وعَجِبتَ أن جعلَ ابنُ حزمٍ حاجِباً

سُبحان مَن جعلَ ابنَ حزمٍ يُحجَبُ

 

صالح الأشمر

كاتب ومترجم من لبنان