نهلة - نهال - منهل - منهال

نهلة - نهال - منهل - منهال

أنا نَشْوانُ ومِن خَمْرِ الهَوَى
قد تَرشّفتُ رَحيقاً بابِلِيّا
في ظِلالِ الوَردِ أحسُو خَمرَتي
مُشرِكاً في كأْسِيَ الزَهرَ النّديّا
نَهْلَةٌ مِنّي ومِنهُ نَهْلَةٌ
هَكذا نَرتَشِفُ الكأْسٍ هَنِيّا


هكذا يختار الشاعر السوري مُحَمّد سُليمان الأحمد (1903 - 1981)، المُلَقّب بِبَدَوِي الجبل، الزهرَ الندِيَّ نديماً يشاركه شُربَ الخمر من الكأس نَهُلةً بعد نَهْلَةٍ، أي رَشْفةً بعد رَشفة،أو جَرعةً بعد جَرعة، عِوَضاً عن النديم المألوف عند الشعراء في مجلس الشراب، حيث يكون الزهر لبعث البهجة في النفوس لا للمنادمة بالمعنى الحرفي للكلمة.

ويبدو أن هذا الشاعر النازل حديثاً من جبال اللاذقية إلى دمشق، لم يكن قد ألف بعد عشرة أهل الشراب والغناء من أبناء المدينة.

على أن ما يعنينا نحن في هذه الأبيات الرقيقة هو طريقة شربه الكأس نَهلة بعد نَهلة. لأن اسم العلم المؤنث الشاعري الجميل نَهْلَة مأخوذ من هذه الكلمة وهي المرّة الواحدة من النَهَل. والأصل في المعنى هو أن تشرب الإبِلُ الماءَ أوّلَ الشُرب. يقال: نَهِلَتِ الإبِلُ، تَنْهَل، نَهَلاً، ومَنْهَلاً، إذا شربت أوّل الشُرب. أما الشرب بعد ذلك فهو العَلَل. وعليه قول الشاعر الأُمَوِيّ عُجَير السَلولي (ت 708 م):

عَلّلاني إنّما الدُنيا عَلَلْ
واسقِياني عَلَلاً بعدَ نَهَلْ
أصحبُ الصاحِبَ ما صاحَبَني
وأكُفُّ الّلومَ عنهُ والعَذَلْ
وإذا أتلفَ شيئاً لم أقُلْ
أبَداً يا صاحِ ما كانَ فَعَلْ

أصل النهل إذن هو أن تشرب الإبل أوّل الشرب، ثم يُتَوسّع في المعنى، فيقال نَهِل الرجل أو غيره إذا شرب حتى ارتوى. ونَهِل من العِلم، إذا نال منه قسطاً وافراً وهذا مجاز.

والمَنهَلُ هو المَورِد، والشُرب، وهو موضع الشرب على الطريق. ومنهل العِلم مَعينُه، أي من حيث يُستَقى أو يؤخذ. وفلانٌ مَنهلُ الجود، أي كريم يٌقصد لكرمه. ومنه أُخِذ اسم العلم المذكر مَنهل. والجمعُ مََناهِل وهو من أسماء الإناث.

والنَهَلُ، واسم المرّة منه نَهلة، لا يقتصران على شرب الماء كما مَرّ. فهذا قيس بن الملوّح (مجنون ليلىى) يجد لذة في أن ينهل السم إن كان في ريق ليلاه فيقول:

ألا يا نسيمَ الريحِ لو أنّ واحداً
مِنَ الناسِ يُبليهُ الهوى لَبَليتُ
فلَو خُلِطَ السُمُّ الزُعافُ بِريقِها
تَمصّصتُ منهُ نَهْلًةً ورَوِيتُ

ويقول إبراهيم اليازجي (1847 - 1906) متغزّلاً:

ولقد وقفتُ على وِدادِكِ مُهجَتي
وتَصرُّفي في الوقفِ غَيرُ مُحَلّلِ
 وعَذرتُ نفسي في هواكِ لأنّني
أوردتُها في الحُبِّ أعذبَ مَنهَلِ

والمناهل جمعُ منهِل.وعليه قول عبد الغني النابلسي(1641 - 1731):

ما في المَناهلِ مَنهلٌ مُستَعذبٌ
إلّا ولي فيهِ الألذُّ الأطيبُ
أو في الوِصالِ مكانةٌ مخصوصةٌ
إلاّ ومَنزِلتي أعَزُّ وأقربُ
وهبَتْ لِيَ الأيامُ رَونَقَ صَفْوِها
فَخلَتْ مَناهِلُها وطابَ المَشرَبُ

والناهِل اسم الفاعل من نَهل. والجمع نِهال. والنِهالُ أيضاً: المُرتَوي الرَيّان. ونِهال جمعُ الناهلة مؤنث الناهِل. والنِهالُ: المُترددة على المَنهل، أي مورد الماء. وبه تُسمّى المرأة نِهال. وسمّت العرب الرجل مِنهالاً، والمِنهالُ هو الرجل الكثير الإنهال. وقد أنهلَ الإبِلَ،إنهالاً، إذا سقاها نَهَلاً.  

 

صالح الأشمر

كاتب ومترجم من لبنان