لا أريد منك إلا أنت

أصدق الغزل يا حبيبتي ذاك الذي أشتمك فيه لأني أحبك فوق طاقتي، وأحلاه ذاك الذي ألعن فيه كل أمتار الغياب بيننا.

لا أريد منك إلا أنت

كان آدم يمشي بخطواتٍ مُتثاقلة في بيته كأنه سيارة تمشي في طريق دائرية باحثة عن موقف ، إلا أن صورة تجمعه بحواء استوقفته، ونزعت منه أول اعترافاته على شكل رسائل كتبها على هاتفه بعُجالة وكأنه يخشى أن يُغيّر رأيه.

الرسالة الأولى: لطالما كانت الغُربة زفير المسافرين، لكنني أؤكّد لك أن الغُربة في حالتنا أصابت الباقين هنا. أصابتني وحدي بشوق.

الرسالة الثانية: أملك في جيب فمي من الشتائم ما سيفيض عن الوقت الذي سنقضيه معاً. أصدق الغزل يا حبيبتي ذاك الذي أشتمك فيه لأني أحبك فوق طاقتي، وأحلاه ذاك الذي ألعن فيه كل أمتار الغياب بيننا.

الرسالة الثالثة: كانت رائحتك نصف الحضور وصارت الآن كل حرمان الغياب.

انتفض آدم وكأن قوّة خفيّة أشفقت عليه وبدأت بتحريكه. فتح باب خزانته وبدأ يرتدي ملابسه من دون أن يتوقّف عن الكتابة.

الرسالة الرابعة: على الأقل، ليكن أحدنا بخير. أيتها الراحلة كوني بخير فأنا تحت فيء الغياب لست بخير أبداً.

الرسالة الخامسة: لا امرأة ستكون بعدك. ستبقى لقمة غيابك في حلقي.

الرسالة السادسة: أخفقت في امتحان الحب. ليتني قرأت الغياب جيداً. لو أنني فعلت لكتبت إرادة اللقاء عن غيب.
رغم أن كل رسائله السابقة ظلّت قَيْدَ الإرسال ولم تخرج من هاتفه لعدم وجود إشارة شبكة إلا أنه كتب رسالته السابعة وهو يلبس معطفه.

الرسالة السابعة: أبحث عن تذمّرك وسذاجتك، عن أقلام أحمر الشفاه وطبخك المالح. عن أحذيتك الملوّنة الكريهة. عن يدك وهي تسحب الغطاء من دون قصد عني . بمنتهى بلاهة الحب أقول لك "لا أريد منك إلا أنت".

في الطرف الآخر تقود حواء سيارتها بينما بقي الغضب يجلس في المقعد المجاور لها حتى طردته من النافذة إحدى الأغاني التي خرجت من المذياع مبتسمة لحواء. على الأغلب أنها تخصّ ذكرياتها مع آدم وإلا ما كانت حواء لتغيّر طريقها فجأة وترشق الرسائل كوردٍ جافٍ على هاتف آدم.

الرسالة الأولى: منذ قليل أوقعت نفسي على الأرض. لم أتألّم فأنا ما زلت أصدّقك أنك ستكون بيني وبين ظلّي.

الرسالة الثانية: كأيّة مُغتربة عن وطنها زادني الغياب انتماء لك.

الرسالة الثالثة: في حضورك كنا نبني ذكرياتنا. أما في غيابك فخيالي يشيّج ما يجب أن يكون وليته يكون.

الرسالة الرابعة: غيابك سجّان غليظ يحمل إسمك كهراوة قاسية. كلما حاولت مد أصابعي لحقيبة الرحيل ضربني.

الرسالة الخامسة: سامحتك عن كل صفعاتك وشتائمك، لكنني لن أطيق مسامحتك على هذا الغياب. أنت مذنب في غيابك حتى ولو كنت أنا من اقترفته.

الرسالة السادسة: ما أقبح الوقت عندما خلا من صوتك. غيابك صحراء.
رغم أنها ركنت سيارتها ولم يبق إلا أمتار بعدد أصابع اليد تفصلها عن المنزل، إلا أنها تابعت كتابة الرسالة الأخيرة.

الرسالة السابعة: أبحث عن سُعالك وغضبك، عن قمصانك ومزاجك السيّىء صباحاً، عن فوضاك المؤذية لعيني، عن ركبتك الأنانية التي لا تنام إلا على خاصرتي. بمنتهى طيش الحب أقول لك إنني "لا أريد منك إلا أنت".
التقيا عند باب المنزل.

تعاتبا وانفجرا غضباً ثم تبادلا الشتائم وأقسما على الفراق أبداً. وقبل أن يبني الغياب مشنقة جديدة عادت إشارة شبكة الاتصالات وأنقذت اللغة من شتيمتهما. رنّ هاتفيهما فانشغل كل منهما بقراءة رسائل الآخر.

آدم: أتعبني في الغياب أننا كنا أربعة "أنا وطيفك. أنت وخوفي". تعالي نسترح في واحد لا أكثر.

حواء: أوجعني في غيابك أنه أمسى صداع المسافة في رأسي. تعال نصفع بعضنا عناقاً فلا نموت.

آدم: نجحنا إذاً

حواء: وهل كنا في امتحان؟

آدم: يذاكر الحب في مدرسة العناق وينجح فقط إذا كتب جيداً في امتحان الغياب.

حواء: ما كان ينقصنا إلا الغياب. محطة اللقاء بعيدة فدعنا نستقل قطار الغياب السريع.تعانقا أخيراً واشتعل همسهما.

آدم: شكراً للغياب إذن

حواء: شكراً له. ما عناقنا هذا إلا هدية من الغياب.

 

هيثم طفيلي

روائي وكاتب مسرحي سوري