نون النسوة مُنتظرات المستحيل

حواء: السلام على الجنود حُماة السلام. السلام على شهداء الغد المُبتسمين.

نون النسوة مُنتظرات المستحيل

في إحدى مدننا المنكوبة بحربٍ قاسية وبينما كان آدم يقفز بغرور الجاهل فوق الركام، كانت حواء تخطو بخجلٍ وبطء وكأنها تمشي في مقبرة. يلتفت إليها مُستفسراً.

آدم: ما بالك بطيئة وكأنك تسيرين على أجساد موتى؟

حواء: لن تصدّقني حتى لو أردت أن أكون صادِقة معك

آدم: منذ متى وأنا أكذّبك؟

حواء: ليس الأمر ما فهمته بالتحديد، لكن ما تراه عينك هنا لا يشبه البتّة ما يحسّ به قلبي

يقترب منها ويسألها مُمازحاً:

آدم: وما الذي يراه قلبك المُبصِر ولا تراه عيني العمياء؟

تجيبه مُتجاهلة سخريّته:

حواء: الخراب والركام

آدم: ما عميت عن ذلك

حواء: شتّان يا عزيزي بين ما تراه عينك وما يراه قلبي، فأنت تُبِصر الخراب في الشوارع والركام بينما أنا أشعر بخراب النفوس وأسمع بكاء الركام. أنت تحصي قوّة الحرب بالقبور وأنا أدركها بدموع الباقين على قيد الحياة من دون حياة كقبورٍ مفتوحة.

آدم: مَن هؤلاء الذين يحيون من دون حياة؟

حواء: أمّهات الشهداء، بناتهم، زوجاتهم. أقصد كل تاء مربوطة يتيمة بعدهم وثكلى بفقدانهم، أقصد منتظرات المُستحيل عند النوافذ التي بقيت.

آدم: ماذا ينتظرن؟

حواء: ينتظرن أحبّتهم الذين لن يعودوا، لذا أسميتهم مُنتظرات المستحيل

آدم: يا أيها الشهداء ماذا تركتم وراءكم؟

تتقدّم حواء خطوة وتصيح ملء دموعها وحنجرتها.

حواء: يا أيها الشهداء لماذا نسيتم أن تؤكّدوا عدم عودتكم لهن؟ كم تركتم خلفكم من موتى فوق التراب؟ كيف نسيتم أن ترحموا انتظارهن المستحيل على الشرفات؟

آدم: صبراً يا نون النسوة على الحرب، فوالله ما استشهد أحبتك إلا لأجل الوطن

حواء: إذاً لا تبيعوه وهو ملك لغيركم

آدم: لكن الوطن للجميع

حواء: عجباً لمنطق يصير فيه الوطن للفقير حين نتحدّث عن واجب التضحية وللقوي الغني حين نتحدّث عن النصر؟، علّمني أحدهم أن الإنسان يملك من الوطن بحجم ما فقد من أحبّة رقدوا تحت ترابه.

آدم: صدقتِ

تنحني حواء وتمدّ يدها رويداً إلى الأرض وكأنها تستأذن منها قبل أن تأخذ حفنة تراب ثم تهمس.

حواء: أرجو أن نثأر لهم!

آدم: كيف؟

تُعيد حفنة التراب إلى الأرض بحنانٍ كأنها تضع رضيعاً في سريره.

حواء: بألا نذهب إلى الحرب مرة أخرى

آدم: أترضين لهم جلدات المحتل ووقاحة المُعتدي وكذب الظالِم؟

حواء: قلت بألا يذهبوا إليها لا أن يفرّوا منها إذا أتت إليهم، أم أنك تظن أن سماء كرامتنا أقل علوّاً من أشجار شجاعتكم؟ كل ما أريده ألا ننسى الشهداء وتركتهم.

آدم: السلام على الشهداء وعلى أمّهات الشهداء. السلام على أبناء وبنات الشهداء. السلام على زوجات الشهداء وأصحاب الشهداء. السلام على أصحاب بيت الوطن الصامتين الذين يستضيفوننا نحن الثرثارون.

حواء: السلام على الجنود حُماة السلام. السلام على شهداء الغد المُبتسمين. السلام على دُعاء أمّهاتهم وحزن زوجاتهم. على أحلام بناتهم واستعجال أولادهم ليكونوا مثلهم. السلام على وطنٍ عاشوا فيه وماتوا لأجله وبقي بفضلهم.

هيثم طفيلي

روائي وكاتب مسرحي سوري