أموال شحيحة لآلاف منازل المخيمات الفلسطينية غير الصالحة

سنوات مرت على محاولات إصلاح البيوت غير الصالحة للسكن في المخيمات لكن بضعة مئات من بضعة آلاف فقط بأموال غير كافية

أموال نقمة بدلا من النعمة

محمد جمعة يشير إلى أضرار في منزله

تتهدد مخاطر انهيار المنازل، أو أجزاء منها، خمسة آلاف عائلة في المخيمات الفلسطينية في لبنان، بسبب إصابة بعضها بالقذائف، وأخرى بسبب اهتراء موادها لمرور الزمن عليها. فقد شيدت منازل غالبية المخيمات في لبنان بعد نكبة ١٩٤٨. وكانت كلها طبقة واحدة، سقوفها من التنك أو الاترنيت، وجدرانها حجارة باطون (خفان).

تكاثر الفلسطينيون في مخيمات ولم يسمح لهم بالتوسع خارجها، فاضطروا للبناء العمودي-طبقة فوق طبقة- مما فرض إزالة التنك والاترنيت، واستخدام الباطون لكن بطريقة رخيصة وسريعة وبما توافر.

تقدم الزمن، فاهترأ قسم، وتفككت أقسام، ولجأ بعض الفلسطينيين إلى ترميم منازلهم بطرق عشوائية، وبأسعار زهيدة من مداخيل توافرت لهم من أعمال يدوية، وحرف في أعمال يصنفها القانون اللبناني بالخارجة على القانون لأن لا حق للفلسطيني بالعمل.

ومنذ نحو ٧ سنوات، وضعت الأونروا خطة لتأمين الاعتمادات لإعادة بناء أو تدعيم المنازل، وطلبت من السكان التقدم بطلبات عن أوضاعهم. وفي ضوء ذلك، كانت الأونروا ترسل فريق عمل مختص لتقدير حالة كل منزل، والمبالغ التي يحتاجها لإعادة البناء أو الترميم.

المبالغ التي رصدتها الأونروا حتى اليوم غطت، بحسب حسابات فريقها، ما يقارب ال٧٣٠ منزلا في كل المخيمات. وتراوحت التقديرات لكل منزل بين ٨-١٢ ألف دولار أميركي، وتتولى الأسرة تأمين المواد والعمال والفنيين وتشرف على العمل، ولا تتدخل الأونروا بأي جانب من هذا الشأن. مع العلم أن المبلغ المخصص لكل منزل يتضمن استئجار منزل رديف تنتقل العائلة إليه ريثما أنجزت الأعمال المطلوبة.

"مؤسسة شاهد" شاهد على المشكلة

يقول محمود شولي-مسؤول في مؤسسة شاهد عن دراسة وضعت لمنازل المخيمات في لبنان- إن "الاحتياجات كبيرة جدا، في ظل حرمان الفلسطينيين من حقوقهم المدنية، وحق العمل، وليس لديهم الامكانات، ويعانون من بطالة عالية قد تصل إلى ٦٠-٧٠ ٪، وليس بإمكانهم توفير مبالغ لاستكمال منازلهم”.

إشكالات اعترضت العديد من الحالات، أبرزها أن المبالغ المرصودة لم تكن تكفي لإنجاز العمل، فتستنزف، ولا ينتهي إعمار المنزل من جديد، ويصبح على الأسرة تحمل عبأين: إكمال البناء على نفقتها، وتغطية إيجار المنزل الذي انتقلت إليه على نفقتها أيضا.

شولي أوضح القضية وإشكالاتها، فقال بأن الإشكالات تعود لاعتبار أن عدد المنازل التي تحتاج لإعادة بناء أو إعادة تأهيل باعتبارها آيلة للسقوط هي ما بين ألف وألف وخمسماية منزل في كل مخيم. الأونروا استطاعت أن توفر مبالغ ل٧٣٣ منزل في ال١٢ مخيم الموجودة في لبنان، يستثنى منها مخيم "النهر البارد" باعتبار أن له مشروع خاص، ومخيم "البرج الشمالي" لأن هناك مشروع خاص به يموله الهلال الأحمر الإماراتي، وتوزعت المنازل التي تأمنت الاعتمادات لها ما بين ٦٠-١٠٠ في كل مخيم”.

وأوضح أن "المنازل التي تخضع لترميم بسيطة جدا ولا تتجاوز نسبة ٥-٧٪ من مجموع المنازل التي بحاجة لإعادة إعمار في كل المخيمات”.

وشرح الطريقة التي اعتمدتها الأونروا في المساعدة، ذاكرا أن الأونروا "قررت أن تقوم وحدات منها بتقييم المنازل، وتحديد حاجاتها، والمبالغ التي يحتاجها المنزل. تعطي الأونروا رب الأسرة المبلغ لإعادة بناء منزله وفق المواصفات التي حددتها فرقها على أن لا يتجاوز العمل المبلغ المحدد. لكن معظم المبالغ لا تكون كافية، فيضطر رب الأسرة أو صاحب المنزل لدفع المبالغ الباقية”.

وأفاد أنه "تم تنفيذ الدفعة الأولى في مخيمات الجنوب، ومنها في مخيم عين الحلوة، والكمية عبارة عن اربعين منزلا وهناك الآن مشروع ل٢٧٠ منزلا، لكن الآلية لم تر النور، والعدد الذي توافرت الاعتمادات له محدود جدا".

إشكالات أخرى تحدث الشولي عنها وهي أنه "حتى الآن هناك مشاكل تم مسحها وتقييمها، ووضع الخرائط وماشابه، لكن وضع الأونروا ضمن هذا العدد المحدود إشكالية مع الجيش اللبناني باعتبار أنهم منعوا إدخال مواد البناء للمخيمات إلا عند وجود مهندسين من الجيش اللبناني أو قوى الأمن الداخلي، وحتى في مخيم برج البراجنة، الجيش أصر على أن تنقل المواد في شاحنات الأونروا، وفرض أن تذهب الشاحنات إلى مركز أمني لفحص حمولتها، ثم تعود إلى المخيم. مما أعاق كثيرا عملية البدء بإعمار هذه المنازل، وحتى الآن هناك مبالغ مرصودة لكنها أيضا لم تر النور”.

وفي اتصال مع الأونروا، افاد مكتبها الإعلامي أنه "منذ بدأ مشروع تأهيل المنازل، واجهت الاونروا هذه المشكلة في عدة اماكن. والآلية المتبعة واضحة جداً لمعالجة ذلك. عندما تصلنا اي شكوى من أي مستفيد، يقول أن التمويل لم يكن كافيا، والتقييم لم يكن عادلا. ترسل الاونروا مهندسا للكشف من جديد، هو غير المهندس الذي قام بالكشف الاساسي، وتخمين كلفة الاعمال. يقوم المهندس الثاني بتقييم وتخمين لكلفة الاعمال، وإن تبين أن التخمين الاول لم يكن عادلاً، او سقطت بعض الامور عن خطأ، يصار الى اضافة المبلغ المرصود، وقد حصل ذلك في بعض الحالات في مخيمات مختلفة. ولكن وجدنا أيضا أن بعض الشكاوى لم تكن مشروعة لأن المستفيدين أضافوا اعمالاً أخرى، وغيروا نطاق الأعمال، ويدعون أن التمويل غير كاف”.

ويرد الشولي على الأونروا بقوله أن هذا الجانب من القضية هو جزء صغير من الحقيقة، وهناك من يقوم ببعض التعديلات الطفيفة بنسبة قليلة، لكن الأغلبية تلتزم بما تقدمه "الأونروا" لكن المبالغ لا تكفيهم، وليس لهم مبالغ إضافية أو متوفرة لكي يقوموا بذلك”.

في منزل مي راشد

المستفيدون المتضررون

مخاطر في سقوف مخيم برج البراجنة

ومن أجل الوقوف على واقع الأمر، اتخذت "الميادين نت" من مخيم البداوي نموذجا، وقابلت عددا من السكان الذين تنطبق الحالة.

رب أسرة يدعى محمد جمعة، منزله متصدع، وشرفاته قيد الانهيار، قال أنه تقدم بطلب إعادة إعمار منزله منذ نحو سبع سنوات، أوفدت الأونروا فريقا منها، وحددوا لنا استفادة جزئية لترميم المنزل، وليس إعادة إعماره، وخلال إزالة بعض التصدعات، انهارت الأجزاء الباقية”.

وأفاد انه اضطر للعمل بالمبلغ الذي حدد له، ووقع العقد رغم علمه بأن المبلغ لايكفي، معلقا: “تعلقنا بالمبلغ المرصود لأننا نرجح أنه لن يتأمن لنا مبلغ سواه".

وأوضح ان المبلغ جزيء إلى ثلاثة أقساط، لكن المال لم يغط العمل في المرحلة الثانية. وأنا لا أعمل، ولم يعد لي منزل أقيم فيه لأن منزلي الذي أرممه لا يزال يحتاج للكثير..بلاط..تلييس.. بياض.. أي أن ما أنجزته كان على "العظم"، وعلي تأمين إيجار منزلي الجديد”.

يختم قائلا: “أنا في ورطة، فمن ينقذني منها!”

مي سليمان راشد، أرملة، وأم لأربعة أولاد، سكنت في منزل من الانترنيت شيد بعد النكبة ١٩٤٨، تقول أنه "كان رطبا، وتسبب لنا بالأمراض التنفسية والعصبية، وكان مؤلفا من غرفتين ومنتفعات، ومنذ سنوات بدأت باطون سقفه بالانسلاخ التدريجي. أنذرتنا الأونروا بخطر انهيار المنزل، وحملتنا المسؤولية، طلبنانا منها المساعدة وفقا لبرنامجها، فخصصت لمنزلي عشرة آلاف دولار، على أربع دفعات. أنجزت بناء المنزل حتى "العظم" (الباطون والحجارة الاسمنت) بأول ثلاث دفعات، ولم أقبض الدفعة الثالثة التي لن تفي بالباقي. إضافة إلى أنني استدنت ألفي دولار لبعض الأعمال وإيجار المنزل البديل".

وشرح ياسر أبو شيخة حالات مماثلة، قال: "عندما اقرت الانروا اعادة اعمار المساكن في مخيم البداوي ومخيمات لبنان، بدأ المهندسون بضبط الخرائط للمنازل وتحديد المبلغ المترتب لاعادة اعمارها بشكل لائق، ثم أعادت الانروا ارسال طاقم مهندسين جدد، والبدء بخرائط جديدة، و بعد ذلك تبين ان هناك شيء ما يحدث حول اقرار المبلغ ووافقت الأونروا على المبلغ حسب خرائط الفريق الهندسي الثاني وهو المبلغ الادنى”.

يتابع: "عند بدء العمل من قبل المستفيدين، هدموا بيوتهم فوقعت الكارثة عندما تفاجأ بأن المبلغ المرصود لايساوي 60% من اصل المبلغ المرصود من الفريق الهندسي لإعادة اعمار منزله، خصوصا أنه استأجر منزلا من ضمن المبلغ".

ويقول: "بعد أن كانت الأسرة متضررة أو مهددة أصبحت مديونة، ومتشردة. فهناك من لم يستطع إكمال منزله لقلة المبلغ المرصود، فوقع بين خيارين احلاهما مر، اما ان يوقع على اخلاء مسؤولية الانروا مقابل المبلغ الاخير غي الكافي، واما أن يرفض ويبقى مستاجرا، وهو فعليا لا يستطيع دفع بدل ايجار، وحالات من هذا النوع هي بعشرات العائلات".

وخلص إلى المطالبة بالإسراع بإعادة الكشف خصوصا في ظل ارتفاع أسعار مواد البناء، ورصد مبالغ إضافية لكي تتمكن عشرات العائلات من العودة إلى منازلها.

الأونروا واللجنة الشعبية: تبادل تهم ومساع لسد الثغرات

عجز عن إنجاز المنازل

وقال المسؤول الإعلامي في "اللجنة الشعبية" في المخيم أبو رامي خطار أن "السكان المعنيين بالخطة يواجهون وضعا صعبا، فالمبالغ لم تكفهم، وهم بغالبيتهم عاطلون عن العمل، ومن يعمل منهم فبمدخول زهيد، وبالتالي لا يتمكنون من إنجاز البناء. ونحن في "اللجنة الشعبية" نحاول مساعدتهم بالاتصال بالأونروا، والمساهمة في توضيح الواقع، وتقريب وجهات النظر ساعين لأن تزيد "الأونروا" المبالغ لأن أسعار المواد تتصاعد، والسكان يعجزون عن إكمال المطلوب”.