حلم لبنان بثروته النفطية: هل تبدده الطائفية كباقي الأحلام؟

ينتظر اللبنانيون بتلهف وصول الترتيبات القانونية واللوجستية للتنقيب عن النفط إلى مرحلة تطبيق الخطوة الأولى العملية، والبدء بوضع الثروة النفطية المفترضة قيد الاستخراج.

حلم يتحقق

لبنان في حوض المتوسط

اللبنانيون لم يشعروا يوما بأمان اقتصادي ناجم عن طاقات كامنة في بلدهم، السبب صغر حجم الوطن، وعدم ظهور ثروات طبيعية فيه تدفع باقتصاده نحو الازهار والتطور، ممل يثبت أجياله في أرضهم فيستفيد بلدهم من أدمغتهم بدلا من أن يتوجهوا للعمل في دول النفط.

وقد اعتاد لبنان على أن يكون دائم الاستيدان من الخارج، مما أبقاه تحت رحمة الدول المدينة له، وازدادت مديونيته بشكل كبير عقب اتفاق الطائف، وهو يقع الآن تحت مديونية تناهز الستين مليار دولار مع ما يستتبعه ذلك من ضغوط على المواطنين، فترهق قدراتهم، وتزداد هجرة أبنائهم، وهم يعيشون في ما يشبه الكابوس، متسائلين كيف ستتم معالجة هذه المديونية الضخمة.

وعندما بدأ الحديث عن وجود الثروة النفطية في المياه الاقليمية، تنفس اللبنانيون الصعداء بكل طبقاتهم وفئاتهم ومسؤوليهم، لأن الثروة النفطية ستمكن لبنان، في الحد الأدنى، من الخروج من أزمته الاقتصادية، ومديونيته الكبيرة، خصوصا إذا ما أحسن استخراج النفط وفق سياسة علمية حكيمة مدروسة.

ومن غير المستغرب أن يتخوف كثيرون من أن تتحول الثروة النفطية من نعمة للبنان، إلى نقمة. وليس الأمر بالغريب، فقد أسيء استخراج النفط في العديد من الدول، واستقدمت شركات غير كفوءة لاستخراج النفط، مما أدى إلى هدر الثروة، من جهة، وتلوث المناطق المحيطة بمنابعها، خصوصا البحرية منها، من جهة ثانية، وبدلا من توظيف الأموال باستخراج النفط، تحول الجهد إلى إزالة الملوثات.

الحديث عن وجود النفط طالما تكرر في فترات مختلفة، منذ أن بدأ البحث والتنقيب عنه لعقود خلت. لكن الحديث ظل في إطار التكهنات، والتقديرات الأولية غير المثبتة.

تاريخية التنقيب وتطورات البحث النفطي

تفيد تقارير صحفية أن الانكليز بادروا إلى حفر بئر قريبة من جبل تربل لمعرفة وجود النفط في لبنان وذلك في العشرينات، ثم أجرى الفرنسيون تجربة مماثلة أواسط الثلاثينات بحفر بئر في منطقة أخرى. ويسجل لشركة نفط العراق IPC مبادرتها في الأربعينات لحفر بئر عميقة قريبة من أراضيها في سفح جبل تربل حيث ظهرت بوادر نفطية سميكة لا تؤشر إلى وجود كميات كبيرة من النفط. كما جرت عدة تجارب أخرى في الشمال والبقاع في فترات متفاوتة، ولم يعلن بعدها عن نتائج واعدة.

تطورات البحث: الخبير في شؤون النفط المهندس عبد الفتاح الشريف المرعبي:ويوضح الخبير في شؤون النفط المهندس عبد الفتاح الشريف المرعبي أنه جرت محاولات في الخمسينات للتنقيب عن وجود النفط بحفر ستة آبار من مناطق مختلفة من لبنان، وكان البحث يجري عن النفط السائل، وليس الغاز، وكان سعر برميل النفط أقل من ٢ دولار.

المرعبي تحدث ل"الميادين نت" بقوله أنه "نتيجة اهتمام العالم بمنطقة شرق المتوسط بسبب احتمالات وجود الغاز، راجعت الوثائق الموجودة لدى USGS ) United States Geological Surveys)، وهي وكالة حكومية تتابع شؤون الجيولوجيا في أميركا والعالم بحثا عن وجود النفط والمعادن . وقامت هذه المنظمة بتحديد ما يسمى بحوض المتوسط Levantine، ويبدأ من غزة باتجاه الشمال ليصل عشرين كيلومترا من شواطيء قبرص، ويتابع باتجاه الساحل السوري عند نقطة اللاذقية، ويدخل مجددا إلى الأراضي اللبنانية ويعود إلى فلسطين المحتلة، فغزة. ويفترض وجود ثروة غاز وبعض النفط السائل في هذا الحوض”.

ويوضح المرعبي أن "هذا الحوض يقع على عمق ٣٥٠٠ متر تحت الأرض، وتقع تحت هذا العمق طبقة ملح بعمق ألف متر، تخدم كعازل يمنع تسرب الغاز وهجرته إلى أمكنة أخرى، فألف متر من الملح المقزز يصبح عازلا قويا نظرا لخلوه من المسام”.

ويضيف المرعبي أن "من شروط وجود النفط توافر منطق تغذية أو نبع يغذي الحوض. ولكي نتمكن من تغذيته يجب توافر المسام في الحوض ما بين المنبع والحوض. وخلال المسح تبين أن هذه المسامية موجودة، وبذلك تتوافر كل العناصر التي تؤمن الغاز، مع احتمال وجود بعض نفط”.

وأفاد أن "تطور تقنيات البحث عن النفط(seismic surveying) سهلت فهم التركيبة الجيولوجية في باطن الأرض حتى قبل حفر بئر، ومن هذه التقنيات الاستطلاعات الارتجاجية التي استخدمت لتؤكد وجود الغاز. ودقة القياسات أصبحت عالية خصوصا بعد الوصول إلى المسح الثلاثي الأبعاد (3D) .ولبنان موعود بثروة نفطية هامة بحسب الأرقام التي حصلت عليها، فهناك العديد من المكامن التي نأمل أن نجد في كل منها نسبة مختلفة من الغاز”.

وقدم أرقاما، حسب ما نشر في الصحف عن قبرص، نتجت عن الأبحاث ومنها "ما يشير إلى احتمال وجود ٥٠٪ في بعض المكامن. هناك مكامن تصل فيها الاحتمالات حتى ٩٠٪، وأخرى لا يوجد فيها . واستدعت وزارة الطاقة خبراء بالنفط الذين قاموا وفق المعطيات التي وضعت بتصرفهم بتقسيم البحر إلى بلوكات، كل منها قد تكون ١٠ كيلومترطولا وعرضا ، وهناك ٢٢ الف كيلو متر مربع من البحر قبالة الشواطيء اللبنانية تجري الآن محاولات اكتشافها، ووضعت علامة تقديرية لكل بلوك، ويحتمل أن تؤمن الكميات الموجودة ما يناهز تريليون دولار للبنان (ألف مليار). وحسب تقديرات منظمة USGS هناك ما بين ١٥٠-٢٥٠ تريليون قدم مكعب من الغاز في الحوض ومليار ونصف المليار برميل نفط”.

ولفت إلى أن شركته WILDCAT Oilfield Serivces Co تهتم وتتابع الموضوع لكي تقدم الخدمات لحقول النفط مثل الحفر الأفقي المتوافرة لديها، كما تهتم حاليا بالبنية التحتية التي يفترض أن تنشأ في لبنان لاستخراج الغاز.

المهندس عبد الفتاح الشريف المرعبي

معطيات تقنية

خارطة المسح الثنائي والثلاثي الأبعاد

تفيد تقارير صادرة عن وزارة الطاقة والمياه أن الوزارة طالما أدركت وجود كميات هامة من الهايدروكاربون في البحر، ومولت بواسطة مسح بالبعد الثنائي (2D)، والثلاثي (3D)، تحضيرا للبدء بعمليات التلزيم. ويفيد التقرير ان هناك ثلاثة تجارب اهتمت بالبحث عن وجود النفط في البحر قبالة لبنان.

جيكو براكلا Geco Praklaمن تجارب البحث ما قامت به شركة "جيكو براكلا" الأوروبية المتخصصة بالمسح في البحار، تفيد أبحاثها بأن هناك ٤٦٠ كيلومتر مربع جرى مسحها بالبعدين عام ١٩٩٣ لجهة الشمال اللبناني.

شركة "سبكتروم" Spectrumوكان جرى بحث بين اعوام ١٩٧٥ و٢٠٠٢، بالبعد المزدوج بواسطة شركة سبكتروم البريطانية التي غطت أعمالها مساحة خمسة آلاف متر مربع، ووضعت الشركة تقريرا مفصلا عن طبيعة طبقات أرض حوض شرقي المتوسط بعد بحوث طويلة ابتدأت سنة ١٩٩٦، استخدمت فيها تقنيات التنقيب الحديثة، وأجهزة التخطيط الطبقي المتطورة، وخلصت إلى أن حوض شرقي المتوسط يتكون من طبقة رسوبية سميكة، وفيها صخور تعود لمائة مليون عام. خلال هذه المدة، حدثت في جوف الأرض ترسبات، وارتفاعات، وعمليات تكتونية خلقت نظاما ملائما لتكون وتصيد المواد الهايدروكاربونية.

وأكد التقرير أنه انطلاقا من الشاطي اللبناني والسوري، اكتشفت مناطق بترولية متكونة بين العصرين الترياسي (ظهرت فيه الزحافات والثدييات) والترتشوري (بدأ فيه تكون سلاسل الجبال الكبرى كالألب وهملايا).

بي جي أس PGSأما معطيات شركة "بي جي أس" فتغطي مساحة ٨٨٠٠ كيلومتر مربع، عبر المسح بالبعد المزدوج بين أعوام ٢٠٠٨ و٢٠١١، استكملت بمسح ثلاثي الأبعاد غطت أعمالها مساحة ٦٤٠٠ كيلومتر مربع بين ٢٠٠٦ و٢٠١٢. مع العلم أن المسح الثلاثي الأبعاد يطبق عند توقع وجود الهايدروكربون في المكمن.

وبحسب تقرير للشركة، أشار إلى تحديد مواقع عدة في محاذاة الساحل اللبناني تحتوي على كميات مؤكدة من الغاز والنفط، تبلغ نحو 25 تريليون قدم مكعب من الغاز على الأقل، و80 تريليون على الأكثر، ومليارا ونصف مليار برميل من النفط الخام في حوض الLevantine.

وتقدر قيمة كل تريليون قدم مكعب بنحو 12 مليار دولار، وإذا كان نصيب لبنان من الغاز 25 تريليونا، فإن ثروته تقدر بنحو 300 مليار دولار، اما اذا كان 80 تريليونا، فالتقديرات تتجاوز ال 960 مليارا.

الملف العالق: أسباب وتبريرات

في ظل التأخر عن البدء بعمليات التنقيب، في الوقت الذي قطعت فيه قبرص والسلطات الاسرائيلية اشواطا في التنقيب العملي، يتساءل اللبنانيون عن أسباب تردد السلطات في البدء بطرح عمليات التلزيم.

التساؤلات عن التأخير تشمل تشكيل "الهيئة الوطنية للنفط" المولجة بالاشراف على التنقيب، وهي هيئة مركبة بشكل متواز مع تركيبة السلطة اللبنانية، أي انها تركيبة تتمثل فيها الطوائف، ومن هنا يظهر شك في خلافات طائفية تؤخر الإعلان عن الهيئة.

وتشمل التساؤلات أيضا عملية ترسيم الحدود، بين لبنان وقبرص من جهة، وهذا ما تم التوافق عليه بين السلطات اللبنانية والقبرصية، ومن جهة ثانية، مع سلطات الاحتلال الاسرائيلي حيث يتعذر الحوار معها على تحديد الحدود، مع العلم أن المساحة المختلف عليها تناهز السبعة كيلومترات المربعة.

ولاستيضاح الموقف، واسباب التأخير، اتصلت "الميادين نت" بمكتب وزير الطاقة والمياه جبران باسيل، الذي رد ببيان أكد فيه أن "مرسوم المنطقة الإقتصادية الخالصة قد أقرته الحكومة وأي إعادة بحث للموضوع يستوجب أن يكون له مبررات كافية وطنية، وسياسية، وديبلوماسية، واقتصادية، وقانونية ولفت إلى أن موضوع النفط والحدود البحرية للبنان هي مواضيع دقيقة وهامة ونحن نتقدم بها إلى الأمام".

وأشار إلى أن "لبنان أخطأ في السابق، وإسرائيل إستفادت من هذا الخطأ، وهي تعتدي على حدودنا وترسم خطاً داخل منطقتنا الإقتصادية الخالصة، مشيراً الى أن "هناك الكثير من المشاكل مع إسرائيل لكن هذا الموضوع هادئ لأن من مصلحة إسرائيل تركه هكذا".

وأعلن أن لدى وزارته 26 شركة دولية إشترت معلومات، وإستثمرت أموالاً من أجل المشاركة في موضوع النفط والغاز في لبنان وعلى رأسها الشركات الأميركية، وهي مهتمة بشكل كبير بهذا الموضوع".

وأنحى باسيل باللوم على لبنان لأن "الكثير من الدول لديها نزاعات حدودية فيما هي تعمل على استخراج ثرواتها، والمثل قبرص وإسرائيل"، لافتا إلى أن "التأخير اليوم سببه لبنان"، وذلك في إشارة منه إلى "التأخر في إصدار مرسوم هيئة قطاع النفط" ، ذاكرا أنه "منذ عام أُرسِل (المرسوم) إلى الحكومة، وأقرته، وإنطلقت عملية التنقيب خلال شهر واحد منذ العام 2012، وقد مرت بـ27 محطة، وكل محطة تضمنت الكثير من العمل، والآلية إنتهت منذ حوالي الشهرين، وتم تبليغ كافة الأطراف المعنية بالموضوع وبالمعلومات اللازمة وكان هناك إنتظار”.

وانتقد "التأخير في التنقيب عن النفط"، واصفا إياه ب"غير المبرر"، معتبرا أنه "يجب التعجيل في تعيين هيئة ادارة قطاع البترول لأن كل المراسيم جاهزة ومترجمة أيضا".

وأعلن باسيل عن تبلغه أول "إسم" في هيئة إدارة قطاع البترول، آملا ان يكون هذا الموضوع بادرة لحل قضية التعيينات في هذه الهيئة.

كما أكد ان "هناك امكانات واعدة على امتداد 22 الف كيلومتر مربع على إمتداد مياه لبنان، وليس فقط في الجنوب"، مشيرا الى ان "عمليات المسح مستمرة"، معلنا "أننا نكتشف يوما بعد يوم امكانيات لبنان الكبيرة".

مخطط يظهر الأعماق التي يوجد النفط والغاز فيها