مدينة طرابلس اللبنانية: صراع سياسي وأمني لا يتوقف - الجزء الأول

بالترافق مع ما تشهده طرابلس من تطورات وأحداث تجتر نفسها منذ النصف الثاني من القرن الماضي كان هذا الملف

طرابلس اللبنانية منذ بداية القرن العشرين

طرابلس - عاصمة لبنان الثانية

مدينة طربلس إستثنائية في القيام من الموت، على ما أثبتته المحطات التاريخية المختلفة، وهي استثنائية في الأدوار التي لعبتها على مر التاريخ، وهي طلائعية في كل المفاصل التي مرت على العرب، فكانت رائدة مقاومة الغزاة، وكانت رائدة الانفتاح على آفاق المعمورة، وكانت رائدة الحداثة في القرن العشرين، مع الحفاظ على طابعها التقليدي العروبي والإسلامي.

بالترافق مع ما تشهده طرابلس من تطورات وأحداث تجتر نفسها منذ النصف الثاني من القرن الماضي كان هذا الملف، ولم يكن لها من منقذ حتى تاريخه، فتراجعت عن مدينة العلم والعلماء في العصور الوسطى، والعلم والثقافة في العصر الحديث إلى التآكل الإجتماعي، فغزا الفقر والتخلف والفوضى أحياءها الغنية اجتماعياً وإنسانياً، ولم ينفذ من حياة المدينة الجميلة التي بنيت حجراً وراء حجر في القرن العشرين إلا بضع أحياء.

نقسم تاريخ المدينة في هذا الملف إلى أربعة أقسام، الأول منذ أوائل القرن العشرين وحتى نهاية الإنتداب ودخول لبنان مرحلة الإستقلال، والثاني من الإستقلال وحتى الستينات، والثالث من الستينات وحتى اندلاع الحرب الأهلية، والرابع ما بعد الحرب الأهلية.

من طرابلس العثمانية إلى الانتداب

بدأت هذه الحقبة مطلع القرن، حيث كانت المدينة تابعة للسطنة العثمانية، ومرت بمراحل حساسة ومفصلية عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى، فمرحلة الإنتداب، ثم الإستقلال، ثم كيان دولة لبنان الكبير، وفيها محطة ما عرف ب"ثورة ١٩٥٨"، ثم دخول الثورة الفلسطينية إلى لبنان وارتداداتها الطرابلسية، وبروز دولة المطلوبين تعبيراً عن ضعف الدولة، وصولاً إلى اندلاع الحرب الأهلية ١٩٧٥، وانخراط طرابلس فيها.

الـبـدايـــة

خلت طرابلس العثمانية من الحياة السياسية، مثلها مثل غالبية مدن السلطنة، فلم يكن السلطان يسمح بحرية تحرك سياسي لأن سلطته تعبر عن موقع مقدس لا يحق للناس انتهاكه. والمنصب العام الوحيد في المدن كان مركز الافتاء الديني الذي اقتصر دوره على العناية بالشؤون الدينية. وأهمية طرابلس الوحيدة في ذلك العصر تمثلت بمرفأها تصدر منه منتوجاتها الزراعية كالحمضيات، والصناعية كالصابون والزيوت.

عند إعلان الدستور العثماني ١٩٠٨، ثم خلع السلطان عبد الحميد ١٩٠٩ جرت انتخابات نيابية لأول مرة في المدينة، تواجه فيها الشيخ محمد الجسر (محافظ) وفؤاد خلوصي (اتحادي تقدمي)، وفاز الثاني، وتكررت الانتخابات عام ١٩١٢، وفاز اثنان الشيخ محمد الجسر وسعد الله المنلا.

وشهدت المدينة نوعا من الحراك السياسي لكن على الخلفية الدينية بهدف انتخاب خلف للمفتي الراحل رشيد مصطفى كرامي، فدعم النائبان الجسر والمنلا ابنه عبد الحميد كرامي رغم أنه كان قاصرا ولا يحق له بتبوؤ مركز الافتاء.

بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، سقطت الامبراطورية العثمانية، وانسحب جيشها ١٩١٨، وظلت المدينة ثمانية أيام خالية من أي جيش، وجرى أثناءها انتخاب المفتي عبد الحميد كرامي لحاكمية المدينة. واحتفل الطرابلسيون بقيام الدولة العربية المفترضة التي وعد الحلفاء الملك حسين الهاشمي بها، لكنه بنهاية اليوم الثامن، دخلت الجيوش الأجنبية إلى طرابلس.

الجيش الفرنسي إبان حقبة الانتداب

بداية صراع العائلات

المفتيان الجسر (يمين) وكرامي (يسار)

ويروي محمد نور الدين ميقاتي ما ملخصه أنه عندما دخلت جيوش الحلفاء إلى المدينة بقيادة الجيش البريطاني الباذخ والمترف لباسا ومأكلا وتصرفا، أعجب الطرابلسيون به، وحاول قادته استمالة الطرابلسيين بتمرير حاجات ندرت خلال الحرب.

في هذا الوقت كان الفرنسيون يجوبون الشوارع بثياب رثة وتصرف طغى عليه التقشف الذي لم يرق للكثير من الطرابلسيين.

السلطات البريطانية استهدفت الموقع الأول في المدينة أي الافتاء، وبذلك تقربت من المفتي كرامي، وهو تقرب منها أيضا.

في عام دخول الحلفاء إلى المدينة، ابرمت اتفاقية سايكس -بيكو، ومن نتائجها ضم طرابلس من ضمن الأقضية الأربعة إلى الصيغة اللبنانية الجديدة، وسلخ المدينة عن سوريا. كما جرى اقتسام نفوذ الدولتين، فوضع كل من لبنان وسوريا تحت وصاية فرنسية، وفلسطين والعراق تحت الانتداب البريطاني.

وكان من البديهي أن يؤسس الإنتداب لقوى وشخصيات سياسية تتوافق مع توجهه، وسياسته. ورغم أن طرابلس أخضعت للنفوذ الفرنسي لكن ذلك لم يمنع تدخل البريطانيين في شؤونها وعملهم لتركيز مواقع لهم فيها. في ظل هذا الواقع نشأت في المدينة عائلات موالية للفرنسيين، كآل الجسر، وأخرى، موالية للبريطانيين كآل كرامي .

بذلك بدأت تتشكل أول نواة لحياة سياسية في المدينة الحديثة. واتخذت الحياة السياسية طابع الصراع العائلي المتركز بين آل كرامي وآل الجسر، مع من تحالف مع كل منهم من عائلات.

واحتدم الصراع على هذا الإنقسام. وخاض الكراميون الصراع مركزين على شعار رفض الانفصال عن الأمة، مما فاقم من خصومة الفرنسيين لهم، وحاولوا محاربتهم بوسائل شتى منها تعيين موظفين من خصومهم، أو من خارج المدينة، في مختلف الدوائر التي أنشأوها.

وفي سنة ١٩٣٥، أنشأ آل كرامي "حزب الشباب الوطني"، الذي قوى ساعدهم بانضمام كثير من الطرابلسيين إليه. وركز الفرنسيون في حركتهم السياسية على استيلاد زعامات من عائلات أخرى، في الوقت الذي يلفت النظر تعذر وصول آل كرامي إلى المجالس التمثيلية، ومجلس النواب إلا بعد عام ١٩٤٣، تاريخ إعلان دولة لبنان الكبير نهائيا، وذلك بعد وساطات متعددة ظلت لسنوات بين كرامي والفرنسيين، إلى أن مالت العلاقة بينهما إلى الهدوء.

الدورات الإنتخابية الأولى

وغالبا ما أعرض الكراميون عن الترشح في الدورات التي سبقت ١٩٤٣ وآثروا تزكية أصدقاء لهم، والسبب الأرجح هو شدة خصومتهم للفرنسيين.

وتظهر نتائج الدورات التشريعية غياب آل كرامي عن المجلس النيابي رغم التأييد الشعبي الكبير لهم، وهنا جدول بالدورات استنادا إلى "موسوعة المجالس التمثيلية":

المجلس التمثيلي الأول من ٢٤\٥\١٩٢٢ إلى ١٣\١\١٩٢٥، تمثل فيه نزر الدين علم الدين (سني) ويعقوب نحاس (أرثوذوكسي).

الثاني: ١٣\٧\١٩٢٥- ٢٣\٥\١٩٢٦: خير الدين عدرا (سني).

مجلس الشيوخ: ٢٤\٥\١٩٢٦- ٧\١٠\١٩٢٧: ١٦ عضوا: ترأسه محمد الجسر (سني) وعضوية طرابلسية تمثلت بجبران نحاس (أورثوذوكسي).

مجلس النواب الأول: من ١٨\١١\١٩٢٧- ١٣\٥\١٩٢٩: ٤٦ عضوا: خير الدين عدرا (سني).

مجلس النواب الثاني: ١٥\٧\١٩٢٩- ١٩\٥\١٩٣١: ٤٥ عضوا: تمثلت طرابلس برشاد أديب (سني) انتخابا، ومحمد الجسر (سني) وعبد الله نوفل (أورثوذكسي) تعيينا.

مجلس النواب الثالث: من ٣٠\١\١٩٣٤- ٥\٦\١٩٣٧: ٢٥ عضوا: تمثلت طرابلس بأمين المقدم (سني) انتخابا.

مجلس النواب الرابع: من ٢٩\١٠\١٩٣٧- ٢١\٩\١٩٣٩: ٦٢ عضوا: تمثلت طرابلس براشد المقدم (سني) انتخابا ولم تعط المدينة أحدا تعيينا.

مجلس النواب الخامس: من٢١\٩\١٩٤٣-٧\٤\١٩٤٧: ٥٥ عضوا تمثلت طرابلس فيه بسعدي المنلا وعبد الحميد كرامي (سنة).

وبنتيجة هزيمة فرنسا في الحرب العالمية الثانية، حضرت الجيوش البريطانية بقوة إلى الشرق متعاونة مع الجيش الفرنسي، وتولى رئاسة البعثة البريطانية الجنرال سبيرز الذي حد من تسلط الفرنسيين، وتقرب منه كل من رياض الصلح وعبد الحميد كرامي.

البرلمان اللبناني عام 1940

اخترنا لك