الإبراهيمي بين النار السورية والعرقلة الإقليمية

في سياق الحديث عن التحضير لمؤتمر "جنيف2" الذي يزمع عقده الشهر القادم لبحث الأزمة السورية، جريدة "السفير" اللبنانية تعدد الفوارق والتباينات والتبدلات ميدانياً وسياسياً بين "الجنيفين"، بعد سنة ونصف السنة على انعقاد مؤتمر "جنيف1".

التفاهم الروسي الأميركي يهيمن على أجواء "جنيف2"
التفاهم الروسي الأميركي يهيمن على أجواء "جنيف2"

خليل حرب- صحيفة "السفير" اللبنانية: مئة ألف قتيل بين جنيف الأول وجنيف الثاني. عام ونصف العام تفصل بين المؤتمرين. دخلت عناصر إلى المعادلة السورية وخرجت منها، وكأن الدنيا دارت بالسوريين دورة كاملة، ودموية. 

واعتبرت الصحيفة، أنّ العالم يذهب إلى جنيف الثاني وقد تبدّلت مجموعة وقائع أهمها: أن "جنيف 1" وصف وقتها بأنه "انتصار أولي" للمعارضة وللمعسكر المعادي لدمشق، بينما تتهيأ الأجواء الآن لـ"جنيف 2" وأمام هذا المعسكر حقائق واضحة من بينها: البحث عن تسوية مع النظام ذاته الذي تراجع تدريجياً المطلب ـ الخارجي والداخلي ـ لإسقاطه أولا طوال أكثر من عامين. 

وإذا كان التفاهم الكيميائي بين واشنطن وموسكو في أيلول الماضي، المؤشر الأبرز على أن إرادات الأطراف الخارجية الكبرى صارت اكثر ميلاً الى الخيار السياسي للخروج من النفق السوري المنذر باختلالات اقليمية، بما في ذلك البحث عن هدنة شاملة أو جزئية، فإن عنصراً جديدا حظي الآن باعتراف ـ ولو متأخراً ـ بقدرته المحتملة على تسهيل الحل السياسي في سورية هو ايران. 

وفي رأي مصادر مطلعة، فان هذا الاعتراف الغربي والأميركي تحديدا، كان يمكن لو شاءت أطرافه بعد انقضاء السنة الاولى من الحرب السورية، أن يمنح البدائل السياسية مبكراً فرصة أوفر حظا. وربما، يقول مصدر ديبلوماسي، كان "جنيف 1" خرج الى النور باحتمالات مغايرة عما وصل اليها بوفاته سريرياً، عندما جرى تجاهل الدور الذي يمكن أن تؤديه طهران، والذي دفع المبعوث الدولي وقتها كوفي انان إلى التحدّث بمرارة عن الجهات التي عمدت إلى تهميش الورقة الإيرانية من التسوية المأمولة، ثم تقديم استقالته من مهمته الأممية في سورية. 

أضافت "السفير"، مئة الف قتيل اضافي بين "الجنيفين"، سقطوا. تبدلّت أمور بين جنيف الأول وجنيف الثاني. هيلاري كلينتون غادرت الخارجية الأميركية، وجاء جون كيري. رحل كوفي أنان، وجاء الأخضر الإبراهيمي. علت اللهجة الروسية وصارت أكثر حدّة ووضوحا. تعاظمت قوة "الجهاديين" ميدانيا على حساب الكتائب الأكثر اعتدالا ـ إن صحّ التعبير ـ في التشكيل العسكري المعترف به في الخارج، أي "الجيش السوري الحر". بدأت خيوط الوضع الميداني تخرج بشكل أوسع نطاقا عن سيطرة الغرب وأطراف عربية مؤيدة للخيار العسكري في سوريا. جاءت موقعة القصير والمسار العام لمعارك ريف دمشق، بمثابة صفعة لرهانات خارجية، وحسابات العديد من التشكيلات العسكرية الممولة بطبيعة الحال، من الخارج نفسه. 

ثم جاءت إشارة اميركية بحتمية التغيير في الدوحة. تبّدل الحكم في قطر، ولوحظ تراجع الدور القطري، ليتولى السعوديون زمام المبادرة سورّياً. وقعت جريمة الغوطة وكانت ايذانا بحتمية الإنكباب للبحث عن حلّ. العدد الكبير من اللقاءات والاتصالات الاميركية ـ الروسية ربما لم يعرفها تاريخ العلاقات بين الدولتين من قبل، إلاّ في اشد حالات الازمات الدولية اشتعالاً. قرعت واشنطن «بخجل» طبول الحرب، ثم انكفأت سريعا عنها، باسم ابتغاء الطريق السلمي، ما إن وفرت لها موسكو ودمشق مخرجاً مناسبا لها. 

وأسهبت الصحيفة اللبنانية في المقارنة بين "الجينيفين" فذكّرت انه بينما شاركت تسع دول فقط في المؤتمر الاول، فإن "جنيف 2" قد يشهد مشاركة نحو 30 دولة بحسب ما تؤكده مصادر الأمم المتحدة في نيويورك. وقتها، في حزيران من العام 2012، اقتصر الحضور على وزراء خارجية الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الامن، اي الولايات المتحدة والصين وروسيا وفرنسا وبريطانيا، وثلاث دول تمثل الجامعة العربية هي العراق والكويت وقطر، اضافة إلى تركيا والأمين العام للجامعة العربية نبيل العربي ووزيرة خارجية الإتحاد الاوروبي كاترين اشتون، بالاضافة الى المبعوث الدولي كوفي انان. 

لكن الأهم هذه المرة، إلى جانب الدول الثلاثين، أن دمشق ستكون ممثلة تمثيلاً رفيعاً، وهو حضور ساهمت موسكو كما هو معروف في تأمينه. وتقول مصادر مطلعة إن وزير الخارجية السوري وليد المعلم سيترأس وفد بلاده، وسيكون إلى جانبه، وفد يضم أيضاً السفير السوري في نيويورك بشار الجعفري والمستشارة الرئاسية بثينة شعبان. 

وكشفت "السفير" أنّ حضور دمشق صار ملحّاً بالنسبة إلى الجميع... اللهّم إلاّ السعودية. فاخماد البركان السوري اصبح اكثر من مجرد مصلحة دولية أو اقليمية، عامة. هناك ترتيبات وتفاهمات تمتد خيوطها من واشنطن وموسكو إلى طهران ودمشق، وتتشابك مع بيروت والرياض والدوحة والقاهرة وانقرة، وصولاّ إلى كابول كما يؤكد مصدر واسع الاطلاع في طهران استنادا على ما سمعه الإيرانيون من الأميركيين في اللقاءات والاتصالات المتعددة التي جرت في نيويورك مؤخراً. 

وأكدّت هذه المصادر، أنّ هناك مفاتيح عدة قادت إلى البوابة الإيرانية، من بينها قدرة النظام في دمشق على البقاء، التعثّر الميداني لبعض التشكيلات العسكرية التي راهن عليها بعض الغرب، هيمنة تنظيمي "داعش" و"النصرة" على المشهد الميداني، والسقوط السياسي للعديد من القوى المؤتلفة في "الائتلاف الوطني" المعارض في الخارج، أولاً بسبب عجزها عن بلورة خطاب جامع للسوريين، وتعددّ ولاءاتها لأجندات خارجية، وتناحر صفوفها الداخلية... وثانيا، وهو الأهم، فشلها في مواكبة التحولات الدولية وخصوصا التبّدل الذي جرى في العلاقة الاميركية ـ الروسية في الشهور الاخيرة، وانكفاء الإدارة الأميركية إلى مشكلاتها الداخلية. 

إلاّ أنّ المفتاح الذهبي، تمثّل في ايران. المقاربة الجديدة للسياسة الخارجية الإيرانية التي عبّر عنها المرشد(السيّد) علي خامنئي بـ"ليونة المصارع"، ووصول الأميركيين، والغرب عموما، إلى قناعة جديدة بعد انقضاء عهد "جنيف الاول"، بأن تغييّب ايران في ذلك الوقت، بضغط سعودي شديد، كان رهانا خاسراً.

وتشير "السفير" نقلاً عن مصادر في نيويورك الآن، الى محاولات تكرار السيناريو ذاته. حالة تذمّر حادة تعبر عنها المملكة السعودية بأشكال عدة، من التفاهم الكيميائي الذي انسحب اعترافا بالدور الايراني في الترتيبات الجديدة، والتقارب الديبلوماسي الجاري بين طهران وعواصم غربية عدة، بينها الحليف الأول للمملكة: الولايات المتحدة. 

واذا كانت طبيعة الدور السعودي ما زالت غامضة، إزاء التحولات الجديدة حول سورية، خصوصا لجهة استمرار الغطاء المالي والسياسي لكتائب عسكرية معارضة، ربما بانتظار اللقاء المتوّقع غدا الثلاثاء في لندن على هامش ما يسمى "اصدقاء سورية"، بين الوزير السعودي سعود الفيصل ونظيره الأميركي جون كيري، فإن المراقبين يلاحظون اتجاهين متعارضين يرسمان ملامح السلوك السعودي، بين الديوان الملكي من جهة، وبين المخابرات ووزارة الخارجية، الأكثر تشدداً، من جهة ثانية. 

وتحدثت مصادر الأمم المتحدة في نيويورك لـ"السفير" عن ضغوط تمارس من جانب السعودية لعرقلة جولة الإبراهيمي الجديدة، مشيرة إلى دول الخليج هي «الأقل إيجابية» في التعامل مع الخيار السياسي بشأن سورية. 

وقالت مصادر عربية للصحفية، إنّ الصراحة تقتضي القول إن لا غطاء عربياً قوياً لمهمة الإبراهيمي، حيث أن دول المنطقة لها وجهات نظر متفاوتة إزاء الأزمة السورية ودور الأمم المتحدة في الوساطة، مشيرة إلى تناقض الادوار الذي تمارسه كلّ من السعودية وقطر وتركيا، في حين تبدو مصر والعراق والأردن وسلطنة عمان من المدافعين عن ضرورة الحلّ السياسي، والتعجيل به.