العلاقات الكينية ـ الإسرائيلية: تاريخ قديم وارتباط استخباراتي وثيق

الحديث عن مشاركة قوة اسرائيلية في تحرير مجموعة من مرتادي مجمّع استهلاكي في كينيا يسلّط الضوء على العلاقات الكينية - الإسرائيلية التي تعود إلى ما قبل استقلال الأولى وإنشاء الثانية، فالاستيطان اليهودي في كينيا يعود إلى أوائل القرن الماضي.

عملية احتجاز الرهائن في نيروبي تسلّط الضوء مجدداً على العلاقات الكينية-الإسرائيلية
عملية احتجاز الرهائن في نيروبي تسلّط الضوء مجدداً على العلاقات الكينية-الإسرائيلية

صحيفة "السفير" اللبنانية: صوّبت عملية احتجاز "مجموعة جهادية" صومالية لعدد كبير من مرتادي أحد المجمعّات الاستهلاكية في العاصمة الكينية نيروبي الأنظار من جديد على العلاقات الكينية- الإسرائيلية، خصوصا في جانبها الأمني. وسارعت وكالات الأنباء إلى الحديث عن تعاون أمني استشاري وعملياتي إسرائيلي - كيني في عملية تحرير الرهائن بعد الإعلان عن وصول قوات خاصة إسرائيلية.

وبرغم عدم وجود ما يؤكد وصول قوات خاصة إسرائيلية إلى نيروبي في إطار عملية تحرير الرهائن، فإن الإشارات كثيرة حول وجود طاقم إسرائيلي يقدّم المشورة إلى القوات الكينية في المفاوضات مع الخاطفين، وربما في عملية تحرير الرهائن نفسها.

ولم يُثَر الجانب الإسرائيلي في العملية فقط لأن إسرائيليين يملكون كليا أو جزئيا المجمع الاستهلاكي «وست غايت» الضخم، وإنما لأن العلاقة بين كينيا وإسرائيل تعتبر بين العلاقات الأكثر استقرارا للدولة العبرية في القارة السوداء بأسرها. والتعاون الزراعي والاقتصادي والأمني الإسرائيلي مع كينيا معروف منذ عقود طويلة وسبق أن اعتقلت كينيا أعضاء مجموعات فلسطينية وسلمتهم إلى إسرائيل التي حاكمتهم وأدانتهم على أفعال اقترفت في كينيا.

ويعيد البعض العلاقات الكينية - الإسرائيلية حتى إلى ما قبل استقلال الأولى وإنشاء الثانية. فالاستيطان اليهودي في كينيا يعود إلى أوائل القرن الماضي، حينما خصصّ الإستعمار البريطاني منطقة «plateau Uasin Gishu» الواقعة في جنوب غرب كينيا للاستيطان اليهودي، حتى بعد رفض الكونغرس الصهيوني مشروع الدولة اليهودية في أوغندا.

وأنشأ المستوطنون أول كنيس يهودي في نيروبي في العام 1912 أمّه الكثير من المهاجرين اليهود الفارين من أوروبا أيضا قبيل الحرب العالمية الثانية. ومع ذلك ثمة طائفة يهودية باقية في نيروبي حتى الآن وتعدّ حوالي بضع مئات من الأفراد.

وبرغم قطع العلاقات الكينية - الإسرائيلية رسمياّ، إثر قرار منظمة الوحدة الإفريقية العام 1973، فإن العلاقات الأمنية والاقتصادية ظلت قائمة. ويعتبر التعاون الأمني مع كينيا أحد أبرز عوامل نجاح القوات الإسرائيلية في تحرير الرهائن من «مطار عنتيبة» في أوغندا العام 1976. إذّ مكنّت كينيا الطائرات الإسرائيلية المشاركة في العملية من الهبوط في مطار نيروبي والتزوّد بالوقود، بل وتقديم العلاجات الطبية للجرحى بعد تنفيذ العملية.

كما أن عملية احتجاز الرهائن في المجمّع التجاري في نيروبي ليست أولى العمليات ضد مصالح إسرائيلية في نيروبي. ففي تشرين الثاني العام 2002 سمع العالم باعتقال مجموعة من الإسلاميين الذين حاولوا إسقاط طائرة ركاّب إسرائيلية حال إقلاعها من مطار نيروبي بعدما قاموا بتفجير منتجع يديره إسرائيليون في مدينة مومباسا.

وتشير وثيقة ديبلوماسية أميركية مؤرخة في 15 آذار 2007، ونشرها موقع «ويكيليكس»، حول لقاء بين ديبلوماسي أميركي ومدير عام وزارة الخارجية الكينية توم أمولو، إلى التعاون الأمني الإسرائيلي الكيني. إذ أوضح أمولو أن كينيا تقيم تعاونا أمنيا وإستخباراتيا وثيقاً وعلى كل المستويات وفي كل الميادين منذ سنوات طويلة مع إسرائيل. وأضاف أنّ «إسرائيل شريك استراتيجي بالنسبة لنا. وهي في نظرنا وزن مضاد لدول أخرى في المنطقة ليست شريكة في قيمنا»، في إشارة إلى السودان.

ويؤكد المراسل السياسي لصحيفة «هآرتس» باراك رابيد أن «نيروبي تخدم في السنوات الأخيرة كقاعدة تنطلق منها محاولات المؤسسة الأمنية وأسرة الاستخبارات الإسرائيلية لفهم ما يجري في أفريقيا ومجابهة مخاطر الإرهاب المتزايدة ضد أهداف إسرائيلية في القارة السوداء». ويضيف أن عمليات «القاعدة» ضد السفارة الأميركية في نيروبي العام 1997 أضاءت مصابيح الإنذار لدى الاستخبارات الإسرائيلية بشأن خطر الإرهاب في أفريقيا. لكن عملية «القاعدة» ضد سياح إسرائيليين في فندق «برادايس» في مومباسا ومحاولة إسقاط طائرة «أركيع» بصاروخ كتف في شهر تشرين ثاني العام 2002 جعلت مصباح الإنذار جرس إنذار فعلي.

ويكتب رابيد أنه في العام 2012 اعتقلت السلطات الكينية في نيروبي اثنين من أفراد «قوة القدس» التابعة لـ«الحرس الثوري الإيراني» وبحوزتهم متفجرات شديدة. وقد أدين الرجلان وحكم عليهما قبل شهور بالسجن مدى الحياة بتهمة التخطيط لاغتيال ديبلوماسيين إسرائيليين ردّاً على اغتيال عدد من العلماء النوويين الإيرانيين على أيدي «الموساد». وقال الاثنان في المحكمة إن محققين إسرائيليين حققوا معهما في السجن الكيني.

ولكن إلى جانب التعاون الاستخباراتي والأمني، كانت كينيا ولا تزال أحد زبائن الصناعات العسكرية الإسرائيلية. وقالت «هآرتس» إن كينيا اشترت الكثير من السلاح والخبرات العسكرية والأمنية الإسرائيلية. وتلقى المئات من الجنود الكينيين تأهيلا في إسرائيل على طرق مكافحة الإرهاب، أو قام مدربون إسرائيليون بتدريبهم في كينيا.

ولذلك فإن الأنباء حول مشاركة إسرائيلية عملية أو فنية في معالجة أمر المجموعة التي احتجزت الرهائن في المجمع التجاري في نيروبي لم تكن مجرد إشاعات، وإنما حصيلة طبيعية لمستوى العلاقات والتعاون الأمني بين الدولتين.

ومن الوجهة الرسمية، فإن إسرائيل أعربت فور وقوع عملية نيروبي عن استعدادها لتقديم المساعدة الطبية ولم تخف أنها تقدّم أيضا المشورة العسكرية. ومع ذلك سارعت وزارة الخارجية الإسرائيلية إلى إثارة الغموض حول الأنباء عن وصول قوات خاصة إسرائيلية إلى العاصمة الكينية. وقال بيان رسمي إسرائيلي إن «إسرائيل لا تعلن وقت حدوث الأشياء عن عملية أمنية مشتركة يمكن أن تقع».