هل بدأت "النصرة" حرب استئصال "المعارضة المعتدلة" في ريف إدلب؟

"جبهة النصرة" تسيطر على جبل الزاوية بريف إدلب، بعد طرد مقاتلي جبهة "ثوار سوريا" منه، وتتمدد باتجاه بلدات أخرى تسيطر عليها فصائل تابعة للجيش الحر، فما خلفية هذا الهجوم؟ وهل بدأت النصرة استئصال فصائل "المعارضة المعتدلة" كحرب استباقية؟

جبهة النصرة تذرعت بمهاجمة عناصرها في بلدة البارة لشن الهجوم على مقاتلي معروف
في الوقت الذي كانت "جبهة النصرة" وكتائب "جند الأقصى" تهاجم أطراف مدينة إدلب صباح الاثنين الفائت 27 تشرين الأول/نوفمبر، وترسل النصرة بـ "انغماسييها" للسيطرة على قصر المحافظ في المدينة، كان جمال معروف قائد جبهة "ثوار سوريا" يقتحم البارة جنوب إدلب ليقبض على مطلوبين للجبهة ومنشقين عنها لجأوا إلى البلدة.

سرعان ما لملمت جبهة النصرة نتائج هزيمتها على أطراف إدلب، واكتفت بنصر معنوي طبّلت له على صفحات التواصل الاجتماعي لساعات، لتجد نفسها أمام هجوم لمقاتلي جمال معروف على بلدة البارة، ما اعتبرته الجبهة تعدياً على عناصرها، وتهديداً حقيقياً قد يحمل خلفيات أبعد من ملاحقة عناصر محسوبين عليها.

 

يرجع الخلاف بين النصرة و"ثوار سوريا" إلى شهر شباط/فبراير 2014 حيث دار اشتباك بين جبهة النصرة وعناصر منشقين عن جبهة ثوار سوريا في بلدة بليون، بسبب سعي النصرة للقبض على أحد المطلوبين من ضمنهم.. شكل هؤلاء لاحقاً لواء يدعى "شهداء البارة" بقيادة المدعو ياسر نصوح، وعرف عنهم القيام بعمليات سلب ونهب، كما يروي ناشطون في المنطقة.

لاحقاً اتهمت جبهة ثوار سوريا نصوح ورجاله بسرقة أموال وعتاد عسكري يعود للجبهة، وتقدمت بشكوى أمام ما يعرف "بالمحكمة الشرعية"، التي أصدرت أمراً بملاحقتهم، وفي يوم الاثنين 27-10-2014 دخلت جبهة "ثوار سوريا" إلى بلدة البارة للقبض على المطلوبين، فدارت اشتباكات بين الطرفين..

بحسب ناشطين، فإن لواء "شهداء البارة" انضم إلى جبهة النصرة مؤخراً، وقامت الجبهة بحماية عناصره أثناء محاولة مقاتلي "ثوار سوريا" القبض عليهم، ومد عناصره بالسلاح والعتاد، وهذا ما يبرر قيام النصرة بالهجوم المعاكس على بلدة البارة لإنقاذ عناصرها واسترداد البلدة من سلطة مقاتلي معروف، رغم أن البلدة لم تكن تحت سيطرة النصرة يوماً، بل هي واحدة من بلدات عدة في جبل الزاوية الذي يسيطر عليه جمال معروف وله اليد الطولى فيه.

وما هي إلا ساعات حتى سيطرت النصرة على البارة وعدة بلدات مجاورة لها، بعد قصف شديد بالدبابات وقذائف الهاون، وانسحب مقاتلو "ثوار سوريا" باتجاه بلدات أخرى أهمها دير سنبل مسقط رأس معروف.

تدخلت فصائل معارضة أخرى بعضها "إسلامي" كـ "صقور الشام" و"جيش الإسلام" وبعضها يتبع "الجيش الحر"، كحركة "حزم"، وأطلقوا مبادرة لوقف القتال بين الطرفين، وأرسلوا بقوات مشتركة للوقوف بينهما، ولكن مساعي الكتائب فشلت، حيث لم تستجب النصرة، لا بل وترددت أخبار عن اعتقالها عدداً من مقاتلي حركة حزم.

جمال معروف ينسحب.. والنصرة تسعى للسيطرة على ريف إدلب كاملاً

أمام الضغط العسكري للنصرة، انكفأ جمال معروف، وانسحب من مسقط رأسه أيضاً وأصبح خارج حدود جبل الزاوية، ليتخلى عن حاضنته الشعبية والبلدات التي شكّل منها قواته، ورغم أنه تذرع في فيديو مسجل بأن انسحابه كان حقناً للدماء، إلا أن الوقائع على الأرض تشير إلى أن الهجوم العسكري للنصرة أظهر هشاشة قوات جمال معروف، وما لبث الكثير من مقاتليه أن انشق عنه وسلم نفسه لجبهة النصرة، خوفاً من انتقام الجبهة بعد سيطرتها الكاسحة على جبل الزاوية.

جبهة النصرة، وخلال كتابة هذه السطور، باتت تسيطر على غالبية قرى جبل الزاوية، وبدأت تتمدد باتجاه الشمال الشرقي، ولم تعد تقاتل جبهة ثوار سوريا فحسب، حيث سجل سيطرتها على بلدة خان السبل، وطرد حركة حزم منها، ما يعني أن مخطط زعيم النصرة أبو محمد الجولاني لا يستهدف جمال معروف بعينه، بل يستهدف الكتائب التي لازالت ترفع راية "الجيش الحر"، أو من تطلق عليهم واشنطن صفة "المعارضة المعتدلة".

والغالب أن جبهة النصرة وبعد الهزيمة التي لحقت بها الشهر الماضي في ريف حماة الشمالي، وطردها من مورك، آخر معاقلها هناك، تبحث عن تثبيت قدمها في مكان آخر، ووجدت في ريف إدلب مكاناً ملائماً، وخصوصاً لكثرة الكتائب المقاتلة هناك، وعدم وجود فصيل كبير يقارعها ويقف في وجهها، هذا بالإضافة إلى وجود حالة من النفور الشعبي في بعض القرى من الانتهاكات والسرقات التي كان يقوم بها عناصر الكتائب الأخرى، ما جعل جبهة النصرة تحتج بهذا الأمر لتغطية هجومها.

ولكن اللافت في الساعات الماضية هو قيام جبهة النصرة بمحاصرة بلدة سرجة الواقعة بالقرب من أريحا شمال جبل الزاوية، وهي مسقط رأس أحمد عيسى الشيخ القاضي الشرعي في الجبهة الإسلامية، وقائد ألوية صقور الشام، والمعقل الرئيسي للحركة، بالإضافة إلى مهاجمتها حواجز تابعة لجيش المجاهدين في شمال إدلب.

وجيش المجاهدين هو تجمع لعدد من الكتائب الإسلامية أعلن عنه بداية العام 2014 وهدفه الرئيسي قتال داعش، ورغم أن توجهه إسلامي الطابع إلا أنه يصنف أميركياً ضمن المعارضة المعتدلة.

وهنا يبرز عامل آخر في خلفيات "الهجوم النصراوي"، وهو الإغتيال الجماعي لقادة حركة أحرار الشام في ريف إدلب قبل أشهر، والذي تقرأه جبهة النصرة على أنه استئصال لحركة تحمل فكر السلفية الجهادية القريبة من القاعدة، التي تقاتل النصرة تحت لوائها في سوريا.

هذا يؤشر إلى أن النصرة ربما ترى في فصائل الجيش الحر تهديداً حقيقياً لوجودها بعد استهداف قادة أحرار الشام، وطرد داعش من المحافظة كاملة، وخصوصاً في حال قررت واشنطن استئصال النصرة من إدلب، لتكون المحافظة خالية من المتطرفين، ومنطلقاً لما تسميه "المعارضة المعتدلة". 

هجوم النصرة أظهر هشاشة مقاتلي جمال معروف الذي انسحب من كامل جبل الزاوية

اخترنا لك