التعقيدات السياسية حول غزة.. حسابات تؤجل التهدئة وأميركا مستعجلة

استمرار أمد العدوان على غزة بات يستنزف إسرائيل ويخيف أميركا التي تخشى من انقلاب الأجواء في المنطقة، لكن الحرب مستمرة رغم ذلك بسبب تعقيدات تتعدى الصراع العسكري في ظل ظروف تحاول أطراف عدة استغلالها وجني مكاسب سياسية.

معركة عض الأصابع مستمرة مع فارق أن استمرار العدوان بات يضغط على إسرائيل وأميركا
لا تهدئة إلا بتحقيق الشروط الفلسطينية، تقول المقاومة. شروط تراها إسرائيل مستحيلة. يعلن ذلك الوزير الإسرائيلي يعقوب بيري الذي شغل سابقا منصب رئيس جهاز الشاباك.  معركة عض الأصابع مستمرة إذاً، مع فارق أن استمرار العدوان بات يضغط على إسرائيل وأميركا ويحسّن شروط الفلسطينيين. شروط لم تعد المقاومة وحدها من يرفع لواءها. السلطة الفلسطينية باتت تضع هذا السقف الذي أصبح موضع إجماع وطني.  

لكن ما يجعل هذه الجولة من العدوان الإسرائيلي هي الأطول مقارنة بسابقاتها لا يكمن فقط بإصرار المقاومة على تحقيق شروطها، وإسرائيل على تحقيق أهدافها. لمصر حساباتها مع حماس. لا تريد القاهرة إعادة تعويم الحركة الإسلامية في غزة، بينما تصر الأخيرة على ان تضحيات الشعب الفلسطيني لن تذهب هدراً. لقطر وتركيا ايضاً حساباتهما.

الحل غير ناضج بعد والتهدئة مؤجلة والعدوان الإرهابي على غزة مستمر. هذه النتيجة هي قراءة لمسار التعقيدات السياسية والإقليمية التي تحيط بالحرب على غزة. لذا ما إن تظهر بوادر تهدئة حتى تتبدد في ظل وقائع صلبة ليس من السهل تليينها. يزور كيري تل أبيب ورام الله ثم يتوجه إلى القاهرة من جديد من دون تحقيق تقدم. التصريحات المتفائلة بقرب التوصل إلى تهدئة سرعان ما تبخرت. جاء المؤتمر الصحافي لخالد مشعل ليؤكد ذلك ويضع تحت شروط المقاومة خطين أحمرين.

ما الذي يحدث خلف الكواليس؟ لماذا توجّه محمود عباس مباشرة إلى رام الله قبل يومين وأعلن عن قرارات غير مسبوقة بعدما كان ينوي التوجه إلى عواصم عربية؟ لماذا حضر كيري إلى المنطقة هذه المرة بعد أكثر من تأجيل؟ لماذا فشل عباس في إقناع مشعل في قطر بمرافقته إلى القاهرة؟ وماذا تريد مصر؟

حرب غزة مكلفة على الأميركيين إذا استمرت

في حوار مع الميادين نت، يحاول الباحث والكاتب السياسي ناهض حتر تفكيك المسارات المتشابكة وشرح حسابات كل طرف من الأطراف المعنية أو المتورطة في الحرب على القطاع.

بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية، يعتبر أنها تستعجل الحل والوصول بأسرع ما يمكن إلى إيجاد تهدئة. من هذا المنطلق لا يستعبد أن يمارس كيري ضغوطاً على تل أبيب لتليين مطالبها وتقديم تنازلات بعدما أبدت المقاومة صلابة في الميدان وفي المواقف. يقول إن الحرب على غزة ستصبح إذا طالت مكلفة على الأميركيين. والسبب أنها تعيد إحياء مشروع الممانعة والمقاومة وجوهره قضية فلسطين بعد الضربة التي تلقاها في الموصل. بتفصيل أكثر فإن مشروع التقسيم القائم على التجييش الطائفي والمذهبي الممنهج والمخطط له سيتكسر على صخور غزة وستكون هناك أجواء جديدة في المنطقة عنوانها فلسطين وما تمثل من قضية موحدة وجامعة لشعوب المنطقة. يضاف إلى ذلك حقيقة بات يعلمها الجميع وهي أن الصواريخ والاسلحة في غزة مصدرها ايران وسوريا. يأتي ذلك معطوفاً على الاتصال الذي جرى مؤخرا بين السيد نصرالله وبين شلح ومشعل والذي أعاد تموضع محور الممانعة وتعزيزه.

من ناحية أخرى ما يجري في غزة يمكن ان يتصاعد وينذر بانتفاضة ثالثة اذا بقي هذا المستوى من القتل والاجرام، وبالتالي تصير الظروف مهيأة لكي ينفجر الشارع الفلسطيني وتالياً الاردني. يعتبر حتّر أن السلطة الفلسطينية لا يناسبها وجود انتفاضة في الضفة لذلك تستعجل هي الأخرى التهدئة.

ويرى أن السلطة محكومة بأمرين، فهي من جهة لا تستطيع أن تتجاهل ضغط الشارع ونبض الناشطين من فتح والذي جسدته رسالة الأسير مروان البرغوثي، إذ دعا السلطة للتوجه الى غزة والوقوف الى جانب المقاومة والقيام بتحركات. قيادات فتح تشعر ان لديها فرصة لتحسين صورتها والتحرك. لكن من جهة أخرى تبقى عيون السلطة متجهة إلى كيفية بناء تحالف مع القاهرة. هناك فرصة يراها حتّر أمام محمود عباس لترتيب وضعه الى جانب المحور المصري. عباس الذي توجّه قبل العدوان إلى مصر حيث قضى يومين ولم يلتق به السيسي وتوجّه غاضباً إلى الأردن، يرى الآن أن هناك فرصة لإعادة نسج علاقات مع القاهرة، خصوصاً أنه يلمس اليوم وجود حاجة مصرية سعودية إليه.

ويلفت حتّر إلى أن المشروع المصري في فلسطين كان في الأساس تأهيل محمد دحلان لوراثة الملف الفلسطيني وجرى اختياره لانه على علاقة وثيقة مع الأمن المصري ومع دولة الامارات ويمكن أن يرث فتح في الضفة وله جذور في غزة. تصورهم كان أن دعم دحلان يمكن أن يعيد ترتيب اوراق الساحة الفلسطينية. لكن بسبب العدوان اضطر المصريون ان يعودوا خطوة الى الوراء واختاورا عباس وهو يحاول ان يستفيد من هذه اللحظة. مصر كانت أمام خيارين، إما أن تعمل مع حماس وإما مع عباس.

بناء على هذه القناعات فإن ما جرى في قطر بين عباس ومشعل مروراً بالحديث عن وساطة نبيل العربي واستعداد القاهرة لتعديل مبادرتها قبل أن تتبدد هذه الأجواء وتعود القاهرة للإصرار على مبادرتها بنسختها الأصلية على لسان وزير خارجيتها، يشرح حتّر.

ويعتبر أن التعديل كان مطروحا فيما لو وافق مشعل على المجيء الى القاهرة مع عباس. فمجيء مشعل بمعية عباس له دلالته السياسية الواضحة يقول حتّر إنها تعويم عباس وجعله عراباً، وهو يعني أن يأتي مشعل إلى محور القاهرة للتفاهم معه، بمعزل عن المحور القطري التركي. كان يمكن برأي حتّر في هذه الحالة أن يعطى مشعل بعض التعديلات لإخراجها كإنجاز يحفظ ماء الوجه، وطالما أنه لم يقدم هذا التنازل سحبت الورقة.

حتر: العدوان على غزة ينذر بانتفاضة ثالثة اذا بقي على هذا المستوى من القتل والاجرام

ماذا جرى بين مشعل وعباس؟

تعتبر حماس أنه إذا انتهت الحرب بتسوية محورها ابو مازن والسلطة ستكون في ورطة
لكن كيف تصح هذه القراءة في ظل المواقف التي أطلقها عباس من رام الله قبل يومين وفيها دعوة إلى أوسع تحرك شعبي وبشكل متواصل تضامنا مع غزة والمقاومة في مواجهة العدوان الاسرائيلي، وتأكيد على مواصلة التحرك والتنسيق مع حركتي حماس والجهاد لتعزيز الوحدة الفلسطينية، وتأكيد على المطالب الفلسطينية؟

يجيب حتّر بسؤال مقابل: "كيف بإمكان عباس أن يلعب دوراً إذا لم يقترب من نبض الشارع والمقاومة؟ بالنهاية الجو ملتهب في فلسطين".

لكي يكتمل المشهد وضوحاً يذهب حتّر للإضاءة على صراع المحاور الذي يجري حول غزة. فبرأيه أن هناك محور مصري سعودي إماراتي والأردن غير بعيدة عنه، وهناك محور تركي قطري. أما محور الممانعة فهو ليس في صلب العملية السياسية بقدر ما يقدّم من دعم عسكري ومعنوي.

ينسحب الصراع بين هذين المحورين على كل ما جرى من لقاءات سياسية في الدوحة. فشل عباس في أن يصطحب مشعل معه إلى القاهرة. قبله فشل نبيل العربي في وساطته. يؤكد حتّر أن القطريين والاتراك كانا متشددين لذلك فشل اللقاء. يضاف إلى ذلك أن مصر لا تريد إعادة تعويم حماس سياسياً. بالمقابل تعرف حماس جيداً أنها في حال خرجت من هذه المعركة من دون أن تكون هي محور الاتفاق وأساسه فهي ستخسر سياسيا بشكل كبير.
حماس تحاول ترميم ما خسرته نتيجة الانقسام الجماهيري حولها في المنطقة على خلفية مواقفها من سوريا ومن مصر، يقول حتّر.

حماس الآن في مرحلة مصيرية. هي تعتبر أنه إذا انتهت هذه الحرب بتسوية محورها ابو مازن والسلطة ستكون في ورطة. وهي في الوقت نفسه مصرّة على الدور التركي القطري وما زالت ترتبط بالدوحة وأنقرة بعلاقات تحت مظلة "الإخوان المسلمين". في المقابل، يضيف حتّر، تصر الأطراف الأخرى على استبعاد الدور التركي القطري بمن فيها إسرائيل ومصر وأميركا.

أين إسرائيل من كل ذلك؟

 واضح أن المعركة برية انقلبت على تل أبيب في ظل خسائر بشرية آخذة في الازدياد ولا قدرة لها على احتمالها. استمرار هطول الصواريخ على مدنها ومطارها يزيد احراجها. كذلك ارتفاع عدد الشهداء المدنيين في صفوف الفلسطنيين. يضاف إلى ذلك ضغوط سياسية ودبلوماسية بدأت نذائرها رغم وجود المظلة الأميركية. كان آخرها دعوة بوتين لنتنياهو إلى وضع حد للعمل العسكري وتشديده على التسوية السياسية. يضاف إلى ذلك خشية عبّرت عنها الخارجية الإسرائيلية من موجة استدعاء سفراء دول أميركا اللاتينية من تل أبيب كما كشفت صحيفة هآرتس، إثر إقدام البرازيل والإكوادور على ذلك.

ما هي خيارات إسرائيل إذاً في ظل الاستنزاف العسكري والإحراج على مستوى الداخل والخارج؟

يقول حتّر إن إسرائيل خارج القصة كلها. رابع اقوى قوة في العالم ليس لديها مكان تطلق فيه النيران الا غزة. اسرائيل في وضع بائس وحربها على غزة ناجمة عن بؤس سياسي واستراتيجي وهي مقطوعة الايدي في المنطقة. مصر خرجت من كونها مجرد وسيط بين حماس واسرائيل مثل ايام مبارك وبدأت تلعب دورا اقليميا. انفتحت على العراق وعلى السودان. والظروف الاقليمية والدولية فرضت ان يعود الجيش المصري الى سيناء من دون اذن الاسرائيليين. المفاوضات الايرانية الاميركية لا علاقة للاسرائيليين بها، كذلك في سوريا حيث فشلوا في إقامة منطقة عازلة. وهم خارج الميدان الاستراتيجي كله وليس لديهم شيئا يعملونه سوى ان يفتعلوا عدواناً على غزة وبالتالي اسرائيل محشورة في غزة. حتى الاردن عندما عرضت عليه تل أبيب تنسيقاً مشتركاً لمواجهة خطر داعش اعترضت عمان لأن اسرائيل تحتاج الى من يحميها وهي لا تحمي أحدا.

جنود إسرائيليون يعودون من غزة