في طرابلس: مجتمع "الفولكلور" العسكري ينتج مجتمع "فولكلور" القهوة

مجتمع "الفولكلور" العسكري في مدينة طرابلس اللبنانية ينتج مجتمع "فولكلور" القهوة، فالقرقعة والباعة الجدد ينضمونا إلى مهرجان القهوة بسبب تفاقم البطالة وسوء الأحوال الاجتماعية في مدينة باتت رهن نجاح خطة أمنية يقودها الجيش اللبناني منذ بداية الشهر الحالي.

قهوة على كورنيش البحر

مدينة طرابلس شمال لبنان..مدينة تنزف من جرح فتحته ثلاث سنوات من معارك وجولات وصولات ومحاور وأزيز الرصاص. في طرابلس اللامستقرة أمنيا، تراجعت الاوضاع الاقتصادية، وتفاقمت البطالة وساءت الأحوال الاجتماعية. مدينة باتت رهن نجاح خطة أمنية يقودها الجيش اللبناني منذ بداية الشهر الجاري.

وفي ظل هذا التراجع وعلى وقع هجرة الكثير من الطرابلسيين إلى خارج المدينة واعتكاف سكان المناطق المجاورة عن ارتياد أسواقها، وجد كثيرون من العاطلين عن العمل متنفسا لهم في بيع القهوة بالـ "مصبّات".

قطاع يتّسع بزيادة وانتشار الباعة حتى باتوا ظاهرة عامة. "مقرقعين" بفناجينهم ينادون على القهوة، يصطف الباعة على طول رصيف، وعلى منعطف شارع، ومنهم من يتجول حاملاً مصبّاته على ظهر دراجة نارية. أصبحت المدينة تكتظ بهم وشارب القهوة بات لديه بائعه المفضل، ولكل بائع رزقه وما يوعد.

قرقعة الفناجين أقل من السابق، فالباعة الجوالون لم يعودوا أسياد الموقف، لكن مصبات القهوة تلمع في كل أرجاء طرابلس. يكاد يكون المجتمع مجتمع فولكلور القهوة.

 

يعتبر الباعة أن حرفتهم "لا تُغني، لكنها تستر بما تأتي من مردود، وعلى الأقل، فهي أفضل من البطالة". والسبب هو أن ثمن فنجان القهوة الطرابلسي من المصبات هو ٢٥٠ ليرة لبنانية، أي ما يعادل 16 سنتاً أميركياً، بينما يصل ثمنه إلى 2000 ليرة، ما يزيد عن الدولار، على رصيف الروشة في العاصمة بيروت.

 

باعة متنوعون

ينضم وليد للتو إلى قطاع الباعة. يجوب على دراجته النارية في محلة القبة. على مقعده الخلفي، ركّز خشبة مع رباط يمسك بالمصبّات كي لا تسقط. يقول إنه دخل حديثاً إلى الحرفة بعدما سدّت في وجهه كل مجالات العمل. "لم أكن أعرف كيف أصنع القهوة بكميات وافية للمصبات، فاستعنت بخالتي التي سبق لزوجها أن عمل ببيع القهوة. وانطلقت اليوم. المدخول المتوافر أفضل من لا شيء" كما يقول.

وعند مستديرة "النور" على مقربة من سراي المدينة، يتمركز عدد من الباعة، منهم الجوال على عربة صغيرة، ومنهم من صنع لنفسه "كشكا" لعرض المصبّات والفناجين. يمر ركاب ناقلة صغيرة، فيشترون فناجين من هذا وأخرى من ذاك، وتمضي ناقلتهم بفناجين البلاستيك، تعبق منها رائحة القهوة التي ضعف حضور "حبّ الهال" فيها وكثر الماء. لقهوة الفقراء هذه نظرية أيضاً. يقول أحد الباعة: "القهوة الصحية يجب أن لا تكون كثيفة، والأفضل أن تكون خفيفة، أي مياهها كثيرة وقهوتها قليلة. إنها أفضل للصحة". لكنها أيضا أفضل لجيب البائع وجيب المستهلك..فكلاهما من هذه المدينة المنهكة.

 على شاطيء البحر، وعند محلة رأس الصخر، تنتشر الأكشاك وكلها تحمل أسماء، وبعضها مصابيح براقة وشاشات إلكترونية لجذب الزبائن. ، فهذا مقهى "الفايسبوك"، وذاك مقهى "الواتس أب"، وهنالك بسطة "فنجان ع طريقك". هذا يمر مع صديق أو صديقة، وهناك تمر السيارات في مشوار العصر، الكل يبتاع المسلي والرخيص، ويمشي سوق المصبات دون منافسة ودون هوادة، فالسعر واحد، ولا يمكن التلاعب به، وإلا كسدت البضاعة.

 ولكل كشك، أو بائع زبائنه الذين يعاملون معاملة الـ VIP، ربما بطريقة طبخ القهوة. سؤدد خضر اتخذ من منعطف قرب "الحمام المقلوب" محلا لبيع القهوة بالمصبّات، لكنه يواجه ضغط السلطات لما يسببه محله من زحمة سير دائمة، خصوصا عصرا ومساء.

 يقدم سؤدد قهوته بابتسامة، ومزحة، وتقرب من الزبائن، وبحبوحة في الفناجين، ويساعده على نقل الفناجين عدة عمال، هم في حركة دائمة لا يهدؤون، ولا يتيهون عن طلب أحد منهم..واحد وسط، واتنين سادة، وواحد حلو.. يلبون طلبات العابرين بسرعة، وإلا وقعت زحمة خانقة تخسرهم الروّاد.

المصبات

المصبّان الفضيّان

درج باعة القهوة التراثيون على اقتناء مصبّين، واحد للقهوة المُرة السّادة، والثاني للزائدة حلاوتها، ومتى رغب الزبون بالوسط، خلط البائع من المصبّين. يحمل البائع التراثي المصبّين اللامعين بلون فضي، كل واحد بيد، ويضع بين أصابعه فنجانين يحركهما بخنصره وبنصره، فتخرج أنغام القرقعة داعية الزبائن إلى احتساء القهوة. ويعلق بخصره مريولا بعدة جيوب، للفناجين البورسلان، والبلاستيك، وفناجين الكرتون، حسب لرغبة الزبون ومنهم من النشطاء البيئيين. وعندما كان الباعة يعتمدون على فناجين البورسلان، انضم إلى حمولة المصبّين مصبّ ثالث للماء لغسل الفناجين بعد ارتشاف القهوة منها.

 

مثل "المسحّراتي" في ليالي شهر رمضان، يجول بائع القهوة التراثي في الشوارع والأحياء، وكثيرون ينتظرون عبوره، وسماع قرقعته للحصول على المبتغى. وبين الحين والآخر، يقف نافضا المصب من الأسفل فتخرج من فتحات صغيرة في قعره فضلات رماد من الجمر الذي يضمن سخونة القهوة.

 يصنع المصبّ في سوق النحاسين التقليدي في المدينة الذي تراجعت محلاته ولم يبق منها إلا اثنين أو ثلاثة، ومتجرين آخرين في بلدة القلمون القريبة. تصنع فيها أنواع المصبّات، منها المصب العربي العادي الذي تغلى فيه القهوة على المنقل والجمر، ومنها الكبير لمحلات البيع، ويعمل بحنفية لصبّ القهوة منها، وهناك أيضاً المصبّان الشائعان التوأمان، وتوأمتهما شرط لوظيفتهما، وتصب القهوة من فتحتهما.

 في الظرف الراهن، يمكن القول إن المجتمع الطرابلسي خارج إطار المنزل، بات مجتمعا حافلا بالقهوة، والفناجين، والدواوين في حركة تنتج فولكلورها الجديد غير المسبوق كنتيجة حتمية للفولكلور العسكري وكحل وحيد في الوقت الراهن لاستعادة بعض من الحياة والحيوية إلى العاصمة الثانية، طرابلس.  

 

 

قهوة متجولة