هادي يحاول تفكيك الألغام.. ماذا يجري في عدن؟

يتزايد منسوب الاحتقان الشعبي والتشنج المسلح بين مختلف الفصائل المسلحة الموالية للرئيس هادي الذي قد تبدو عودته محاولة أخيرة لتفكيك الألغام المزروعة بين مختلف الفصائل بأقل الخسائر الممكنة.. فهل سينجح هادي في ذلك؟

الطابع المحلي للقاعدة تميزه إلى حد ما عن داعش التي بات وجودها على الأرض امراً مؤكداً (أ ف ب)
وصول الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي سراً إلى عدن يعكس في أحد جوانبه حقيقة الوضع المحتقن في المدينة التي يتغلغل في أعماقها الكثير من البراكين، وتتجاذب السطيرة عليها أطراف مسلحة عديدة، وتتخذها حكومة خالد بحاح مقراً وعاصمة مؤقتة لها.


لا تبدو عدن كما يصورها إعلام التحالف السعودي أو الموالين لهادي في الداخل والخارج، إذ تهتز اليوتيوبيا العدنية بمجرد التجوال بين جنباتها، حيث يتزايد منسوب الاحتقان الشعبي والتشنج المسلح بما ينبئ باقتراب الاقتتال البيني بين مختلف الفصائل المسلحة الموالية للرئيس هادي الذي قد تبدو عودته محاولة أخيرة لتفكيك الألغام المزروعة بين مختلف الفصائل بأقل الخسائر الممكنة.. فهل سينجح هادي في ذلك؟


تعقيدات المشهد في عدن تشير إلى صعوبة مهمة هادي في هذا الوقت تحديدا، وهي تعقيدات تزداد كلما أخذت المجاميع المتطرفة (القاعدة واخواتها) بالانتشار أكثر، مستغلة حالة غياب الدولة، والمزاج الشعبي الواقع تحت تأثير الاستقطاب الطائفي  المعمم اقليميا والمستحكم في الوعي اليومي لليمنيين. وليس من قبيل المبالغة القول ان الحلقة الاضعف من بين المجاميع المسلحة والمنخرطة بالقتال مع التحالف السعودي هي قوات الرئيس هادي وشرعيته.

هذا الضعف يعوضه هادي بالركون الى عصبيته المناطقية، اذ تكون أبين حاضرة وبقوة في مراكز التعيين السياسي وكذلك القيادات النظامية للجيش الموالي له، فيما يسعى الحراك الجنوبي لتأكيد عمق حضوره من خلال سيطرة ما يعرف بـ"المقاومة الجنوبية" على معظم مناطق المحافظة، خصوصا مع خفوت وتراجع حضور المجاميع السلفية  المتشددة وعناصر القاعدة.


فقد تركت المجموعات السلفية ذات التوجه التقليدي المدينة استجابة لما وصفته مصادر مقربة منهم "بالأوامر التي اصدرتها السعودية للمشاركة بالقتال في جبهة مكيراس الواقعة بين أبين والبيضاء"، فيما قررت القاعدة ممارسة تواريها المعهود يمنياً والزهد عن اشهار تواجدها مع الحفاظ على حضورها الشعبي باعتبارها بديل ناجع للفصل في كثير من القضايا خصوصا الاجتماعية في ظل غياب الدولة، كاضطلاعها بمهام حماية بعض الجنوبيين الذين يتعرضون للانتهاك من المسلحين القبليين، وكذلك العمل على منع السرقة وايقاف حالات الفيد التي انتشرت في عدن، وهم بذلك يتمددون اجتماعيا دون ان يكون لهم شكل دولاتي ظاهر يجعل ضربهم سهلاً، ليبقى التواجد الطاغي للتنظيم مقتصرا على محافظتي ابين ولحج، مع تواجدها في مديريات عدن بشكل مضمر، حيث تشير المعلومات إلى أنها قررت في خطوة مريبة ترك جل المناطق التي سيطرت عليها في التواهي فيما ظلت المدينة التقنية غرب عدن وكراً هاما لعناصر وتمويل وعتاد القاعدة.


وما يجعل القاعدة ذات اليد الطولى أن معظم عناصرها من أبناء الجنوب مع تواجد طفيف للعناصر الأجنبية، وكذلك قياداتها (وأبرزهم جلال بالعيدي الذي ظهر في آخر تسجيل يوثق الحضور الكبير للقاعدة على جميع جبهات القتال). هذا الطابع المحلي للقاعدة تميزه الى حد ما عن الدولة الاسلامية التي بات وجودها على الارض امراً مؤكداً بحسب ما اصدرته من بيانات وما وصلنا من معلومات خاصة من مصادر مقربة منهم ومصادر امنية وعسكرية رفيعة.


ورغم ذلك فان العنف المنفلت لـ"داعش"، وشرهها القتالي وسعيها لإشهار الدولة وكذلك البحبوحة الشرعية التي تتيح للمنضويين في إطارها ممارسة ما يريدون، يعد مصدر قوة وجذب تجاهها، لذا كانت تراهن في لحظة ما لاستثمار الاحباط الوطني عند الشباب العاجز عن الحسم، وتدخل السعودية والامارات لحسم المعركة من أجل  اشهار دولتها في امارة عدن، لكنها اليوم تتواجد في كريتر عبر مركز تدريب في أحد المدارس بحسب ما افاد مصدر سياسي واسع الاطلاع، وحتى هذه اللحظة تخشى كل من الحكومة والمقاومة الجنوبية التصادم معها لانشغالها بمعاركها ضد الجيش واللجان الشعبية التابعة لأنصار الله.


الى ذلك تتنازع المقاومة "الجنوبية" والحراك الجنوبي كذلك جملة خلافات تتبلور حدود تماسها وافتراقها على اساس مناطقي، وقد فضحت هذه الاحتقانات قرار اقالة محافظ عدن نائف البكري اذ استنفر لنصرته معظم أبناء منطقته "يافع" في مواجهة قرار هادي الذي وصف بالمناطقي لعدم انتماء البكري الى أبين مسقط رأس هادي، وبرز بشكل لافت  دخول حزب الاصلاح على الخط وتبنيه لقضية البكري.


كما ان الخلاف لا يقتصر على قوى الداخل بل والخارج ايضاً، اذ تراهن الامارات من خلال نسج تحالفاتها على القوى الجنوبية، وهي بالأغلب تركز على وجاهات قبلية ومناطقية تتبنى خطابا انفصالياً (هاني بن بريك، صالح بن فريد)، فيما السعودية تراهن على السلفيين التقليدين ممن تلقوا تعليمهم في منطقة دماج بصعدة او تعاطفوا مع الوهابية وعدائها "للروافض" كرد فعل على دخول أنصار الله "الحوثيين إلى الجنوب وعدن..وهما قوتان متباينتان ايديولوجياً اذ توضح هذه التحالفات ان حدود الاجتياح الاماراتي ملتزمة بمصالحها الاستراتيجية المتركزة جنوباً، فيما اممية السلفيين التقليدين تبيع السعودية وهم فرصة مواصلة مشوارها وصولا الى صنعاء وصعدة. لذا كان واضحا ان تكثيف الحضور العسكري الإماراتي في عدن لم يردف بحضور سعودي بخلاف ما رشح من تصريحات، وبحسب مراقبين فان السعودية تنوي ممارسة ضغوطها على الامارات عبر جماعات الاسلام السياسي الموالية لها لمفاقمة الأعباء الامنية على الإماراتيين في عدن، حتى يقتنعوا بالمشاركة التامة في معركة صنعاء غير محمودة العواقب والتي دفعت الامارات الكلفة البشرية الاغلى بعد صاروخ توشكا في مأرب.


ويعتقد ان الضغوط السعودية آتت أكلها حيث رشحت معلومات ان الامارات تراجع موقفها المتزمت من دعم المقاومة الشعبية في تعز ، بعد ان استنكفت ذلك طوال الحرب لطغيان الوجود الإخواني بتعز.