أزمة أوكرانيا: قراءة في خيارات صقور الحرب الأميركيين على روسيا

الأزمة الأوكرانية تستنهض أجواء الحرب الباردة بين روسيا والولايات المتحدة، ومعسكر "الصقور" الأميركي يطالب الإدارة الأميركية بانتهاج سياسات تصعيدية وضرورة إعادة الاعتبار للخيار العسكري.

لم تنتظر روسيا التقلبات السياسية في اوكرانيا ونشرت قوات عسكرية في القرم حماية لمنفذها البحري على البحر الاسود

  استنهضت الازمة الاوكرانية اجواء الحرب الباردة الكامنة، وكذلك رغبة فريق معسكر "الصقور" الاميركي، من الحزبين، مطالبين الادارة الاميركية بالتخلي عن الاطر الديبلوماسية وانتهاج سياسات تصعيدية، بذريعة ان "مصداقية" القوة العظمى وضعت على المحك مرة اخرى، وضرورة اعادة الاعتبار للمؤسسة والخيار العسكري للتعامل مع روسيا بمحاذاة حدودها الاقليمية.

لم تنتظر روسيا طويلا تقلبات الاوضاع السياسية في اوكرانيا ودخول حلف الاطلسي بقيادة الولايات المتحدة على خط الازمة، وسارعت لنشر قوات عسكرية في شبه جزيرة القرم حماية لمنفذها البحري الحيوي على البحر الاسود. اغلبية سكان القرم هم من الروس، وتتمتع شبه الجزيرة بالحكم الذاتي ضمن الاراضي الاوكرانية. يذكر ان الزعيم السوفياتي الاسبق، نيكيتا خروتشوف، اوكراني الاصل، اقتطع شبه جزيرة القرم من الاراضي الروسية والحقها بالاراضي الاوكرانية في ظل الصيغة الموحدة للاتحاد السوفياتي آنذاك؛ بيد ان مواطنيها لا يزالون ينتمون للهوية الروسية.

وتسارعت التفاعلات وردود الفعل الغربية للرد على الخطوة الروسية، تنديدا وتهديدا بالكلفة العالية المترتبة على قرار موسكو، واتخاذ اجراءات لمقاطعتها اقتصاديا؛ بيد ان موسكو لم تلقِ بالا لتلك التهديدات محذرة ان الضرر سيعود على اصحابه بدرجة اكبر، سيما وان حجم التبادل التجاري مع اوروبا بشكل خاص يميل لصالح روسيا في قطاع الطاقة والغاز الطبيعي، بالغ الاهمية للعجلة الاقتصادية الاوروبية. وسريعا ظهرت بوادر التصدع داخل المعسكر الاوروبي، خلافا للتهديدات الاميركية، اوجزتها كل من بريطانيا والمانيا بالاعراب عن عدم حماستهما لمقاطعة روسيا تجاريا نظرا للتداخل المتشعب بين الاقتصاديات الثلاث وعدم الجدوى السياسية من المضي بالخطوة الاميركية.

عدد من الدول الاخرى لا يزال في طور الانتظار والترقب لما ستؤول اليه التطورات، تعبيرا عن الخشية من الانقياد الاعمى وراء رغبات واشنطن، والتي يرجح ان تبقي خيارات تبادلها التجارية مفتوحة مع موسكو.

امام تلميحات وتهديدات اميركية المصدر بقدرتها على تعويض احتياجات اوروبا وتقليص اعتمادها على الغاز الروسي وشبكة امداده العابرة لاراضي اوكرانيا، نشر "مركز ستراتفور،" وثيق الصلة بالاجهزة الاستخبارية والأمنية الاميركية، احدث اصداراته (الجمعة 7 آذار) يدحض فيه عقم الادعاء الاميركي، الذي يرمي لدفع الاوروبيين الاصطفاف بقوة خلف السياسة الاميركية على حساب مصالحهم الاقتصادية.

وجاء في دراسة المركز "بالاقرار في رغبة واشنطن الاكيدة للحد من النفوذ الروسي (في اوروبا)، فان قدرتها على الرد تبقى محدودة سيما لتصدير من يتوفر في مخزونها الاستراتيجي من الطاقة لتحقيق مآرب جيوسياسية." واوضح ان انشاء بنية تحتية تستوعب المزيد من صادرات الطاقة الاميركية لن يتأتى قريبا "سواء في فترة تمتد لعدة اشهر او حتى لسنتين او ثلاثة؛ فالازمة الاوكرانية ينبغي معالجتها بسرعة اكبر." واردف موضحا لمن فاتته الرسالة "لا زالت القيود تحول من قدرة الولايات المتحدة التحرك لمساعدة دول اوروبا الشرقية لتقليص اعتمادها على الغاز الطبيعي الروسي .. حكما، ستبقى روسيا تشكل القوة المهيمنة لتصدير الغاز للمنطقة."

صقور الحرب في الحزب الجمهوري، بشكل خاص، انتهزوا الفرصة للتنديد بالرئيس اوباما واتهامه بالتردد في اتخاذ قرار حاسم للرد على روسيا، بالزعم ان الامر يعود الى آلية اتخاذ القرار وليس لطبيعة المتغيرات الدولية والداخلية الاميركية، خاصة بعد المصادقة على  تقليص ميزانية البنتاغون للمرة الاولى منذ عدة عقود. للدلالة على دور شخص الرئيس اوباما في عدم الحسم، استذكر اقطاب المعسكر مقال نشر في مجلة جامعة كولومبيا عام 1983 بقلم الطالب، آنذاك، باراك اوباما  الذي حمل مسؤولية توتر العلاقات الاميركية – السوفياتية الى "ذهنية الحرب" المتأصلة عند الاميركيين و"التواء الفهم" لديهم ابان الحرب الباردة. واستطرد اوباما التلميذ بتحميل مسؤولية التوترات الى ادارة الرئيس الاسبق رونالد ريغان لرفعها معدلات ميزانيات وزارة الدفاع الى مديات عالية غير مسبوقة مما اسهم في "الانتشار الهاديء للعقلية العسكرية .. (مجسدة) الاولويات القومية المشوهة،" عوضا عن تركيز الانظار على أس الاهداف الوطنية المبنية على انجاز "عالمٍ خالٍ من الاسلحة النووية."

 توصيفات اوباما اصابت كبد الحقيقة، ولا تزال العقلية التصعيدية عينها مسيطرة على المؤسسة الحاكمة منذئذ. الانتخابات الرئاسية لعامي 2008 و 2012 شهدتا تجسيدا حيا لذلك لدى المرشحين عن الحزب الجمهوري، سارة بيلين وميت رومني، على التوالي، واللذين اتهما روسيا بنزعة التوسع، وتلقيا توبيخا من المرشح اوباما حينئذ.

تفجر الازمة الدولية في اوكرانيا اعادت الحياة لذات العقلية العسكرية وسعى الرئيس اوباما استيعاب تداعياتها على الداخل الاميركي بقوله في احد تصريحاته ان "التوجه الاميركي يستند الى عدم رؤية ما يجري كاحد تجليات رقعة شطرنج الحرب الباردة التي تضعنا في حال مواجهة وصراع مع روسيا". توصيف اوباما للعقلية السائدة بين اوساط مناوئيه الداخليين، وحفز الضغوط الشعبية لاستعادة اجواء الحرب الباردة، تحول دون توصل اركان ادارته ومستشاريه الى تحليل منطقي وموضوعي لقضايا الخلاف المتعددة بين الولايات المتحدة وروسيا. وعليه، من شأن المقدمات الناقصة والخاطئة ان تؤدي الى نتائج غير فعالة على الامد الطويل.

وتترقب كافة الاطراف والقوى المنخرطة في الصراع، وتلك التي ستشهد تداعياتها على مصالحها، ما ستقدم عليه الولايات المتحدة من خطوات ترد فيها على روسيا. ويتبين سريعا لتلك القوى والاخرى المراقبة لما يجري حقيقة الخيارات المتوفرة للادارة الاميركية، وتزداد قناعاتها بعدم اهلية الادارة انشاء تحالف دولي باستطاعته التوصل الى قرار مشترك للرد على الخطوة الروسية او الضغط عليها بغية حملها لتعاطي خيارات اخرى. يجمع المراقبون على ان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، اجرى مراجعة مكثفة للتداعيات السياسية والاقتصادية التي قد تترتب على دخول القوات الروسية، وتوصل الى قناعة بأن المخاطر تبرر اجراءات المضي في حماية الاراضي والمصالح الروسية.

كما يجمع المراقبون على ترابط الازمة الاوكرانية بالخطوات التراجعية التي فرضتها صمود سورية وفي كل من ومصر وايران على وجهة السياسة الاميركية وفشلها المتكرر مما ادى الى اندلاع مزيد من الازمات. يذكر ان الرئيس السوري بشار الاسد تحدى تهديد الرئيس اوباما برسم "خط احمر" حول مسألة الاسلحة الكيميائية. تهور اوباما حال دون قدرته تنفيذ تهديداته، واتاح الفرصة للرئيس الروسي لعب دور صانع السلام في سورية.

الصفعات المتتالية التي تلقتها الادارة الاميركية نتيجة عقم سياساتها العدوانية اضافت بعدا جديدا يقيد حركتها ويكشف عدم قدرتها على تهديد الاخر، لا سيما تبني اجراءات معينة لردع التقدم الروسي. اعتادت اميركا على سرعة اعتلاء رئيسها منصة مؤتمرات صحافية تعقد على الفور واصداره التهديد تلو الآخر؛ تطورات الاوضاع الدولية وبدء تراجع الهيبة الاميركية احالتها الى الزمن البعيد.

اما معسكر صقور الحرب فلا يزال يتشبث بامجاد الماضي ويروج لاتخاذ اجراءات قاسية تقود روسيا الى مراجعة مواقفها وسياساتها. خطوات وتدابير اميركية دون المواجهة العسكرية المباشرة ستدفع الرئيس الروسي الى توسيع نطاق نفوذ بلاده، كما يعتقد اقطاب المعسكر، ليشمل جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق ودول بحر البلطيق الثلاثة: لاتفيا وليتوانيا واستونيا.

خيار المواجهة العسكرية

يرى البعض سهولة في اللجوء للتدخل العسكري كاسلوب فعال لردع الخصم. ونظرا لتضافر عدد من العوامل، وعلى رأسها تراجع هيبة الولايات المتحدة على نطاق الكون باكمله، مما حدا بالرئيس اوباما مبكرا استبعاد اللجوء الى استخدام القوة العسكرية، شاطره الرأي بعض الساسة والشخصيات الفاعلة في بلورة القرار السياسي. اما فريق التدخل العسكري فيقف خلافا لذلك.

واحدهم، الجنرال المتقاعد بوب سكيلز، صرح لشبكة فوكس نيوز بأن "القوات العسكرية الروسية تعاني من الضعف خارج نطاق الترسانة النووية، بينما لا تزال الولايات المتحدة تتمتع بصلابة قواتها." واضاف انه "يتعين علينا استغلال عنصر عدم التماثل" بين القوتين العظميين، حاثا الولايات المتحدة على اتخاذ مبادرة احادية لنشر نظم مضادة للصواريخ الباليستية في جمهورية التشيك "غدا،" ونشر سفنا حربية في مياه البحر الاسود، والبدء بمناورات عسكرية في بولندا.

وعلل تصعيد الخطوات بانها "لن تؤدي الى نشوب حرب، بل ترمي لايصال رسالة (للرئيس) بوتين عن جدية نوايانا، اذ انه يحسب حسابا للقوة فقط، ويدرك ان الولايات المتحدة لا تزال في مقام متقدم عن بلاده".

وشاطره رأي اللجوء للخيار العسكري مستشار الأمن القومي الاسبق ومهندس قوات المجاهدين في افغانستان، زبغنيو بريجنسكي، الذي اوضح مراميه مطلع الاسبوع على صفحات جريدة واشنطن بوست. وقال "الكثير يعتمد على مدى وضوح رسالة الغرب الموجهة لديكتاتور الكرملين – فهو خليط تقليد كوميدي يجمع بين موسوليني والاشد تهديدا هتلر – فحواها ان حلف الناتو لا يسعه الوقوف جانبا ان اندلعت الحرب في اوروبا. اما في حال سحق اوكرانيا على مرمى انظار الغرب، فان اجواء الحرية والأمن التي تنعم بها رومانيا المحاذية (لاوكرانيا) وبولندا ودول بحر البلطيق الثلاث ستكون عرضة للتهديد".

وذهب بريجينسكي يعدد الخطوات التي يتعين اتباعها "فقوات حلف الناتو، اتساقا مع خطط الطواريء للحلف، ينبغي ان ترفع حالة التأهب في صفوفها. كما توفر اجواء الجهوزية العالية فرصة لنقل القوات الاميركية المحمولة جوا الى اوروبا الامر الذي يعد سياسيا وعسكريا ذو مغزى. لو رغب الغرب في تفادي نشوب ازمة، فيتعين الا يتوفر اي قدر من الغموض لدى الكرملين بشأن ما قد يترتب من اجراءات على مغامرات مستقبلية لاستخدام القوة في منتصف القارة الاوروبية."

وتفادى بريجينسكي ذكر ان اقدام الناتو على اتخاذ خطوات لتطبيق اقتراحاته يستدعي موافقة اعضاء الحلف الآخرين وما ينطوي عليه من تعقيدات – التي تتجسد حتى لدى بريطانيا اقرب حلفاء الولايات المتحدة. وبثت شبكة (بي بي سي) الاخبارية فحوى مذكرة حكومية رسمية تفيد بانه يتعين على اعضاء الوزارة "عرقلة اي محاولة للبحث (داخل الحلف) في خطط الطواريء العسكرية." في تطور متصل، اخضعت بريطانيا كافة عقود بيع الاسلحة الموقعة مع روسيا الى المراجعة واعادة النظر. اما فرنسا فقد اكدت عزمها المضي في تسليم البحرية الروسية حاملة طائرات مروحية، التي تخضع للتجارب الحية لاول مرة الاسبوع الجاري.

 ويزعم انصار التدخل العسكري والمواجهة توفر خيارات عسكرية بديلة لا تتطلب اللجوء لحلف الناتو. منها الاعلان عن بدء مناورات عسكرية مشتركة بين الولايات المتحدة واوكرانيا تجري على اراضيها، على غرار المناورات المشتركة السابقة التي تمت تحت غطاء  برنامج "شراكة السلام" لحلف الناتو. المناورات الاعتيادية يجري الاعداد لها لفترة زمنية معروفة، اما المناورات الفورية المقصودة فهي ترمي الى تبيان مدى العزم في ظل ظروف ازمات عسكرية.

عند توفر قرار باجراء مناورات مشتركة ستبرز تعقيدات جغرافية تعيق امتدادها الى المناطق الشرقية من الاراضي الاوكرانية. وجود قوات عسكرية اميركية بحد ذاته سيجري تفسيره بأنه صاعق انفجار لمواجهة عسكرية مباشرة بين اميركا وروسيا، امانشر قوات اميركية محدودة في قواعد عسكرية اوكرانية من شأنه مضاعفة حالة التأهب في صفوف القوات الروسية وتعقيد مخططاتها العسكرية. فعلى سبيل المثال، وكما يشير البعض، فان وجود طائرة مقاتلة اميركية مرابطة في قاعدة اللواء 114 للقتال الجوي التكتيكي بالقرب من مدينة كولوميا في  غرب اوكرانيا، سيضع القاعدة خارج دائرة الاستهداف الروسي  خشية وقوع اصابات بين الاميركيين.

من ضمن الخيارات العسكرية الاخرى يبرز نشر قوات خاصة اميركية تنقل جوا في الحال الى اوكرانيا، لا سيما قوات القبعات الخضراء. وقد يندرج ارسالها تحت بند توفير التدريبات التكتيكية للوحدات الصغيرة الاوكرانية المختارة. تجدر الاشارة الى ان الهدف من انشاء قوات القبعات الخضراء كان لتوفير الدعم لقوات المعارضة في قتالها الحكومات المناوئة للسياسة الاميركية، واعدادها للعمل خلف خطوط القوات السوفياتية في حال نشوب حرب على الاراضي الاوروبية. ينطوي على هذا الخيار دخول قوات عسكرية اميركية لمنطقة التوتر وقد تجد نفسها منخرطة في القتال الدائر، فضلا عما سيمثله من توفر خاصية شن الاوكرانيين حرب عصابات في حال قررت روسيا التوغل عسكريا.

كما يتوفر خيار لنقل المعدات والذخيرة لاوكرانيا، عززه اعلان الرئيس اوباما عن قرار بلاده توفير صواريخ مضادة للطيران محمولة على الكتف واخرى مضادة للدروع وتسليمها لاوكرانيا خلال بضعة ايام، الامر الذي سيرسل اشارة بالغة الوضوح للرئيس الروسي عن الكلفة العالية المترتبة على قراره بغزو اوكرانيا. ومن نافل القول ان الخيارات الثلاثة التي تم استعراضها تتطلب موافقة حكومة اوكرانيا لتنفيذها، وبالنظر الى تسارع الاحداث الجارية ليس من العسير اقدام الحكومة المؤقتة في كييف على توفير الغطاء المطلوب.

خيارات غير عسكرية

تدرك الولايات المتحدة جيدا ان روسيا اخذت بالاعتبار مسألة تهديدها بفرض عقوبات اقتصادية عليها،  وما المضي قدما بمسارها الا دلالة واضحة على عزمها تحمل نتائج ما ستؤدي اليه اجراءات حماية مصالحها الوطنية. العقوبات الاقتصادية، بشكل عام، تترك اثارا ضارة على المواطنين المستهدفين، بصرف النظر عن الانتماء العرقي كما تشهد كوبا ومن بعدها العراق وايران على استغلال الغرب لسلاح الدمار الشامل الاقتصادي. بيد ان روسيا تتمتع بميزات اقتصادية عديدة، على رأسها تنعمها بطفرة مالية في احتياطاتها المصرفية وتحقيقها اكتفاء ذاتيا لاحتياجاتها، يعينها على تثبيت تصميمها بالذهاب الى الحد الاقصى المراد، واستفادت دون ادنى شك من اجراءات التفلت من العقوبات الاقتصادية خاصة التي طبقتها ايران، وربما بتعاون مع روسيا في بعض المجالات.

هناك مروحة واسعة من الخيارات غير العسكرية مهيأة للاستخدام ضد روسيا، بيد ان نجاحها وفاعليتها يشترط تعاونا تاما وشاملا من الدول الاخرى لتطبيقها – والتي لم تبدِ اطرافا رئيسية فيها اي تأييد للرئيس اوباما باستطاعته الاستناد اليه، فضلا عن تداعيات فضائح التجسس الاميركية على كافة الدول ومسؤوليها التي تصنف من ضمن الحلفاء.

ومن بين تلك الدول، تبرز بريطانيا والتي يعتمد اقتصادها، في بعض تجلياته، على التسهيلات المصرفية في استقطاب الاستثمارات الاجنبية الهائلة. وارتأت لندن الرد عبر مؤسستها الاعلامية العريقة، بي بي سي، التي اوضحت ان الحكومة البريطانية تتفادى اكراهها بانزال عقوبات اقتصادية ضد روسيا. وقالت المؤسسة استنادا الى مذكرة حكومية رسمية انه "يتعين على المملكة المتحدة عدم دعم اجراءات العقوبات الاقتصادية للفترة الراهنة او اغلاق مركز لندن المصرفي امام الروس." وفي سعي الحكومة طمأنة حلفائها افادت الوثيقة انه ينبغي على "مجلس الوزراء دعم خطط الطواريء للاتحاد الاوروبي والعمل على توفير مصادر غاز بديلة لاوكرانيا" في حال اقدمت روسيا على وقف ضخ الغاز اليها.

في بند اجراءات التضييق على روسيا، اوضحت المذكرة ان المسؤولين البريطانيين ينظرون في فرض قيود على اصدار تأشيرات دخول للمسؤولين الروس للبلاد، اسوة بدول الاتحاد الاوروبي الاخرى، اذ تلقى تأييدا اميركيا.

من ضمن التدابير الاخرى يجري تداول الدول الغربية فيما بينها لاقصاء روسيا عن مجموعة الدول الصناعية الثمانية، جي-8، التي تتخطى الخطوة الراهنة المعلنة بمقاطعة دورة انعقاد المجموعة المقررة في روسيا في وقت لاحق من العام الجاري.

ولوحت الولايات المتحدة مرارا بنيتها تفعيل "قانون ماغنيتسكي" القاضي بفرض عقوبات فردية على شخصيات روسية، وقد يذهب ابعد من ذلك لاقصاء روسيا عن عضوية منظمة التجارة الدولية. اما التداعيات الحقيقية لهذا الاجراء فيغلب عليها عنصر الاثارة والهامشية لحمل روسيا على التراجع.

الحد من تبادل تقنية الطاقة الغربية مع روسيا قد تترك مفعولا ابعد من غيرها من الاجراءات، سيما وان الاقتصاد الروسي يستند الى حد بعيد على صادرات مصادر الطاقة من نفط وغاز الى الدول الاوروبية. بينما تعتمد روسيا على التقنية الغربية المتطورة لانتاج الطاقة والحفاظ على ارتفاع معدلاتها. يلوح في افق المدى المتوسط بوادر انفراج ووفرة في مصادر الطاقة العالمية، خاصة بعد اكتشاف احتياطي هائل من الغاز في البحر المتوسط ضمن المياه الاقليمية القبرصية، يعززه ارتفاع مخزون الطاقة في السوق الاميركية والتي قد تستطيع تصدير كميات كبيرة من الغاز الطبيعي لاوروبا.

وتعتقد الدوائر الغربية ان باستطاعتها مفاقمة ازمة نمو القوات العسكرية الروسية عبر تطبيق عقوبات اقتصادية مكثفة لابقاء الضغط قائما على روسيا امام نية الرئيس الروسي المضي قدما في تعزيز موطيء قدمه في شبه جزيرة القرم؛ وادراك موسكو الوافي ان اجراءات المقاطعة تتراجع فعاليتها مع تعاظم تردد الدول الاوروبية، لا سيما المانيا وبريطانيا وقد تنضم اليهما فرنسا ايضا.

كما يعتقد الغرب ان تعزيز اجراءات المقاطعة الاقتصادية ينبغي ان يجري بالتوازي مع تقديم الدعم لاوكرانيا. حزمة الدعم التي افصح عنها وزير الخارجية الاميركية، تقديم ضمانات للقروض بقيمة مليار دولار، ينقصها المصداقية وفعاليتها محدودة؛ سيما وان المؤسسات المانحة للقروض، صندوق النقد والبنك الدوليين، لديها شروط قاسية، فضلا عن ان الامر يستوجب موافقة من الكونغرس. كما عرضت الولايات المتحدة توفير طاقم فني واخصائي بالشؤون المالية لدعم اطقم البنك المركزي ووزارة المالية الاوكرانيين بالكفاءات البشرية واجراء تدريبات لطواقم تشرف على الانتخابات المقبلة المقرر عقدها في 25 أيار المقبل.

واوضحت وزارة المالية الاميركية، في بيان لها، استعدادها "لتوفير الدعم والتمويل المطلوب لاعانة القطاع الخاص في اوكرانيا ايجاد اسواق جديدة لبضائعه والتأقلم مع ضغوط عملية التبادل التجاري وتعزيز فعالية قطاع الطاقة، والمساعدة في تقليص الاعتماد على الغاز المستورد."

التعامل مع الازمة الاوكرانية قد يفرض على الولايات المتحدة بذل جهود اضافية للحد من المخاطر الامنية التي تواجه بولندا وجورجيا ودول بحر البلطيق ودول اوروبا الشرقية الاخرى التي كانت تدور في فلك الاتحاد السوفياتي. وهذا يتطلب منها اجراء مناورات عسكرية اضافية تحت اشراف حلف الناتو لدعم قواتها العسكرية مجتمعة لتتوفر لها القوة المطلوبة للتصدي للجيوش الروسية. خيار نشر نظم الدفاع الصاروخي في دول اوروبا الشرقية يعاد احياؤه ونفض الغبار عنه.

في ظل هذه المروحة من الخيارات والاجراءات ينبغي على الولايات المتحدة اعادة النظر بسياستها الافغانية، خاصة في بعد فرط اعتمادها على مساعدة روسيا لحماية خطوط الامداد الخلفية لقواتها، والتي تنذر ببقائها رهينة في ايدي الرئيس الروسي، ان قرر السير بذاك الاتجاه. وهددت روسيا الولايات المتحدة بنيتها بيع مستنداتها من اسهم الخزينة الاميركية، مما قد ينجم عنها رفع اسعار الفائدة في الاسواق الاميركية التي لم تتعافى من الهزات والتحديات المالية.

حماية المصالح الحيوية وممارسة القيادة من الخلف

تطورت مفاهيم العلاقات الدولية لدى الاستراتيجيين الاميركيين باعتقادهم ان الانماط السابقة المعتمدة فقدت قيمتها ولم تعد صالحة لادارة شؤون العالم، منها انشاء مناطق النفوذ، والسعي لاستبدالها بمفاهيم يطلق عليها "الاعتماد المتبادل" و "التعقيدات الكونية." اما الرئيس الروسي بوتين فيدرك ان اوكرانيا بما تمثله من ثقل جغرافي وسياسي ينبغي ان تبقى ضمن دائرة النفوذ الروسي، واثبت استعداده لترجمة ذلك جليا – الامر الذي كان مسلما به لدى المبتدئين في الديبلوماسية الاميركية منذ زمن طويل.

تشابك مفاهيم المصالح الوطنية بين الدول الاوروبية والولايات المتحدة يلقي ظلاله على العلاقات المشتركة بينها، سيما وان الجانب الاوروبي يعتبر ديمومة تدفق الغاز الروسي والاتجار مع روسيا امر يصب في صميم مصالحه الوطنية وليس الانحياز لاتخاذ موقف من اوكرانيا. اذ اشارت المانيا الى رغبتها في بقاء روسيا عضوا في مجموعة الدول الصناعية الثمانية، مع الاخذ بعين الاعتبار انها تستورد نحو 40% من احتياجاتها للطاقة من الغاز الروسي. الامر الذي حفز التكهنات حول قيام المستشارة الالمانية انغيلا ميركل بدور ديبلوماسي رئيسي لحل الازمة الاوكرانية.

سيدرك الطاقم الاميركي المحيط بالرئيس اوباما، ربما متأخرا، الترابط العضوي بين المصالح الوطنية والتبادل التجاري مع دول الجوار وتشبث المعنيين باولوية المصالح الوطنية على ما عداها من اهتمامات. وسيدرك ايضا ان اللجوء لتطبيق عقوبات اقتصادية ضد بلد ما لن يحول دون مضيه في الحفاظ على مصالحه الوطنية.

اشتهرت ادارة الرئيس اوباما باتباع نهج "تصدر موقع القيادة من الخلف" كاسلوب لادارة الازمات يدفع بطرف قريب منها الى الواجهة، وما قد ينجم عنه من فراغ سياسي نظرا لعدم توفر الارادة عندها لاتخاذ قرار يخص منطقة ما. الدول الاخرى الصاعدة، مثل روسيا والصين وايران وكوريا الشمالية، استغلت ثغرات الاستراتيجية الاميركية لتعزيز مواقعها على المشهد الدولي.

تاريخ الكيان السياسي الاميركي يشهد على اقصاء عامل السياسة الخارجية وتقلباتها من حسم نتائج الانتخابات. الاستثناء الثابت خص الرئيس جيمي كارتر، بعد تلقيه سلسلة هزائم امام ايران وافغانستان، نهاية عقد السبعينيات، واسهم في خسارته انتخابات اعادة ترشيحه لولاية رئاسية ثانية. اما انخراط الولايات المتحدة في حربي افغانستان والعراق، والان مثول الازمة الاوكرانية برفقة البرنامج النووي الايراني والاضطرابات في مصر وتوسع الصين في محيطها الاقليمي، شكلت عوامل ضاغطة على سياسات الرئيس اوباما امام الجمهور الاميركي. تردد الادارة في ملفات عدة، خاصة في تهديدها السابق لسورية وتراجعها عن عدوانها قبيل لحظة الانفجار، شكل مؤشرات قوية لعدد من القوى الدولية الساعية لتوسيع دوائر نفوذها لادراك تردد الرئيس في اتخاذ قرارات حاسمة.

الازمة الاوكرانية والميل لتوتير العلاقات الاميركية مع روسيا قد تترك تداعياتها على الارث السياسي للرئيس اوباما بخلاف الرواية التي ارادها وسعى بدأب وثبات لتحقيقها. اذ تستمر استطلاعات الرأي والتوجه العام للناخب الاميركي في الاشارة الى تدني شعبية الرئيس الاميركي، التي انحدرت الاسبوع الماضي الى نسبة 33% لادائه في مجال السياسة الخارجية. يدرك الرئيس اوباما ما يتعين عليه القيام به لتعزيز مكانته في المشهد الاميركي واستعادة زمام المبادرة. كلفة الاخفاق باهظة التكلفة بالنسبة له شخصيا وتحيله الى قضاء ما تبقى من ولايته الرئاسية في اجواء مضطربة. بل قد تثبت الازمة الاوكرانية انها اخف العوامل التي يواجهها الرئيس اوباما وحيز المناورة السياسية الذي يضيق باضطراد.