الجعفري للميادين نت: مؤشرات على تحوّل نحو مواجهة شاملة للإرهاب ورعاته في المنطقة

مندوب سورية الدائم لدى الأمم المتحدة بشار الجعفري يرى في مقابلة مع الميادين نت أن "رعاية السعودية للمركز الدولي لمكافحة الإرهاب من كبريات الفضائح في منظومة الأمم المتحدة"، مؤكداً أن كل من يرفض الحلّ السياسي السلمي والحوار بين السوريين بقيادة سورية لا مكان

من الصعب على الأمين العام للأمم المتحدة أن يحاور السعودية في الكويت ويطلب منها مساندة مادية في عمليات الإغاثة الدولية، وفي الوقت نفسه يستجيب للأدلة والقرائن التي يتبلغها رسمياً وإعلامياً من سورية والعراق وغيرهما حول إستخدام السعودية سلاحاً لتغيير الأوضاع إقليمياً ودولياً.

وبان كي مون يتعامل عادة في السياسة بأعين أميركية. في اجتماعاته في بغداد مع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي مثلاً إطلع بان على الأدلة العراقية التي تشير إلى "تورط السعودية في ممارسة الإرهاب" على الساحة العراقية وعبرها. بعد الاجتماع اكتفى الأمين العام بالتشديد على ضرورة توحد الحكومة والشعب في العراق على معالجة الإرهاب مضيفاً أنه "على الحكومات الإقليمية والمجتمع الدولي بأسره العمل معاً. كما ستواصل الأمم المتحدة من خلال استراتيجية مكافحة الإرهاب التي تبنتها الجمعية العامة العمل بشكل وثيق مع الدول المعنية، لا سيما في هذه الحالة مع حكومة العراق". 

هذه التأكيدات والتطمينات الأممية ترى دمشق أنها متناقضة مع ما أقدم عليه الأمين العام حين جعل السعودية أمينة على مكافحة الإرهاب من خلال تأسيس مركز دولي في نيويورك لمكافحة الإرهاب دفعت الرياض منفردة مبلغ عشرة ملايين دولار لتأسيسه وأتبعته مؤخراً بمبلغ مئة مليون دولار. كل ذلك دفع من خارج ميزانية الأمم المتحدة علماً أن هذا الأمر يندرج وفق القانون في بند تضارب المصالح ويصنف في خانة "الفساد وقلة الشفافية". 

وترتكز استراتيجية الأمم المتحدة في مكافحة الإرهاب على قرارات صدرت عن الأمم المتحدة، كقرار مجلس الأمن ١٢٧٦ الصادر عام 1999 الخاص بتنظيم طالبان والقرار ١٣٧٣ الخاص بمكافحة الإرهاب، والقرار ١٦٢٤ الذي اعتمد على مستوى رؤساء الدول والحكومات في جلسة خاصة والذي يمنع التحريض على الإرهاب ويطالب الدول الأعضاء باعتماد نص قانوني يحظر التحريض.

مندوب سورية الدائم لدى الأمم المتحدة بشار الجعفري أثار هذا الأمر مراراً مع الأمانة العامة للأمم المتحدة. وهو يأخذ عليها "هذا العيب المفضوح". وقال إنه "زار جيفري فلتمان، وكيل الأمين العام للشؤون السياسية مؤخراً وتشاور معه حول أسلوب تفعيل رسائله الكثيرة التي تظهر تورط السعودية المكشوف بدعم الإرهاب والتحريض عليه، في إطار القوانين الدولية بعد ضبط وقتل مئات المسلحين السعوديين على الأراضي السورية". ولفت نظر فيلتمان إلى "أن الأمر يخضع لمسؤولياته بموجب تفويض منحته إياه الجمعية العامة للأمم المتحدة".

الجعفري أوضح في مقابلة مع الميادين نت أن "هناك ما يسمى CTITF وهي قوة العمل المتخصصة بمكافحة الإرهاب وتطبيق إستراتيجية الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب التي إعتمدت عام ٢٠٠٦. هذه القوة تابعة للجمعية العامة، لكن الذي يتابعها هي الأمانة العامة" مضيفاً أنه "من ضمن الرسائل والتحركات التي قمنا بها طلبنا من فيلتمان، وهو المعني مباشرة بالإشراف على فريق العمل المخصص لتنفيذ الاستراتيجية الشاملة لمكافحة الإرهاب، أن يتدخل لدى السعوديين والقطريين والأتراك لمنعهم من التحريض على الإرهاب في سورية".

كيف والحال هذه تنظر سورية إلى رعاية السعودية للمركز الدولي لمكافحة الإرهاب؟

يصف الجعفري هذه الرعاية بأنها "من كبريات الفضائح في منظومة الأمم المتحدة" معتبراً أن "الأمين العام قبل أن يكون شريكاً في السماح للنظام السعودي أن يروج للرأي العام العالمي كذباً ونفاقاً وبهتاناً وزوراً أن هذا مركز لمكافحة الإرهاب". وأضاف "لا يمكن للسعودي أن ينخرط في عمل دولي متعدد الأطراف لمكافحة الإرهاب وهو في الوقت نفسه يرسل الإرهابيين إلى سورية ومنخرط في الإرهاب في أفغانستان والعراق ومالي، وسابقاً في الجزائر ونيجيريا والنيجر".

وتابع الجعفري "هذه المسائل أساسها واحد. كما نقول أن للإرهاب جذوراً، نقول الآن أن الإرهاب التكفيري الأصولي الوهابي جذوره سعودية. وهذا الكلام لم يعد سراً". 

في ظل هذا الواقع فإن سورية تؤسس لدى الأمم المتحدة لملاحقة السعودية وتركيا وقطر قضائياً من خلال مئات الوثائق والرسائل التي تودعها. رسائل ووثائق سيأتي توظيفها في الوقت المناسب بحسب الجعفري الذي يوضح أن من بين مجموعة الرسائل المهمة للأمين العام ولمجلس الأمن الدولي "رسالة تتضمن أسماء ٧٢ شيخاً تضليلياً تكفيرياً يدعون إلى الجهاد في سورية ويدعون للتحريض على الإرهاب علناً. وقبل ذلك جرى إرسال أسماء ١٧٣ سعودياً قتلوا في سورية. وقائمة أخرى تتضمن ٣٠٠ اسم لسعوديين آخرين قتلوا في سورية أيضاً". وقال الجعفري "قبل فترة أرسلنا رسالة عن كيفية تعاون المخابرات السعودية مع التركية لإدخال القاعدة من اليمن إلى سورية" لافتاً إلى دخول "٥٢٠ عنصراً من تنظيم القاعدة في اليمن إلى سورية عبر تركيا من قبل الإستخبارات السعودية". 

كلام الجعفري يتزامن مع تنامي القلق في في الولايات المتحدة والغرب من عودة المقاتلين إلى الدول الغربية لكي تتحول إلى خلايا تحركها رموز على هاتف أو في رسائل الكترونية. وإلى جانب الرسائل السورية التي تبلغ عن المحرضين والممولين والمساندين والمسلحين للإرهاب نقلت وسائل الإعلام الأميركية والأوروبية الكبرى "تقارير تتحدث عن تورط السعودية حتى في مركز إعادة تأهيل الإرهابيين السابقين بإرسالهم للقتال في سورية. مركز لطالما روجت الأمم المتحدة له على أنه نموذج لمحاربة الفكر الإرهابي" بحسب ما ورد مطلع الأسبوع الماضي على الصفحة الأولى من صحيفة "نيويورك تايمز". الصحيفة نفسها كانت نقلت أيضاً عن المباحث الإتحادية الأميركية خشيتها من عودة الإرهابيين من سورية ليعبثوا بالأمن الأميركي.

لا يمكن لأي دولة أن تجلس على طاولة جنيف من دون أن تكون ملتزمة بوقف العنف

ومع تنامى القلق في في الولايات المتحدة والغرب من عودة المقاتلين إلى الدول الغربية لكي تتحول إلى خلايا تحركها رموز على هاتف أو في رسائل الكترونية، فإنه إلى جانب الرسائل السورية التي تبلغ عن المحرضين والممولين والمساندين والمسلحين للإرهاب نقلت وسائل الإعلام الأميركية والأوروبية الكبرى "تقارير تتحدث عن تورط السعودية حتى في مركز إعادة تأهيل الإرهابيين السابقين بإرسالهم للقتال في سورية. مركز لطالما روجت الأمم المتحدة له على أنه نموذج لمحاربة الفكر الإرهابي" بحسب ما ورد مطلع الأسبوع الماضي على الصفحة الأولى من صحيفة "نيويورك تايمز". الصحيفة نفسها كانت نقلت أيضاً عن المباحث الإتحادية الأميركية خشيتها من عودة الإرهابيين من سورية ليعبثوا بالأمن الأميركي.

يؤكد الجعفري أن "تورط السعودية مثبت ويبدأ من تصريح وزير الخارجية السعودي نفسه في القاهرة مرتين بأن السعودية تسلح المعارضة". ويشير إلى أنه "يوم الجمعة الماضي شهد مقتل تسعة من داعش على يد الجيش السوري بينهم 5 سعوديين" مضيفاً أن "هناك مئات إن لم يكن آلاف السعوديين ممن يقاتلون في صفوف جبهة النصرة والجبهة التي يسمونها الجبهة الإسلامية". واتهم المندوب السوري الدائم لدى الأمم المتحدة "المنظومة السعودية الحاكمة والمنظومة السعودية الوهابية التكفيرية بالانخراط في التحريض على الإرهاب وارتكاب المذابح في سورية" معتبراً أن "هذه المسألة باتت تعنى أساسا مجلس الأمن والأمين العام للأمم المتحدة". 

إذا كانت روسيا والولايات المتحدة تخشيان خطر إنتقال الإرهاب إليهما من سورية والعراق بتمويل سعودي فهل يمكن توقع أن يحدث تعاون بعد جنيف 2 بين موسكو وواشنطن ينعكس على قرارات الأمم المتحدة ويؤدي إلى تفعيل القرارات الدولية بعكس رغبة السعودية؟

يردّ الجعفري "الجانب الروسي متفهم للموضوع تماماً وهو يعرف خطورة الإرهاب خاصة بعد العمل الإرهابي الذي ضرب روسيا مؤخراً. أما الجانب الأميركي فلا أعتقد أنه نضج بما فيه الكفاية لكي يعرف خطورة اللعب في هذا الموضوع" معتبراً أن "هذه مفارقة عجيبة في الحقيقة، بعد تجربة الأميركيين في أفغانستان وفي العراق وأماكن أخرى، حيث من المفروض أن يكونوا أول المتنبهين إلى خطورة هذه المسألة". وقال الجعفري "إستغرق الأمر بالنسبة للأميركيين حوالى ٣ سنوات لكي تخرج "نيويورك تايمز" بمقال يقول إن "أف بي آي" قلقة جداً من عودة الجهاديين الأميركيين من سورية وإمكانية أن يشكلوا خلايا نائمة ومن ثم يقومون بارتكاب مذابح ومجازر داخل الولايات المتحدة الأميركية" مذكراً "قلنا للجميع بأن هذا ما سيحدث. اللعب بالإرهاب سلاح خطر جداً خاصة عندما يكون لغايات سياسية". 

ربما تكون الولايات المتحدة لم تتعلم بعد 11 أيلول أن الرقص مع الذئاب لا يعني بالضرورة النجاة من خطر أنيابها ومخالبها. وقد تكون المراجعة تسير بالتدرج بغية تحقيق الغاية القصوى من نشاط التنظيمات الإرهابية مثل داعش والنصرة ومشتقات القاعدة الأخرى في الملفات السورية والإقليمية قبل جنيف إثنين وأثناءه. ودعم واشنطن بالسلاح، وكذلك دعم الأمين العام للأمم المتحدة ومعه مجلس الأمن الدولي لبيانات تؤيد خطة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي في محافظة الأنبار مؤشر على بدء التحول نحو مكافحة شاملة للإرهاب ورعاته في المنطقة. الأيام المقبلة قد تكشف الكثير. والكل ينتظر الآن نتائج الصراع بين قوى المعارضة.

لكن ماذا لو خرج تنظيم داعش أصلب عودا من المعركة؟ عندها هل يبقى مكان لجنيف؟

يقول الجعفري، "لا يمكن أن يستقيم الوضع بالنسبة لإنجاح العوامل الضرورية بالنسبة لمؤتمر جنيف ما لم يكن هناك توافق دولي للحاضرين في مؤتمر جنيف على وقف الإرهاب ومكافحته. أنت لا تستطيع أن تتحدث عن حل سلمي سياسي سوري بين السوريين أنفسهم وبقيادة سورية وبرعاية دولية وبضمانات دولية من دون إيقاف هذا النهر من الإجرام والقتل والإرهاب الرخيص الأعمى الذي أضحى الجميع يمجه ويرفضه في كل العالم". 

ويتساءل، "من يستطيع أن يفرض على الجماعات المسلحة المختلفة الموارد والولاءات وقف القتال والإمتثال لقرارات؟ وماذا تستطيع السعودية وقطر وتركيا تقديمه في المؤتمر طالما أنها لم تسلم بأن إنتصارها في سورية بات سراباً؟" على حد تعبيره. 

ويضيف الجعفري، أنه "لا يمكن لأي دولة أن تجلس على طاولة جنيف من دون أن تكون ملتزمة أساساً بوقف العنف، وهذه هي المادة الأولى في خطة كوفي عنان والمادة الأولى عند الأخضر الإبراهيمي والمادة الأولي في إتفاقية جنيف 1، والمادة الأولى في طاولة الحوار في جنيف ٢" مشدداً أنه "إذا لم يتوقف العنف والإرهاب لا معنى للحوار السياسي. هذه النقطة يبدو أن بعض الأطراف لم تفهمها بعد". 

لا يغيب عن الدول الكبرى وحتى الدول الإقليمية أن تنظيمات كداعش وجبهة النصرة ليست في وارد بناء دولة ديموقراطية في سورية. أما ما يعرف بـ"الجبهة الإسلامية" فيرى الجعفري أن الذي اخترعها هو "بندر بن سلطان وشقيقه والاستخبارات السعودية" متسائلاً "كيف يمكن لهؤلاء أن يجلسوا على طاولة الحوار ويدعوا أنهم يمثلون الشعب السوري وهم يتقاتلون في ما بينهم ويذبحون بعضهم البعض". وفي هذا الإطار يكشف الدبلوماسي السوري أن "دمشق طلبت إدراج الجبهة الإسلامية على قائمة الكيانات الراعية للإرهاب".

وفق هذه المعادلة "كل من يرفض الحلّ السياسي السلمي والحوار بين السوريين بقيادة سورية لا مكان له على طاولة الحوار" يقول الجعفري. وهو يؤكد أن هذا "رأي جماعي دولي" وبالتالي "في حال مراهنة طرف على إعطاء إحدى هذه التجمعات دوراً، فإنه لن ينجح لأن الأغلبية الساحقة من الحاضرين تقر وتعترف بأن تلك التجمعات إرهابية. وهي لا تريد أن تذهب إلى جنيف وترفض الحل السياسي وتقول إنها تريد حلاً عسكرياً دموياً يدمر الأخضر واليابس في البلاد من أجل تحقيق أهداف وهمية. لا يمكن أن تنجح في سورية أو في دولة أخرى". وحسب رأيه فإن الدول الأعضاء في الأمم المتحدة باتت تخشى من تفشي الإرهاب في كل مكان.