خيوط اللعبة: انفجار الشرق الأوسط والإنتصارات الإفتراضية

يجري الأستاذ سامي كليب في زاويته "خيوط اللعبة" في جريدة "الأخبار" اللبنانية، جولة أفق شاملة لحال العالم العربي، معتبراً أن الشرق الأوسط بصيغته المستندة إلى سايكس ـــ بيكو انتهى، وفتحت الأبواب لتقسيمات جديدة ترسمها مصالح الدول والأمم.

 اسرائيل أبرز الرابحين من التفكك العربي

سامي كليب- صحيفة الأخبار اللبنانية: انتهت الأوهام. عاد العرب إلى أقدم عاداتهم. استأنفوا تاريخ الغزوات القبلية. لا شيء نفع في خلال نصف قرن من التجارب. لا القومية، ولا اليسار، ولا الحلم الناصري ولا المغامرات الوحدوية، ولا الإسلاموية المعتدلة، ولا الثورات العابرة، ولا الربيع الذي انطفأ قبل ان يزهر. عادت العروبة تستل السيوف وتسحب الخناجر من الأغماد. عاد العرب يتبادلون تقطيع الرؤوس وأساليب السبي وغنائم الحرب.

بين دول فاشلة وأخرى عاجزة وثالثة خائفة، ما عادت في الشرق دولة تستحق اسم الدولة. تفككّت الدول المركزية، أو انها متجهة نحو التفكك. انزلقت كل القيم المجتمعية إلى أتون التباغض أو التناحر المذهبي. غابت الفروق بين ملكيات وإمارات وجمهوريات. إمّحت التباينات بين النماذج الاقتصادية. غرقت الشعوب في عدوى ثورات بلا مشاريع. صارت الثورات والأنظمة أو ما بقي من الأنظمة تنشد ودّ الخارج والأجنبي ليرسخ ثورة أو ينقذ نظاماً.

هي نهاية أحلام عربية دغدغت أجيالاً في مراحل مختلفة، لا بل هي نهاية وطن عربي صار أوطانا وأقاليم وفدراليات، تمهد لصراعات مقبلة مرشحة للتفاقم عقوداً طويلة.

انتصرت دول وأمم وهزم العرب لإن الإنتصارات تحققت بدم العرب وعلى أرضهم. أي عربي يستطيع أن يدعي اليوم انتصارا طالما أن معظمهم يدرك أن مستقبل هذا الوطن بات رهنا بطبيعة التفاهم الإيراني الغربي، أو بمستقبل التقارب الروسي الأميركي؟ من يستطيع منهم إدعاء الإنتصار طالما أن أحلام الإستقلال والسيادة والقرار المستقل انتهت إلى حلم كسب رضى ودعم دول أجنبية؟ من يدعي الإنتصار اذا كان المشروع الوحيد لمستقبل هذا الوطن العربي هو مكافحة الإرهاب بقيادة دول أجنبية؟

تفكك العراق. دمرت سورية. انفصل جنوب السودان. قد ينفصل أيضا جنوب اليمن. انزلقت مصر الى فخ الإقتتال الداخلي. صار فيها الفلسطيني مشتبهاً فيه حتى يثبت العكس. غرقت حركة حماس في أتون الصراعات العربية. صارت مشتبهاً فيها في معظم الدول التي احتضنتها سابقاً. بات محوها عن الخريطة أسهل من السابق. غرق أيضا حزب الله. نزعات الإنفصال تضرب ليبيا. كل هذه الدول والحركات والأحزاب أسهمت في الحرب على اسرائيل، او على الأقل في دعم الفلسطينيين. كاد بعضها يؤسس جدياً لتوازن الرعب مع اسرائيل. بعد اكثر من نصف قرن تبدو اسرائيل أبرز الرابحين من التفكك العربي والتباغض المذهبي وتفكك الدول.

سيقول المتفائلون إن قتال حزب الله في سورية أقلق اسرائيل. صار قادتها يأخذون بعين الاعتبار خبرة الحزب في القتال على أرض غير أرضه. صاروا يقلقون أيضاً من تقارب الخبرات القتالية بين الحزب والجيش السوري وايران. هذا صحيح، لكن الصحيح أيضا أن الفتنة المذهبية التي استشرت في جسد الوطن العربي شوهت كثيرا صورة الحزب وحلفائه.

كل ما تقدم خطير، لكن الأخطر هو انتهاء الثورات العربية إلى منزلقات التقاتل والتذابح والإغتيالات والإرتماء في أحضان الغرب. كل ما تقدم خطير، لكن الأخطر هو فقدان المعارضات أسباب بقائها بعدما سقطت في فخ واوهام السلطات، فتنافرت وتقاتلت، وكادت تنسى لأجل ماذا قامت.

استشهدالربيع العربي قبل ان يزهر. غداً سيعود الغرب إلى التحالف مع الجيوش. لا بد من جيوش قوية في سورية ومصر والعراق وتركيا والأردن وتونس وليبيا واليمن لدرء خطر الإرهاب. لم تعد الديمقراطيات والحريات أولوية.

التاريخ يعيد نفسه. قبل نحو نصف قرن نجح قادة عسكريون في الوصول إلى السلطات. بعضهم وصل بدعم خارجي. بعضهم الآخر استقر بفضل هذا الدعم. الآن تقاربت المصالح. حصل التلاقي بين الدول الاجنبية والجيوش العربية في ضرب الإرهاب. أثبتت المجتمعات العربية انها غير قادرة على انتاج نخب حاملة مشاريع ثورية جاذبة. بعض العرب استنبط صورة الزعيم جمال عبد الناصر بشخص الفريق عبد الفتاح السيسي. بعضهم الآخر نظر الى فلاديمير بوتين كمنقذ العصر. بعضهم الثالث عاد يقف خلف الجيش السوري لحمايته من غزوات القبائل والدواعش والمتطرفين والنصرة والإرهابيين. بعضهم الرابع وجد في الممالك والامارات المفتقرة أصلا إلى الدساتير سبباً لاستقرار استمر في مقابل جمهوريات إنهارت. إنهارت لانها جمهوريات افتراضية اثمرت ثورات عابرة أكلت أبناءها بسرعة لافتة.

بات المستقبل معروفا تماماً. ما عادت دولة عربية واحدة قادرة على الإستمرار دون دعم خارجي. سيتفنن الخارج في رسم حدود جديدة بديلة لتلك التي رسمها الفرنسي جورج بيكو والبريطاني مارك سايكس، والتي عرفت باتفاقية سايكس بيكو، وقسمّت جزءاً اساسياً من الوطن العربي.

حتى فرنسا التي نجحت أميركا في تقليم دورها في هذا الوطن خلال العقود الماضية تعود إلى أحلام أداء دور كبير في الجسد المفكك. يذهب رئيسها فرانسوا هولاند إلى السعودية عارضاً ان يكون حليفا بديلاً للأميركي. خذل الحليف الأميركي شريكه السعودي. خذله بعد أكثر من قرن من التفاهم. قرر التقارب مع ايران. لن ينجو الخليج من مستقبل هذا التقارب. لا بد من تغيير أنظمة وتعديل بعض أنماط الحكم. صد الخليج رياح الإخوان المسلمين فجاءته عواصف التفاهم الإيراني الغربي.

انتهى الشرق الأوسط بصيغته المستندة إلى سايكس ـــ بيكو. فتحت الأبواب لتقسيمات جديدة ترسمها مصالح الدول والأمم. ستدفع الشعوب العربية ثمن هذه المصالح. كلّ ما دون ذلك هو مجرد انتصارات وهمية. الجميع مهزوم حتى لو اختلفت نسب الهزيمة.