إسرائيل تغنّي فيروز ..."سألوني الناس" عن تراثنا الذي ينهب

منذ قيام إسرائيل ككيان عنصري في فلسطين وهي تعمل على لملمة ما أمكنها من معالم الفن والثقافة في أقطارنا العربية وتوظيفها في خدمة ثقافة خاصة تشهرها أمام العالم كجزء من تاريخها غير الموجود أصلاً، لكن ماكينة الدعاية والديماغوجية التي تعتمدها في السياسة لقلب الحقائق، هي نفسها أداتها في الفن والثقافة، حيث تدفع بالأكاذيب إلى الصدارة بغية تحويلها إلى ثوابت دامغة، تستند إليها في كل مرة يطرح موضوع الخلفية التاريخية لحضور اليهود في هذه المنطقة من العالم.

الفنانة الإسرائيلية التي سرقت أغنية "سألوني الناس" لفيروز
الفنانة الإسرائيلية التي سرقت أغنية "سألوني الناس" لفيروز
بعد الوثائق المزورة، والمرجعيات التاريخية غير المسندة، والشهادات المشكوك في صحتها، ضربت إسرائيل على وتر حساس معاصر تضرب عليه منذ إغتصابها فلسطين، وإمتداداً حتى أمس القريب. الإرث الغنائي الموسيقي والكلمات العربية التي نعتمدها منذ عشرات السنين، ونحفظها عن ظهر قلب، أولاً كأمة فكر وأدب وشعر، ثم ما تربينا عليه من مجد غنائي أكثر من موسيقي، وهو ما تركز عليه في محاولتها مشاركتنا هذا التاريخ، من بابين تبدو معهما بريئة من دم السرقات والجرائم بحق رواد من عندنا كانوا السباقين لتسجيل أهداف في مرمى الذوق والتذوق الفني والنغمي والأدبي طوال قرون: الأول نسبة ما يحصل من تطاول على تراثنا إلى اليهود الشرقيين الوافدين من عدة عواصم عربية والذين حملوا معهم ما أحبوه من نتاج كبارنا ووظفوه لإمتاع عائلاتهم، والثاني الرغبة في تجميع أكبر عدد من الموروث الغنائي لزيادة الكمية المطلوبة للفوز بتراث يهودي خاص يتباهون به عالمياً رغم كونه مسروقاً من العرب.

وتستغل المرجعيات الإسرائيلية الغياب التام لأي محاسبة داخلية، أو لأي سلطة خارجية تستطيع الردع، وكبح جماح التطاول العلني من خلال الجهر بأن الأغنية التي يؤديها واحد من الفنانين اليهود أمثال (يوسي شوعا، داهي دهان، يوهاف يتسحاق، ديفيد درعي كايلان حدّاش، آفي غولان، زوهر أرجوف، زهافا بن، ريتا، آفي ليخشتاين، بني كايسي) هي من كلمات فلان وألحان فلان، ومع ذلك الأغنية مسجلة باللغة العبرية وتباع علناً في الأسواق كأنها إنتاج محلي خاص لا يتجاوز أحداً، بدليل أن أحداً من عالمنا العربي لم يتقدّم بشكوى سرقة نتاجه إلى أي مرجعية حقوق فكرية وإبداعية في العالم، خصوصاً الساسام المنظمة الدولية العريقة والمعروفة جيداً في أوساط المنتجين والفنانين، ويدّعي بعضهم أن عدم وجود علاقات دبلوماسية مع إسرائيل يمنع الفنانين المتضررين أو ورثتهم من المطالبة قانونياً بحقوقهم ، وهم يتناسون أن لمصر علاقات كاملة معها ومع ذلك لا دعاوى بل من يحزنون، وربما لا لأنهم يسعدون برواج أغنياتهم على هذا النطاق.

ليس الفنانون وحدهم من يتغاضون، بل إن الجمهور العربي يفعل أكثر من ذلك، فهناك برنامج في الإذاعة الإسرائيلية خاص بالأغاني العبرية يقدمه شفيق سلمان، يشهد نسبة إستماع عربية عالية تصل الذروة مع طلبات لا تتوقف لسماع أغنيات عربية بأصوات يهودية مضافاً إلى ذلك طلبات بالجملة للحصول على صورهم موقّعة من الفنانين شخصياً. فأين الخلل إذن؟؟
نعم الفنانون يصرّحون في لقاءاتهم القليلة بأن هناك عمليات قرصنة يتعرضون لها وعلى المسؤولين في وزارات الثقافة العربية التحرك لضبط الوضع وملاحقة الفنانين القراصنة في إسرائيل. طبعاً هذا الموضوع يحتاج للفنان العربي صاحب المنتوج الفني أن يرفع دعوى لدى الساسام ومقرها باريس التي تعنى بحقوق الفنانين المنتسبين إليها والدفاع عنهم بعدة طرق قانونية. ونتذكر أن الساسام منعت قبل سنوات واحدة من أحلى الأغنيات الأسبانية ترجمت إلى العربية وغناها الفنان المحترم غسان صليبا، ونعطي هذا المثل للإشارة إلى أن المنظمة الدولية هذه يدها طويلة وقادرة على النيل من اي كان في أي مكان.

وإذ تشير المتابعات والإحصاءات إلى أن أغاني وألحان الموسيقار فريد الأطرش هي الأكثر قرصنة بين كبار نجوم العصر الذهبي للأغنية العربية، فإن الوضع الميداني يدل على أن كل النتاج العربي مستهدف بقوة، وللمشكك أن يعبر في سوق هكرمل الشعبي في تل أبيب ليسمع أغان بالجملة لمطربين يهود إما ترجموا الكلمات العربية إلى العبرية أو إستخدموا الموسيقى فقط وإختاروا لها مقاطع من التوراة ، أو من مناخات إسرائيلية خاصة، وتعزى الأسباب دائماً في هذه الصور المسموعة إلى اليهود الذين وفدوا من مصر، والعراق، واليمن، وغيرها من المحيط العربي.

وليست العربية اللغة الوحيدة التي يسطو عليها اليهود، بل إن الفارسية مفضلة أيضا عندهم خصوصاً عند الذين جاؤا من إيران ومنهم الرئيس الإسرائيلي موشي كاتسيف (زوّج إبنته ورقص مهعا على إيقاعات فارسية) ورئيس هيئة الأركان في الجيش شاؤول موفاز، وهي صورة تبرر الكلام الإسرائيلي عن الدول التي جاء منها اليهود.
الحل لا يبدو متاحاً، لأن هذه الأجواء حاضرة منذ إغتصاب فلسطين، ولا همّة عربية للوقوف بوجهها، بما يعني أن القديم على قدمه.