"ستاتيكو" الجحيم هم الآخرون

لا نقاش حول كلام الفيلسوف الفرنسي "جان بول سارتر"(توفي عام 1980 ): "الجحيم هم الآخرون"، لكن ماذا عن موقف الفيلسوف الألماني التشاؤمي "آرثر شوبنهاور"(توفي عام 1860)القائل "إن حياة الوحدة هي مصير كل الأرواح العظيمة"، إنهما يلتقيان عند الدعوة لعيش الإنسان بعيداً عن الآخر، وهذا ما يناقشه السوريان المخرج "جمال شقير" والكاتب "شادي دويعر" في مسرحيتهما "ستاتيكو" التي إستقبلتها خشبة مسرح المدينة في عرضين ليلتي 27 و 28 تشرين الأول/أكتوبر، قبل أن تغادر إلى دمشق.

عمل بالغ الفرادة، من قصة بسيطة لرجل يائس بالكامل من الحياة ومصاعبها يريد الإنتحار، إلى دخول إمرأة على الخط غيّرت قراره وبدأ يرى الحياة أفضل من تركها، لكن رصاصة خاطئة من مسدسه أردته جثة هامدة. لا تدّعي المسرحية شيئاً ، إن لها سياقاً سوداوياً في إطار كوميدي، وعبر الجمع بين المتناقضين تولد لمعة العمل الذي يشرقط بالمعاني والدلالات الموحية جميعها بالضغوط الحياتية التي تتحكّم بالإنسان السوري الذي يعاصر منذ سنوات حرباً واسعة ومتشعبة على بلده، أنتجت إحباطاً في يوميات المواطن العادي، وها نحن أمام "حكم"(الممثل سامر عمران) وحيداً في منزله يتحضر لتسجيل وصيته قبل إطلاق رصاصة الرحمة وتفجير رأسه، لكي يرتاح من الدنيا ومن فيها من كل الناس الذين ما عاد قادراً على تحملهم.

فجأة يطرق جاره(محمد حيدر حمادة) الباب طالباً منه "بصلة" فأخذها وخرج، ثم طُرق الباب بقوة وإذا بالصبية "أمل"(نوّار أحمد يوسف) تقتحم الصالون مرعوبة لقد كانت عند جاره عندما وصل ذووه، وهاهي تحمل فردة من حذائها، والثانية كان على الجار الكثير الغلبة إحضارها، وفي الوقت الذي إستغرقه لتحقيق هذا الأمر كانت الكيمياء البشرية فعلت فعلها بين "حكم" و"أمل"مما بدّل في مزاج الإنتحار عند حكم، رغبة في التواصل مع "أمل"، لكن الرياح تجري بما لا تشتهي السفن، يعود الجار ويرى المسدس على الطاولة ويحمله بطريقة لاهية لتنطلق منه رصاصة تقتل "حكيم" ويتحول مجرى الأحداث عكس ما خطط له الراحل الذي قدم البراءة للجار من خلال التسجيل الصوتي الذي يعلن فيه إنتحاره يأساً من الحياة والناس.
"إذا كان هناك سبب للموت هناك أسباب عديدة للحياة". نعم هي عبارة بالغة الدلالة على معنى وجودنا كآدميين فوق هذا الكوكب. ثلاث شخصيات كانت كافية لتوصيل الصور المقصودة، وتشكيل المعنى الحيوي للحياة في وجه الموت، و"حكم"أسقط الشعرة التي تفصل بين العبقرية والجنون، إنه الرجل الذي يقول كلاماً سليماً، يتأنق ويتفاعل مع الحياة، لكن الظروف ظلمته ودفعته إلى الجنون بحيث شهر مسدسه لوضع حد لحياته، ويظهر "الآخرون" مثل الجار، والذين يستمعون إلى الموسيقى بأعلى صوت ممكن، إضافة إلى كل النماذج السلبية التي يزخر بها المجتمع خصوصاً في زمن الحروب والنزاعات، كلهم عنصر واحد محفّز على تفضيل الموت بدل العيش ضمن منظومة الإحباطات الكثيرة في يوميات الناس.
"ستاتيكو" أمتعتنا فنياً في 65 دقيقة. كانت شعلة متقدة بالمعاني والصور الواقعية، الممثلون رائعون، الإخراج ذكي وبارع وازن ما بين حضور ممثليه، والديكور المعبر، مع وجود لوحة "غارنيكا" للعبقري "بابلو بيكاسو" التي أوحت بأن "حكيم" مثقف نخبوي وقراره بالإنتحار لم يكن عبثاً وجهلاً،واللوحة التي رسمها بيكاسو عام 1937 جاءت تعبيراً عن المجزرة النازية التي إرتكبها الطيران الألماني ضد قرية "غارنيكا" بطلب من الجنرال "فرانكو" قبل إندلاع الحرب العالمية الثانية.