بوشناق في "شقيف 2018": ساعتان من المتعة السمعية والبصرية

سهرة الفنان التونسي المميز "لطفي بوشناق" في قلعة الشقيف ليلة السبت في 28 تموز/يوليو 2018 هي من بين أهم الليالي المهرجانية التي واكبناها في صيف لبنان 2018، لا يُنافسها في عنصر الإبداع والدهشة إلاّ الليلة الأسطورية للمطربة "جوليا" في صور. هذا يعني أن عودة مهرجانات صور الدولية إلى الساحة جعلها تأخذ سريعاً مكانها في المقدّمة مع الثلاثي العريق (بعلبك، بيت الدين، بيبلوس) خصوصاً وأن فكرة إقامة فعالياتها هذا العام في القلعة الأجمل والتي تحمل معنى صمود الجنوبيين في وجه إسرائيل ودحر قواتها، شكّلت لفتة تكريم لكل التضحيات التي بذلت لتحرير الأرض، وضمان حياة آمنة لكل المقيمين فيها.

حضور آسر، لفنان في أواسط الستين من عمره، يختزن تجربة موسيقية غنائية بحثية ومتعمقة في أصالة التراث العربي وجذوره الضاربة في أعماق الأزمنة القديمة، حضر مع عوده، بصحبة تخت شرقي موسيقي مطعّم ببعض الآلات العصرية مؤلّف من 13 عازفاً وعنصرين من الكورال إصطحبهم معه من تونس، وقادهم بعفوية ورقي على الخشبة، لكنه مع عوده ظل سيد السهرة المفخخة بأجمل القصائد، وأحلى العبارات، وأكثر المواقف وضوحاً من واقعنا العربي، وقضايانا الملحة والمحقة، وصولاً إلى مقطع أغنية يقول "خذوا المناصب والمكاسب بس خلولنا الوطن" وطلب منه الحضور إعادتها مرتين، ليقول في مقطع آخر "يا وطن وإنت حبيبي إنت أجمل وإنت أعظم من الكراسي، ويفخر بنسبه العربي "أنا العربي، أنا من سيشهد في نهاية الحياة على الحياة، أنا العربي عزيز الروح لي فجر من الأمجاد، وإذا ما البحر طوّقني بموجه، صنعت من موجه طوق النجاة".

"بوشناق" كرر كلمة أحبكم، بالعربية وبعدة لغات خصوصاً الفرنسية والإنكليزية، والروسية، وبعدما مرّر التحية الخالصة لكل الأقطار العربية، بلداً بلداً، توقّف عند لبنان (وقّع قبل 48 ساعة من الحفل في دار النمر ببيروت، ألبوماً خاصاً يحمل عنوان: لبنان) وغنّاه: "بحبك يا لبنان بحبك بجنون، بحبك يا لبنان صامد مهما يكون، تونس أحبابك نادوا بأعلى صوت: بحبك يالبنان وبحبك بجنون"، وتدفق الفنان الرائع بأغنيات كثيرة جميلة متنوعة (عجبي منك ومنّي عجبي، أيها الساكن عشاً في الهوى، حبيتك وتمنيتك ونسيت روحي وما نسيتك، نغنّي كما قد يغنّي الرعاة نغني لكي نحيا هذه الحياة، أنا مسافر مش داري آخر حدود الآه، يا قلب كذبت نفسي، يا حسرة يا امّة (أمي) لما كان ضرعك يشبعني، تتمسّى يا روحي بالخير، أنا حبيت وإنحبيت وإتمنيت وداريت حبي يعيش، لاموني اللي غاروا مني، أجراس العودة إن قرعت وإن لم تُقرع، سمرا يا سمرا، إنت شسمسي إنت، وطلعت يا محلا نورها).

كل هذا وحالة التماهي والذوبان الجماهيري التام والمتناغم آهات ورقصات، شكّلت المشهد الدائم على مدار الوقت، وقبل قليل من ختام الحفلة الأنيسة الصاخبة (حضرتها بكاملها عقيلة رئيس مجلس النواب نبيه بري السيدة رندة عاصي بري، مع حشد من الفعاليات)، وصلته ورقة تطلب منه غناء "طلعت يا محلا نورها" فلبّى وباشر لكنه راح يتمتم "يارب لا تخذلني، يمكن والله لا أكون حافظها جيداً، أرجوكم أحبابي ساعدوني، بالله تساعدوني بقدر ما تستطيعون، أنا تارك في تونس 4 أولاد (عبد الحميد،حمزة، علي، وصوفية)، وصفق الجميع بحرارة وباشروا معه الغناء، ليبادرهم "أنتم أهم كورال في العالم"، وسط مناخ بارد جميل، ومشهد لا ينسى من أعلى القلعة الشامخة لمساحات شاسعة من كل الجهات، تبدو معها الشقيف وكأنها حارسة المنطقة بالكامل.