رائدة طه: في داخلي سيناريو مخبأ، والمسرح ليس وصفة جاهزة

الحديث معها على الغداء في مطعم الـ "بلو نوت"  في الحمرا، بدا مشهدا متصلا بمسرحيتها. وقوفها الآثر على خشبة المسرح ليس سوى مشهدا لا بل مشاهد من يوميات ماضية ولكن حاضرة في الذاكرة، ذاكرتها وذاكرة أترابها. إنها رائدة طه التي لا تختلف بين وقوفها على خشبة المسرح وبين جلوسها في مقهى والتحدث مع الناس وممارسة يومياتها في بيروت، هذه المدينة التي نشأت وترعرت فيها وحفظت شوارعها وأزقتها وناسها كأنها لم تغادرها أبدا.

كل ما كان يهمني أن أحكي هذه القصة، وليس أي قصة سواها

حديثها، حركة يديها، تعابير وجهها، انفعالاتها لا تتبدل. كأنها تنقل المسرح إلى يومياتها أو تضع حياتها على خشبته. لذا، حين تلقاها، تشعر أنك تعرفها من زمن وتكمل معها حديثا بدأ في أحد المسارح العربية والاوروبية العديدة التي تنقلت بينها ولا تزال لعرض عملها "ألاقي زيك فين يا علي" تطمئن على أحوال عمتها سهيلة التي رفضت أن تلتحف وجثة أخيها علي، والد رائدة، لا تزال في براد الموتى عند الإسرائيليين. تسألها عن "عمو غازي" الذي كان يهتم بهم ويحاول أن يعوضهم فقدان الأب الذي اسشتهد في عملية خطف طائرة عام 1972. أنت تسأل وهي تحكي لك عن أبطال عالمها الحقيقي. هم أبطال في نظرها. كانوا كذلك ولا يزالون وسيبقون. حكايتها فصول في مسرحية. ومسرحيتها فصل من حكايتها لا بل حكاياها.

رائدة طه لا تمثّل بل تعيش الدور بكل تفاصيله وأحاسيسه الملتبسة والمتناقضة. ليس في هذا انتقاص من قدرتها على التقاط أنفاس المشاهد حتى اللحظة التي تُسدل فيها الستارة، ولا تقليل من مواهبها التمثيلية وخفة ظلها، بقدر ما هو تأكيد على جرأتها في البوح. لم تخش النقد. لم يعن لها أن يحب الناس قصتها أو يكرهونها، أن يختلفوا معها في معنى الشهادة، أن ينتقدوا سخريتها مما تؤول اليه حياة عائلة الشهيد بعد رحيله. " لقد علمتني تجربتي المتواضعة أن ليس للمسرح وصفة جاهزة. ثم كل ما كان يهمني أن أحكي هذه القصة، وليس أي قصة سواها. أردت أن أنقل تجربة تمثلني كما تمثل بنات وأبناء جيلي" .

هي ليست ممثلة بالمعنى الاحترافي للكلمة، ولكن بها شغف للتمثيل لم تحققه بسبب ظروف حياتها. "كان الحلم مزدوجا. لم يكن يعنيني أن أقف على خشبة المسرح فحسب، بل لطالما تخيلت نفسي أؤدي هذا الدور تحديدا. كان في داخلي سيناريو مخبّأ يحتاج إلى الكثير من العمل والجهد. كانت الرغبة قوية إلى حد أنها  دفعتني إلى أن أتعلم أولاً كتابة النص. خضعت لدورة تدريبية مع الكاتبة نجوى بركات، وقد استفدت منها كثيرا. بدأت بعدها رحلة البحث التي كانت طويلة ومضنية. إنها رحلة بحث مع كل من عرف علي من أصحاب ورفاق وأقارب. المهمة الأصعب كانت مع إخوتي الذين كانوا يحاذرون الاقتراب من هذا الموضوع. ولكني نجحت في أن أقنعهم بأن يكتبوا عنه ويرسلوا لي كتاباتهم".

المهمة الأصعب كانت مع إخوتي

دخلت المستشفى عندما مات ياسر عرفات

قالت لها الكاتبة الأميركية نعومي والاسي " أنتم عالم مليء بالقصص الرائعة التي لا تنتهي، ونحن عالم  فيه الكثير من الكتاب ولكن ليس لدينا قصص". نصحتها بعد لقاءات عدة بينهما، ألا تحشر كل قصصها في عمل واحد. رفضت رائدة طه أن تستعين بمن يكتب لها النص. "لم أكن أريد أن يتعامل أحد غيري مع النص. الموضوع حساس جدا بالنسبة إليّ. وقد تفهمت المخرجة لينا أبيض هذا الجانب وقدرته، لا بل تماهت مع النص. وكان العمل معها ممتعاً".

ولأن الحديث مع رائدة طه يعود دائما إلى السؤال عن أبطالها، لم يمكن للقاء أن ينتهي من دون السؤال عن ياسر عرفات. تبتسم وتقول " دخلت المستشفى عندما مات". عبارة مكثفة في معانيها تختصر العلاقة التي تربطها بالرجل والتي أفردت لها مساحة كبيرة في قصتها، لأن كان له مكانة أكبر في حياتها.

"أكتبي عن عرفات"، قالتها بلهجتها الفلسطينية، حين أشارت إلى أن البعض يرى فيه شخصية درامية ويعتبره البعض الآخر ممثلاً. "يتمتع الرجل بصفات مميزة جعلت منه زعيماً. لم يكن مقيما في برج عاجي بل يتفاعل مع شعبه في السراء والضراء، ويتعامل مع الأشخاص بحسب اختلاف حالاتهم. اذا كان هذا ما يسمونه تمثيلا، فليكن. أما أنا فأسميه فنّ التعامل مع الآخر".

أردت أن أنقل تجربة تمثلني كما تمثل بنات وأبناء جيلي

علي، والد رائدة، لا تزال جثته في براد الموتى عند الإسرائيليين