فلسطين: "العُتق".. من سوق شعبي بسيط إلى مورد اقتصادي مهم

سوق "الرّابش" أي سوق الأثاث المستعمل أو القديم أو المخلّفات والملفوظات أو المتروكات، وفي مناطق أخرى يسمى "سوق العُتَقْ" أو سوق "البالة"، وتعني الكلمة الشيء المهترىء أو المستخدم، وبات له أسواق خاصة في مدن مختلفة من الضفة الغربية، أشهرها في مدينة الخليل.

يستقطب سوق البلدة معظم سلعه من البلدات العربية أو المستوطنات الاحتلالية
يستقطب سوق البلدة معظم سلعه من البلدات العربية أو المستوطنات الاحتلالية

أطلقت الكلمة على "الأغراض التي كان يرميها الإنتداب البريطاني في أوعية زبالة معسكراته، فيلتقط المواطنين الفلسطينيين ما يمكن الانتفاع منه، ويظفر المحظوظ في المعمعة بشيء منها في حال كانت جيدة، وبعد الإنجليز، أصبح "الرابش" من فضائل معسكرات قوات الطوارئ الدولية، إلى أن بات سوق ضخم، ويتوسع يوماً بعد آخر".

ويعبر المثل الفلسطيني "على قد فراشك مد رجليك"، عن أهمية القناعة في حياة الإنسان، ويمكن للمتسوق أن يشتري ملابس أو آنية خزفية، وتحف وأدوات كهربائية وأثاث، وأجهزة راديو وتلفزيون وحواسيب وبلاط، حتى باتت محلات "الرابش" تعج بكل أشكال المواد اللازمة لمد البيت بكافة مستلزماته، وتوفر لزبائنها شتى احتياجاتهم ورغباتهم.

وتتلاصق المحلات التجارية على طول الطريق هنا في بلدةٍ اقترن اسمها بهذا المشهد، بيت عوا، في الخليل جنوب الضفة الغربية، صاحبة سوق المواد المستعملة الشهير، وتميزت به منذ العام 1967، ويحتوي على بضائع مختلفة الأشكال والألوان، إرث تاريخي بدأه الأجداد وتابعه الأبناء، وشهد تطوراً ملحوظاً على مدار السنين.

ويستقطب سوق البلدة معظم سلعه من البلدات العربية أو المستوطنات الاحتلالية، من الداخل الفلسطيني المحتل عام 48، حيث يقصدها التجار للتنقيب عن رزقهم، في جمع الأثاث المستعمل والملقى على جنبات الشوارع وأمام البيوت، وفي أحيان كثيرة يتم شرائه من أصحاب بيوت قرروا تغيير ما لديهم من أثاث.

 وبعد إتمام عملية الجمع والشراء، تبدأ عملية الترميم والإصلاح للأثاث، ويقوم عمال مختصون بإعادة ترميم وإصلاح المواد التالفة، أو ما يعرف بتجديدها، وهناك محال خاصة في البلدة لتوفير المواد اللازمة لتجديد الأثاث المستخدم، وعمال متخصصون في إصلاح الأعطال إن وجدت وغسلها، ومن ثم عرضها للبيع.

نحو خمسين بالمئة من القوى العاملة في البلدة وجدوا فرصتهم للعمل في هذه التجارة، وما أدخلته من حرف كالنجارة والتصليح، وتقدر مصادر في البلدة دخل هذه القطاعات بنحو 50 ألف دولار يومياً، ولكن مساهمته الاقتصادية لا تقتصر على الحد من البطالة فقط، فمن معظم المدن والبلدات الفلسطينية يرتاده المتسوقين مما جعلها بلدة سياحية أيضاً.

وقال مالك أحد محلات الأثاث المشهورة في مدينة الخليل سفيان المسالمة لـ "الميادين نت" انطلقت في العمل بـ "الرابش" في سن الخامسة عشر، ببيع بعض المواد المستعملة، وتطورت في عملي إلى أن تمكنت من فتح سبع محلات للأثاث المستعمل ومنجرة وورشة تصليح،وأشغّل حوالي أربعين عاملاً.

واضطر المسالمة لترك مقاعد الدراسة، والعمل في "الرابش" بعد وفاة والده عن عمر ناهز 72 عاماً، وله من الزوجات ثلاث، حيث وقع على كاهله مهمة توفير لقمة العيش لعشرين نفراً، كان هو أكبرهم بعد وفاة والده، وتدرج في العمل إلى أن بات أحد أبرز تجار "الرابش".

وقالت الشابة ملاك أبو رعية (24 عاماً) لـ "الميادين نت" يدفعني إلى هذا المكان حبي للأشياء القديمة والعتيقة، ولدي رغبة شديدة في اقتنائها، كأني أبحث عن شيءٍ ما يخصني، وعن تفاصيل تملؤني بالسعادة، ولها ملمس قوي ورائحة حية تتجسد في وجودي".

وقال الشاب علي عيسى (27 عاماً) من قرية سعير قضاء مدينة الخليل لـ "الميادين نت": اشتريت أثاثاً منزلياً متكاملاً لعش زوجيتي من الرابش، وأضاف "الأسعار مقارنة مع الأثاث الجديد متواضعة ومنخفضة بنسبة 70%، وتجد كل مرادك في "الرابش"، ونعثر أحياناً على أغراض شبه جديدة والأسعار تلائم قدراتنا الشرائية.

ويرى أستاذ العلوم المالية والمحاسبية في جامعة الخليل مجدي الجعبري أن بيع الأثاث المستعمل موجود في كل اقتصاديات دول العالم، وتلجأ بعض فئات المجتمع من ذوات الدخل المتوسط والمنخفض إلى شرائه، وبشكل خاص الأسر المقبلة على الزواج وفتح بيت جديد، لتجنب شراء الأثاث الجديد المعروف بأسعاره المرتفعة.

 وأضاف الجعبري في حديثه لـ "الميادين نت" أن تغيير أسر الكيان الإسرائيلي لأثاث منازلهم بشكل دوري، للاستفادة من المحفزات الضريبية التي تمنحها لهم سلطات الاحتلال، وبالتالي فإن العديد من الكميات المتوفرة في السوق الفلسطيني جودتها عالية، والكميات كبيرة ومتنوعة.

ولفت الجعبري إلى أن أمر شراء الأثاث المستعمل لم يعد مقتصراً على غني وفقير، وسبق له أن اشترى غسالة من "الرابش"، خدمت خمس سنوات، ولكن خطورة الأثاث المستعمل في ندرة قطع بعض الأنواع منه، الأمر الذي ينهك جيب المواطن الفلسطيني.

وتشير بيانات جهاز الإحصاء المركزي ووزارة العمل الفلسطينية، أن نسبة 48% من الفلسطينيين من أصل 6 ملايين نسمة يعيشون تحت خط الفقر، الذي حدّد ب 650 دولاراً في الشهر للفرد، فيما لا يتجاوز الراتب الشهري للموظف الحكومي قيمة 500 دولار.