في عيد أمومتها: زينب لم تسمع كلمة "ماما" إلا مرتين

زينب كما كل الأمهات تقريباً، مستعدة لتحمل التعب عن كاهل الكون كله، وتتكفل بتربية ولدها. كلما حلّ عيد الأم يتملكها التعب، إلا أنها تكابد أكثر كلما حان عيد ميلاد إلياس الذي يكبر بعيداً منها. لكن زينب رغم ذلك لم تزل قوية. الضعف سمة النفس، ولا يتعبها ضعفها، بل بقاؤها قوية لوقت طويل، ولذلك تنتظر. "سيعود إبني إليّ. عندما يكبر سيعرف كل شيء. سأخبره بكل شيء. سيعرف ما حلّ بي وبه". عندها سيكون بمستطاع زينب أن تعود ضعيفة. إلياس سيكون متكأها.

منذ أربع سنوات لم تر زينب صغيرها إلا نحو عشر مرات
من يمسّد شعر الصغير الآن؟ تسأل الأم نفسها في ليالي الأرق الطويل. يكفي أحياناً أن يلاحقها سؤال بعينه. سؤال واحد تنقبض معه حنجرتها فتستحيل متيبسة مثل حجر. كثرة الأسئلة وتكومها مميت. تتقطّر في التساؤل، ولو أنها تدرك في قرارتها أن أي واحد منها يكفي لجعلها تغص بكل بكاء الدنيا. ربما تتحدث الآن في سرها. في ذلك البون المرهق بين منع النفس من الانهيار وبين دفعها للصلابة. ربما تقول إن الطفل يتحسس بيده الطرية فروة رأسه، يداعب شعره ثم ينام. يتهيأ لها أنه إلى جانبها. تحت مرمى طرفها. أنفاسه المتقطعة ترتطم بمسمعها. تغمض عينيها ثم تفرج يدها المضمومة. تمسّد الملاءة بأطراف أصابعها. لكنها تمسد فراغاً. حيّز من ملاءة بارد الملمس لم يستقر فوقه جسد صغير يدفئه.

ليالي زينب دامسة. أربع سنوات طوّقت فيها الفراغ ولم تزل. منذ اللحظة التي انتشل فيها صغيرها من بين يديها، على غفلة، وكان بعد في شهره العاشر. "إختلفنا ذات يوم. قال لي زوجي قبل طلاقنا هاتي الولد. إذهبي وارتاحي ثم ألحق بك وإلياس معي"، تقول زينب (28 سنة). لكن زوجها لم يلحق بها حاملاً إلياس. بقي الطفل بعيداً.

منذ أربع سنوات لم تر زينب صغيرها إلا نحو عشر مرات. لكن ليس بالقدر الذي تشعر معه أنها رأته. كأنها تلمسه ولا تلمسه. لقاؤها به ليس من النوع الذي يسكّن جوعها الحار إليه. عشر دقائق وأحياناً خمس تفعل كل ما بوسعها لتجعل إلياس قريباً منها. لكن إلياس "لم يكن يقترب مني. كنت أتحايل عليه. آتي إليه بألعاب وسكاكر. يدنو مني قليلاً ثم يعود إلى عمته. غالباً ما حاولت احتضانه لكني أفشل، لأنه لا يألفني ولأن عمته لم تكن تسمح لي بذلك. في إحدى المرات التي التقتيه فيها، رأيته التفت إلى عمّته ليقول لها يا ماما. جننت. كان الأمر قاتلاً"، تقول زينب التي لم تر ولدها منذ سنة كاملة.

في تينك المرتين التي سمعت فيهما إلياس يهمس لها بما تحب "ماما"، أدركت زينب أنه نسيها ما أن أمسكت به عمته ودخلت البيت مرتجة الباب خلفها، "الولد ينسى، بعد شهور ينسى أني أمه".

لا تقلّ حياة زينب بؤساً عن ضنك الكثيرات. أولئك اللواتي تلسعهن لوعة البَين. لكنها تربي الامل. أمل يجعلها تعزي نفسها بأن كل ما تحياه سينتهي يوماً. ربما تصبح ما يسمى بالمحكمة الشرعية أكثر رأفة بها، وربما أيضاً، يكفّ بعض رجال الأمن عن تقاضي الرشوة التي تحرمها رؤية إلياس.

ذلك أن "المحكمة الشرعية وبعد ستة شهور من الأخذ والرد حكمت لي برؤية إبني سبع ساعات في الأسبوع فقط. هذا قليل جداً. يجب أن أراه يومين في الاسبوع. أن يبقى برفقتي ثم أرده إلى أهل طليقي. لكن هذا لم يحصل. منذ سنة لم أر ابني. مخفر الشرطة يتقاضى رشوة من طليقي ليسهل له التحايل على القانون. وعندما كنت أرى إلياس لم يكن مسموح لي بذلك إلا في منزل أهل طليقي"، تفصح زينب.

40 كيلو متراً تفصل بين زينب وإلياس. المسافة ليس كبيرة جداً، لكن رغم ذلك يبدو لها أن تلك القرية حيث يلعب إلياس بين جدران أربعة وكأنها مسيجة. البيت. المدرسة إلى جانب البيت، عوالم مقفلة كأنها السجن.  تلك المنطقة المحرمة سعت زينب إلى اختراقها. ذهبت مرة إلى المدرسة ولم تجده. حلمت طوال الطريق أنها ستعثر عليه خارجاً من بوابة المدرسة مترنحاً في مشيه. كان في البيت. أهل طليقها لا يودعونه المدرسة كثيراً. يوم حضور مقابل عشرة أيام غياب. تخاف زينب عليه "ابني يعيش من دون مستقبل ولا حقوق فهو محروم مني ومن والده المسافر"، تقول.

واظبت زينب على اختراق السياج الذي يحيط بولدها. أرادت الاطمئنان عليه. وصلت إلى القرية ثم راحت تجول حول البيت. لعل صوته يكون مسموعاً. لم تسمعه. لم تره. عثرت على ثيابه معلقة على حبال الغسيل، وإلى جانبها دراجته الهوائية الصغيرة. إلتقطت لهم الصور. لعل في ذلك ما يشتمّ من ريحه.

لم يسنح لها بتصوير إلياس. تفعل ذلك اختطافاً. لديها بعض صوره. تلك التي التقتطها له خلسة فيما عمة الصبي متلهية عنه، أي في تلك الدقائق القليلة، وواحدة أخيرة له قامت بحفظها عن تطبيق "واتساب". صوره عندما كان ابن أشهر لا تزال لديها. تحتفظ بها جميعها.

زينب كما كل الأمهات تقريباً، مستعدة لتحمل التعب عن كاهل الكون كله، وتتكفل بتربية ولدها. كلما حلّ عيد الأم يتملكها التعب، إلا أنها تكابد أكثر كلما حان عيد ميلاد إلياس الذي يكبر بعيداً منها. لكن زينب رغم ذلك لم تزل قوية. الضعف سمة النفس، ولا يتعبها ضعفها، بل بقائها قوية لوقت طويل، ولذلك تنتظر. "سيعود إبني إليّ. عندما يكبر سيعرف كل شيء. سأخبره بكل شيء. سيعرف ما حلّ بي وبه". عندها سيكون بمستطاع زينب أن تعود ضعيفة. إلياس سيكون متكأها.

علي السقا

كاتب وروائي لبناني. محرر الصفحة الثقافية في موقع الميادين ومعدّ ومقدّم برنامج "حكاية أديب".