إفطار السوريين في رمضان.. أسعارٌ مرتفعة وأصناف رئيسية غابت عن المائدة

أزمات متعددة عصفت بالسوريين خلال العقد الأخير، منها الحرب والحصار وكورونا والأزمة الأوكرانية، كلها أثّرت على السوريين في معيشتهم، وغيرت عاداتهم في شهر رمضان.

  • المارة في أسواق سوريا أكثر بكثير من المتبضعين
    المارة في أسواق سوريا أكثر بكثير من المتبضعين

يُجمعُ السّوريون أن كل شيء اختلف بعد عام 2011، حتى أجواء شهر رمضان، فكل أسرةٍ فقدت عزيزاً، على الأقل، كشهيد أو مغترب أو مخطوف.

ولم تكد أصوات القذائف تختفي نهائياً، حتى حلّت محلها ضوضاء الحصار التي سببت المعاناة للسوريين في قوتهم اليومي. أتت جائحة كورونا بعد ذلك لترخي بظلالها على السوريين، فزادتهم أعباء إضافية إلى أعبائهم، واختتمت الأزمات بالأزمة الناشئة منذ ما يزيد عن الشهر في أوكرانيا.

لا يخفى على أي شخصٍ يجول في الأسواق السورية، ازدياد عدد المارّة على حساب المتبضّعين، كما لا يمكنه تجاهلَ أسئلة يطرحها أفراد الأسرة فيما بينهم من قبيل: "هل تسمح لنا الميزانية بإضافة الفروج للطّبخة اليوم؟"، "هل يمكننا تناول التمر.. على الأقل في هذا الشهر؟".

إقرأ أيضاً: فوائد التمر يُحكى عنها منذ آلاف السنين.. فما هي أبرزها؟

"ما بيّضناها" هذا العام

"في الأمس كانت أرخص بـ 500 ليرة.. كيف حدث ذلك؟".. يرتفعُ صوت أم علي ليُسمع المارة بقربها في سوق "باب سريجة" بدمشق، وهي تُجادل أحد بائعي الخضار على سعر كيلو الكوسا.

تُنقّل السيدة الأربعينية بصرها إلى المحل المجاور، لعلها تحظى بسعر أقلّ، وتقول لاحقاً للميادين نت: "أنا في حيرةٍ من أمري، لأنني مهما حاولت الاقتصاد، لا أستطيع تدبر أمري حتى آخر الشهر، نحن عائلة مكوّنة من 4 أشخاص، وسأطبخ اليوم محشي كوسا بدون لحمة طبعاً، حيث أنها ستكلفنا حوالى 20 ألف ليرة سورية، أي أقل من ربع راتبي بقليل".

تتحسّر الموظفة الحكوميّة لأنها وأسرتها لم يستطيعوا هذا العام استقبال شهر رمضان "بالأبيض"، كما جرت العادة التقليديّة الدمشقيّة وتردف: "كنا سابقاً نستقبل رمضان بطبخةٍ بيضاء، مثل (الشيشبرك، الباشا وعساكرو، شيخ المحشي..)، أي طبخات تحوي على اللبن كنوعٍ من الفأل الحسن باستقبال الشهر الفضيل، لكن "ما بيضناها السنة"، لأن تكاليفها تفوق استطاعتنا".

وتُعِدُّ السيدة الأربعينية على أصابعها المكوّنات والأسعار كي تقوم بحسبةٍ صغيرة وتقول: "مثلاً.. الشاكرية: كيلو اللبن 3000، كيلو اللحمة 30.000، كيلو الرز 3500، وبدون بهارات..".

تضحكُ ضحكة سريعة وتختم: "إذا بدي كمّل عد رح يرتفع ضغطي.. بلاها أحسن".

حتى "النّاعم".. أصبح قاسياً

  • "الناعم".. حلوى شعبية تصنع خصيصاً في شهر رمضان

تُزيح محال الحلويات الشامية عن واجهاتها ما اعتادت عرضه طول العام، لتتصدّر بدلاً منها، الغريبة بقشطة، والقطايف عصافيري، والمعروك، والنهش وغيرها من أنواع الحلويات الدمشقية، المرتبط استهلاكها بشهر رمضان. لكن ليس كل ما يعرض اليوم باستطاعة المواطن السوري تحمل نفقاته.

يمرُّ رجلٌ من أحد شوارع سوق الميدان بدمشق (سوق شعبي جنوب العاصمة يشتهو بمتاجر الطعام والحلويات والمطاعم)، جاراً ولديه الصغيرين بسرعة، كي لا يقفا مُحَدِّقَين مُطولاً أمام الواجهات، ويُشيح ببصره عن ورقة معلقة كبيرة كتب عليها "الكيلو بعشرة آلاف"، ويقول للميادين نت: "الحلويات أصبحت رفاهية وكمالية بالنسبة لنا، إذا تمكنت أحياناً أقطع عن نفسي وأشتري لولدي بالقطعة، فلا أستطيع أن أقول لهم دائماً لا، لأنهم صغار ويشتهون دون أن يفهموا ما نعانيه لتأمين وجبتهم الأساسية".

لا يُخفي أبو ابراهيم نقمته على التجار الذين رفعوا الأسعار دون أي شفقةٍ ورحمة بالمواطنين، حسب تعبيره، واصفاً إياهم بالجشعين بشكلٍ لا يُصدَّق ويتابع: "حتى (النّاعم)، الذي كان للدراويش أمثالنا، قسى علينا وأصبح بعشرة آلاف ليرة، وهو لا يعدو كونه عبارة عن ماء وطحين مقلي مضافاً إليه قليل من الدبس".

ويتجنب الشاب الثلاثيني الرد على اتصالٍ من زوجته لأنها وبحسبه ستلحّ عليه لاصطحابها إلى منزل أهلها كي يتناولوا الإفطار سوياً ويقول:  "أعرف بشدة ما يعانيه الناس من وضعٍ مالي واقتصادي صعب، صحيح أن اجتماع العائلة جميل، ويضفي رونقاً خاصاً على هذا الشهر، لكن الطعام في هذه الظروف سيُسبب إحراجاً وحملاً زائداً على الناس، خصوصاً أنه هذه الأيام حتى رغيف الخبز محسوب".

الأزمة الأوكرانية.. شماعة ارتفاع الأسعار الجديدة

لم يكد يمر يومٌ على تصريح وزير الصناعة السوري زياد صباغ الذي أكد فيه أنه "لن يكون هناك ارتفاع أسعار في شهر رمضان"،ـ حتى شهدت الأسواق السورية ارتفاعاً، وصفه عضو مجلس إدارة غرفة تجارة دمشق محمد حلاق بأنه " غير مسبوق منذ ثلاثين عاماً".

معتبراً أن المشكلة الأساسية التي يعاني منها المواطنون والصناعيون والتجار وقطاع الأعمال، أكبر من الجميع، لأن "التضخم العالمي وارتفاع أسعار النفط عالمياً، انعكس على كل شيء من مستلزمات الإنتاج إلى مستلزمات النقل إلى مستلزمات الزراعة، كل ذلك كان له أثر سلبي".

أما عن إمكانية انخفاض الأسعار يقول حلاق: "هذا الأمر لا يمكن أن يتم إلا بالتنافسية، غير الموجودة اليوم لعدة أسباب".

ويؤكد حلاق أن جميع دول العالم أصبحت معاناتها واضحة في موضوع الغلاء، ويردف: "حتى المواد الزراعية المُنتَجة محلياً في سوريا تأثّرت أسعارها، بسبب الصقيع الذي أصاب البلاد، وقلة المحروقات، وارتفاع أسعارها، وكل ذلك خارج السيطرة، وليس بيد أحد".

يتفهّمُ حلاق أن يكون هناك ارتفاعٌ سنوي على سلعة من السلع بمقدار حوالى 3 إلى 5 بالمئة، لكن ليس إلى حد 40 بالمئة ويختم: "المشكلة هنا ليست مرتبطة بسوريا أو بالتاجر السوري.. الحل أن ننتظر انتهاء الأزمة الروسية الأوكرانية".