التجسّس الاقتصاديّ: من طريق الحرير إلى "ميتافيرس"

التاريخ المثير للتجسّس الاقتصادي ودوره الحرج في نقل المعارف والخبرات الاقتصادية أدى إلى تغيرات بنيوية في التاريخ القديم والحديث، إلا أنَّ التجسس لم يكن دائماً بهذا الهدف، بل كان هناك عمل استخباري دائم لتقويض اقتصاد الدول المنافسة.

  • اتخذ التجسّس الاقتصادي أشكالاً مختلفة منذ القدم واستخدمته الدول لأغراض مختلفة
    اتخذ التجسّس الاقتصادي أشكالاً مختلفة منذ القدم واستخدمته الدول لأغراض مختلفة

الاقتصاد هو شريان الحياة لأيِّ دولة. لذلك، يعدّ التجسّس الاقتصادي، خلافاً للاعتقاد، من أقدم أهداف الدول. ومن أقدم أنشطة التجسّس الاقتصادي، كان قيام أميرة صينية منذ 1500 عام بنقل يرقات دودة القز من الصين إلى الهند بعدما أخفتها تحت قبعتها، وبذلك، أفشت سرّ صناعة الحرير بعد أن كان العالم يعتقد أنَّ الصينيين ينتجون الأقمشة الحريرية من أوراق أشجار معيّنة، وبعد أن كانت الصين المكان الوحيد الذي يوجد فيه دود القز المدجن، وأوّل مكان في العالم يتم فيه تصنيع الحرير قبل أكثر من 4000 سنة، وفق الاكتشافات الأثرية والمدونات.

وربما كان بقاء طريقة ترويض دودة القز من أجل صناعة الحرير وأساليب الصينيين الأولى في صناعته سراً حُكم بالموت على من أفشاه، سبباً في احتفاظ الصين بتلك المكانة في صناعة الحرير لسنوات طويلة. وما إنتاج الهند وإسبانيا وكوريا واليابان للحرير لاحقاً وحتى يومنا هذا، إلا نتيجة نشاط الجواسيس الاقتصاديين في ذلك العصر.

ومن المفيد ذكره أنَّ العرب لم يعرفوا هذه الصناعة إلا في العام 552 ميلادية، أي بعد انتقالها إلى الهند بأكثر من 1000 عام.

اليابان حصلت أيضاً على سرّ دودة القز عن طريق "مبشّرين دينيين يابانيين" في العام 300 ميلادية تقريباً، بعد أن نجحوا بسرقة بعض بيض دود القز، وخطفوا 4 صينيات، أُجبرن على تعليم خاطفيهن أسرار تربية الدود وطرق حياكته.

كما أدّى التجسّس الاقتصادي دوراً في نقل السرّ إلى بيزنطيا، عن طريق مهمة أشرف عليها الإمبراطور جستنيان، الذي أرسل راهبَين نسطوريين إلى الصين من أجل التبشير، فتمكّنا من تهريب بيض دودة القز في قصبة من الخيزران، ما مكّن الإمبراطورية من صناعة الأقمشة الحريرية بشكل واسع.

التجسس لضرب اقتصادات المنافسين

هذا التاريخ المثير للتجسّس الاقتصادي ودوره الحرج في نقل المعارف والخبرات الاقتصادية أدى إلى تغيرات بنيوية في التاريخ القديم والحديث، إلا أنَّ التجسس لم يكن دائماً بهدف نقل المعارف أو استقطاب الأدمغة بهدف المنافسة، بل كان هناك عمل استخباري دائم لتقويض اقتصاد الدول الأخرى، بالاعتماد على "الجواسيس" و"العملاء" المزروعين في مفاصل إدارية حساسة، والذين لم تكن مهمّتهم نقل المعلومات فقط.

بوادر هذه الطريقة حديثة نسبياً، إذ قامت فرنسا في ستينيات القرن الماضي بإخراج جيوشها من أفريقيا بعد أن رأت أن كلفة بقائها أكبر من المنافع الاقتصادية التي تجنيها، لكن بسبب رغبتها في إبقاء سيطرتها على مستعمراتها، استخدمت طريقة أخرى، بدأت مع غينيا، التي تمكّنت من انتخاب أحمد سيكو توري أول رئيس بعد الاستقلال في العام 1958، وهو رئيس لم يخضع لإملاءات باريس، ولم يعطِ الأولوية لشركاتها، بل أعطى الأولوية لتحفيز الإنتاج المحلي، فعملت فرنسا حينئذٍ عن طريق منظمتها السرية "فرانس أفريك" التي يرأسها موريس روبيرت بسحب المستثمرين الفرنسيين بسرعة من البلاد، وطرح كميات هائلة من العملات المزورة. ولولا الدعم السوفياتي آنذاك للرئيس الأفريقي ومساعدته اقتصادياً، لكانت فرنسا قد نجحت في مسعاها لإرضاخ غينيا وإطاحة سيكو توري.

وعلى الرغم من أنَّ الصين كانت من أولى ضحايا التجسّس الاقتصادي في التاريخ، فإنها اليوم متهمة من قبل الولايات المتحدة بأنها تدير وتنظّم أضخم هذه العمليات في التاريخ حالياً. في العام 2015، أعلنت واشنطن أنها خسرت حوالى 300 مليار دولار ونحو مليوني وظيفة بسبب سرقة أسرار الشركات ونقل التكنولوجيا الذي تقوم به الصين، بحسب الرواية الأميركية.

في العام 2008، قامت جهات صينية بأكبر "عملية تجسس" على السوق الأميركية، كسبت بموجبها أكثر من 50 مليار دولار خلال الانهيار المالي العالمي، عن طريق "الاندماج من الأسفل أو من الباطن" مع شركات آيلة إلى الإفلاس، أي أن المستثمرين الصينيين كانوا يدخلون باسم الشركة الأميركية، ويرضى أصحابها الأميركيون بذلك، خوفاً من إعلان إفلاسهم، وطمعاً بارتفاع أسهم شركاتهم.

400 شركة صينية (تبيَّن أنَّها عبارة عن مكتب وموظف فقط في بكين) دخلت السوق الأميركية بهذه الطريقة، وصرَّحت لدى مكاتب تدقيق أميركية عن عائدات مرتفعة لها في الصين، واستثمرت بما يتراوح بين 60% و80% من أسهم الشركات المنهارة.

 وفور ارتفاع قيمة هذه الأسهم، قامت الشركات الصينية بضربة واحدة ببيع كل الأسهم الموجودة بحوزتها، لتسرق 50 مليار دولار من سوق المال الأميركي خلال انهياره. وعند محاولة الشركات الأميركية مقاضاة الشركات الصينية، اختفت الأخيرة، ورفضت بكين تسليم المسؤولين عنها لواشنطن، وأكدت أنّ أيّ محاكمة لهم ستكون في الصين حصراً!

الثابت إذاً أنّ الصينيين يتجسّسون بالفعل على الشركات الأميركية والأوروبية، لكن ذلك لا يعني أن واشنطن هي الحمل الوديع، فهي تمتلك واحداً من أخطر أجهزة التجسّس الاقتصادي، ففي إثر انهيار الاتحاد السوفياتي، جندت خطة الرئيس الأميركي بيل كلينتون 24 ألف عنصر في جهاز "سي آي إي" لخدمة الاتجاهات الاقتصادية للبلاد، عن طريق التأثير في "الفاعلين" الاقتصاديين في الدول الأخرى للقبول باتفاقية "GATT" (الاتفاقية العامة للتعريفة الجمركية والتجارة)، وكشف الأساليب التي تعطي الشركات الأجنبية ميزة على الشركات الأميركية، وتحديد المشاكل المالية قبل أن تتحول إلى أزمات اقتصادية. طبعاً، هذا جزء من الأهداف العامة، لكن ما تحقق فعلياً كان أكبر بكثير، فما تفصح عنه الإدارة الأميركية من "أهداف" يتسم بالتهذيب مقارنة مع الأهداف الحقيقية غير المعلنة.

الخبير في مكتب الدراسات الاستراتيجية الأميركية (سابقاً) ورئيس "مكتب التقديرات القومية" في "CIA"، شيرمان كنت، يقول: "يجب على جهاز الاستخبارات مراقبة ما إذا كانت هناك محاصيل جديدة، أو تطوير للطرق الحديثة في الزراعة، أو تغيير في آلياتها، أو في استخدام الأرض والسماء، لخدمة ذلك، ومتابعة مشاريع الاستصلاح الزراعي وما إلى ذلك، كما يجب أن نتتبع اكتشاف أي تقدم علمي جديد ونشوء أية مصانع أو مناجم جديدة". الأمر إذاً يعني مراقبة وتتبع كلّ ما يستجدّ على برنامج الحياة اليومية للمواطن العادي، وهي أمور قد لا تلفت انتباه مسؤولي البلد ذاته!

القتلة الاقتصاديون

كتاب "اعترافات قاتل اقتصادي" للكاتب جون بيركنز يكشف عن الكثير من الأهداف الخفية لواشنطن، التي نفذتها باستخدام "القاتلين الاقتصاديين للأمم". ويعرف بيركنز القتلة الاقتصاديين بأنّهم موظّفون بمرتبات خيالية، جندتهم وكالة الأمن القومي الأميركية سراً، ويعملون تحت غطاء شركات استشارية دولية، ومهمّتهم عقد صفقات منح القروض لدول أخرى، على أن تقوم تلك الدول المقترضة بإعادة 90% من قيمة تلك القروض لشركة أو شركات أميركية ومتعددة الجنسيات، لتنفيذ مشاريع بنية تحتية مبالغ فيها. 

وبذلك، يتمّ خداع دول العالم، لينهبوا منها تريليونات الدولارات، بجمع المال المقدم لتلك الدول كقروض من البنك الدولي ومؤسسات دولية أخرى، وصبّها في خزائن الشركات الأميركية الكبرى وجيوب قلة من العائلات الغنية.

ووفق بيركنز، تتضمّن أساليب عمل القتلة الاقتصاديين تقديم تقارير مالية مزوّرة، والإيقاع بالمديرين بطرق احتيالية، وتقديم رشاوى مالية وغواية بالجنس، وصولاً إلى جرائم القتل والتهديد والابتزاز لتنفيذ طلبات "مشغّليهم". ولا يختلف "القتلة الاقتصاديون" في أساليب عملهم عن أيّ "جاسوس تقليدي".

يحدّد بيركنز 3 أساليب تتبعها الاستخبارات الأميركية في سبيل تحقيق أهدافها في السيطرة على الدول الفقيرة وتركيعها. بداية، يجب "إيقاع الدول في فخ الديون" (للمفارقة، واشنطن تتهم الصين باتباع هذه الحيلة). هذه القروض من البنك وصندوق النقد الدوليين تكون ضخمة (مقارنة باقتصاد البلد)، وبفوائد مركّبة، وتُبنى على تقارير وتقديرات اقتصادية مبالغ بها عن معدلات النمو المتوقعة، إذ تُضخّم بشكل متعمّد لخداع الدول وإغرائها بقبول تلك القروض، ويتم إغواء السياسيين بمنافع شخصية للموافقة على تلك القروض الضخمة المشروطة بأن تذهب إلى الشركات الأميركية لإقامة مشاريع للبنية التحتية لا تخدم إلا فئات محدودة.

هذه السياسات لا تؤدي المطلوب (ظاهرياً) منها، بل على العكس، تعمّق الفقر والتفاوت الطبقي، لأنها تدمر بيئتهم واقتصادهم المحلي وتفقدهم شبكة الرعاية الاجتماعية. وعندما تعجز الدول عن الوفاء بالديون، كما هو متوقع ومقصود، تصبح تحت الوصاية والسيطرة الأميركية، فتباع الموارد الطبيعية للدولة بأسعار زهيدة، وتحول ميزانيات الخدمات الأساسية، كالصحة والتعليم والرعاية الاجتماعيّة، إلى تسديد الديون.

في البلدان التي يرفض "السياسيون" الموافقة على خطط الاقتراض فيها بعد ممارسة كل الضغوط والإغراءات، تقوم واشنطن باللجوء إلى الأسلوب الثاني، وهو "إزاحتهم"، إما عن طريق افتعال أزمات لتقليب الرأي العام عليهم وإزاحتهم عن السلطة، أو القيام بانقلاب، وصولاً إلى اغتيالهم.

وفي حال لم تنجح هذه الخطة، تقوم بافتعال حرب فعلية للسيطرة على البلد عسكرياً، أي العودة إلى الاستعمار المباشر، ولو مؤقتاً. ومن المفيد التذكير هنا بالأوامر المئة للحاكم العسكري الأميركي للعراق في العام 2003، والتي كان الأمر الـ81 منها هو الأخطر، وكان يقضي بإحراق موجودات "البنك الوطني للبذور" الذي يحفظ التنوع الجيني ويعمل على تهجين القمح والحبوب لإعادة زراعتها، ومنع المزارعين العراقيين من حفظ البذور بهدف إعادة زراعتها.

الباحثة في علم الأحياء، داليا وصفي، أشارت إلى قيام واشنطن بسرقة وإتلاف ما يصل إلى 20 نوعاً من حبوب القمح. هذه السرقة تمت لمصلحة شركة "مونسانتو" التي سلّمت المزارعين 6 أنواع فقط، 3 منها لإنتاج "المعكرونة"، أي أنها للتصدير، في بلدٍ يعاني أزمة غذائية حادة، في وقت تستخدم هذه الشركة البذور لموسم حصاد واحد، ما لا يجعل المزارعين يعتمدون عليها في توفير الحبوب كلّ سنة، لأنها معدلة وراثياً، ولا يمكن إعادة زراعة بذورها مرة أخرى.

كما أدخلت واشنطن شركات إنتاج الكيميائيات الزراعية، مثل شركة "دو"، التي قامت بتجارب على منتجاتها، ما أثر سلباً في خصوبة الأرض وتربتها، وأدى إلى قتل العناصر الغذائية الحية فيها. كلّ ذلك من دون أن يتسنى للعراق ملاحقة الشركات أو الإدارة الأميركية قانونياً نتيجة هذه الجرائم.

علاوةً على ذلك، دمّر الجيش الأميركي أو قضت أوامر بريمر (الحاكم العسكري الأميركي) على مركز إنتاج الدواجن في سامراء، الَّذي كان يقدم البحوث العلمية وطرق زيادة قطيع الدواجن في البلاد، وعلى مركز أبو غريب للبحوث الزراعية، ومركز النباعي لتربية العجول وتسمينها، ليخضع العراق بشكل كامل لسيطرة الشركات الأميركية الزراعية.

السيطرة عبر "ميتافيرس"

  • عالم ميتافيرس سيحتاج إلى إنترنت بالخصائص التي تطرحها
    عالم ميتافيرس سيحتاج إلى إنترنت بالخصائص التي تطرحها "هواوي"

كلّ ما سبق هو جزء من حرب مشتعلة مستمرّة، لكن، كما لحظنا، هناك تغير في الأدوات بشكل دائم. وكلما تطوّرت التقنيات والآليات، تعقّدت آليات هذه الحرب، أي أنَّ التطور الذي لحق أجهزة الاستخبارات العالمية انعكس أيضاً على آليات عمل هذه الحرب.

بعد أن أعلنت شركة "هواوي" الصينية التوصّل إلى تقنية الجيل الخامس للإنترنت، حاولت محاربة الشركة بمختلف الوسائل القانونية وغير القانونية، والضغط على الدول الحليفة لها لعدم السماح لـ"هواوي" بتركيب أجهزة إرسال الإنترنت الفائق السرعة، وهو ما كشفت عنه المراسلات مع بريطانيا وأستراليا، لكن لماذا جُنّ جنون واشنطن؟ 

في الحقيقة، إنَّ السّيطرة على "بيغ داتا" هو ما يؤرّق الإدارة الأميركية وشركاتها حالياً، إذ تتسابق الشركات للحصول على معلومات المستخدمين، وتستخدم هذه الحزم المعلوماتية لتحويلهم إلى سلع، لأنّك "ما لم تدفع ثمن الخدمة، فتأكد أنك أنت السلعة"، و"فيسبوك" و"غوغل" تتنافسان على بيانات المستخدمين.

وهنا، البيانات لا تشمل تفضيلاتك في البحث أو مشاهدة الفيديوهات أو الصفحات فحسب، بل تتعداه إلى الأماكن التي تزورها أيضاً، ونوعية الهاتف أو الكومبيوتر الذي تستخدمه، والمحال التي تتسوّق منها وكمية الأموال التي تنفقها. بالمعنى الحرفي، تقوم هذه الشركات بالتجسّس على كل خياراتك التسوقية، حتى تحوّلك إلى سلعة عن طريق إدخال بياناتك في خوارزميات محددة لحصر ما تتلقاه بتفضيلاتك الشخصية أو ما يريدون أن يبيعوك إياه.

ومع دخول هذه الشركات عالم "ميتافيرس" حالياً، يتّضح أولاً السبب العميق وراء رغبة واشنطن في كفّ يد "هواوي" عن الجيل الخامس، فهذا العالم سيحتاج إلى إنترنت بالخصائص التي تطرحها "هواوي". وما لا تريده واشنطن هو أن تربح بكين الجولة الكبرى في هذا المجال، ففضلاً عن سوق العملات المشفّرة الذي سيكون محرّك عالم "ميتا"، لا يمكن توفير هذه الخدمات العريضة بسرعات الإنترنت الحالية، وبالتالي سيكون الجيل الخامس هو هيكل هذا العالم!.

وستكون "ميتافيرس"، وفقاً لذلك، المسرح الجديد للحرب الاستخباراتية الاقتصادية، وستحاول واشنطن أن تستفيد من أسبقيتها في مجال التكنولوجيا، لتضع شركاتها في المقدمة، وستسعى للاستفادة من هذه الأسبقية عن طريق التجسّس على المنافسين، ولن يتسنّى لها ذلك إلا إذا وفّرت بنفسها الإنترنت الجديد، لتبقي سيطرتها على "بيغ داتا" الحسابات التجارية، وحتى مراقبة الإنترنت العميق للشركات، فبعد أن تدخل الشركات هذه السوق الجديدة، سيتحوّل جزء مؤثر من أعمالها ليكون رقمياً، وبالتالي ستتمكَّن أجهزة الاستخبارات من التجسّس بسهولة أكبر على أوراقها المالية، وحتى على اجتماعاتها الافتراضية، ما يمكّن الشركات الأميركية من "منع" الشركات الأجنبية من التفوّق عليها، لأنَّها ستمتلك خطط منافساتها قبل تنفيذها.

قد تكون هذه فرضية سابقة لانطلاق "ميتافيرس"، وستتمّ الإجابة عنها خلال السنوات المقبلة!

اخترنا لك