كيف تقوم الولايات المتحدة بتصدير التضخم إلى الدول الأخرى؟

الولايات المتحدة، وفي ظل سعيها للسيطرة على التضخم، تعمد لرفع أسعار الفائدة ما يجعل الدولار أكثر قوةً مقابل تراجع للعملات الأجنبية الأخرى.

  • كيف تقوم الولايات المتحدة بتصدير التضخم إلى الدول الأخرى؟
    كيف تقوم الولايات المتحدة بتصدير التضخم إلى الدول الأخرى؟

يركز الاحتياطي الفيدرالي على وقف ارتفاع الأسعار في الولايات المتحدة. لكن بالنسبة للبلدان التي تبعد آلاف الأميال فهي تتمايل من حملها الثقيل لخنق التضخم، إذ تضطر بنوكها المركزية إلى رفع أسعار الفائدة بشكل أسرع وأعلى، حيث يساهم "الدولار الجامح" بانخفاض قيمة عملاتها.

اقرأ أيضاً: ارتفاع غير متوقع لمعدلات التضخم في الولايات المتحدة

وفي هذا السياق، قال رئيس الأسواق العالمية في "ING" كريس تورنر: "نحن نرى بنك الاحتياطي الفيدرالي عدوانياً كما كان منذ أوائل الثمانينيات، إنهم على استعداد لتحمل ارتفاع معدلات البطالة والركود، وذلك ليس جيداً للنمو الدولي".

وكان قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة بمقدار ثلاثة أرباع نقطة مئوية في 3 اجتماعات متتالية، في حين يشير إلى المزيد من الارتفاعات الكبيرة على الطريق، بمثابة دافع لنظرائه في جميع أنحاء العالم إلى أن يصبحوا أكثر صرامة أيضاً. ففي حال تراجعوا كثيراً عن الاحتياطي الفيدرالي، يمكن للمستثمرين سحب الأموال من أسواقهم المالية، مما يتسبب في اضطرابات خطيرة.

لذلك، لحقت البنوك المركزية في سويسرا والمملكة المتحدة والنرويج وإندونيسيا وجنوب إفريقيا وتايوان ونيجيريا والفلبين بالبنك الاحتياطي الفيدرالي في رفع أسعار الفائدة خلال الأسبوع الماضي.

كما دفع موقف الاحتياطي الفيدرالي الدولار إلى أعلى مستوياته منذ عقدين مقابل سلة من العملات الرئيسية. في حين أنّ هذا مفيد للأميركيين الذين يرغبون في التسوق في الخارج، إلا أنّه خبر سيئ للغاية بالنسبة للبلدان الأخرى، حيث تنخفض قيمة اليوان والين والروبية واليورو والجنيه الإسترليني، مما يجعل استيراد العناصر الأساسية مثل الطعام والوقود أكثر تكلفة.

هذه الديناميكية التي يقوم فيها الاحتياطي الفيدرالي تعمل بشكل أساسي على تصدير التضخم، وتضيف الضغط على البنوك المركزية المحلية.

وأصبحت العواقب الوخيمة للارتفاع السريع في قيمة الدولار أكثر وضوحاً في الأيام الأخيرة. فتدخلت اليابان يوم الخميس الماضي، لأول مرة منذ 24 عاماً لدعم الين، الذي انخفض بنسبة 26% مقابل الدولار منذ بداية العام وحتى تاريخه.

كذلك، تراقب الصين أسواق العملات بعد أن انخفض تداول اليوان إلى أدنى مستوى له مقابل الدولار منذ الأزمة المالية العالمية، في حين حذرت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد، منذ أيام، من أنّ الانخفاض الحاد في قيمة اليورو يضاف إلى تراكم الضغوط التضخمية.

وتُظهر المملكة المتحدة، من جانبها، مدى السرعة التي يمكن أن يخرج بها الوضع عن نطاق السيطرة. إذ انخفض الجنيه البريطاني إلى مستوى قياسي  مقابل الدولار يوم الاثنين بعد أن أثارت التجربة غير التقليدية المتمثلة في تنفيذ تخفيضات ضريبية كبيرة مع زيادة الاقتراض حالة من القلق.

وأجبرت الفوضى التي تلت ذلك، بنك إنكلترا على الإعلان عن برنامج طارئ لشراء السندات لمحاولة تحقيق الاستقرار في الأسواق، وأدت إلى تحذير من صندوق النقد الدولي، الذي قال إنّ على حكومة المملكة المتحدة إعادة النظر في مقترحاتها.

التهديد للأسواق الناشئة

وحذّر البنك الدولي مؤخراً من أنّ مخاطر حدوث ركود عالمي في العام 2023، قد ارتفعت مع قيام البنوك المركزية في جميع أنحاء العالم برفع أسعار الفائدة في نفس الوقت استجابةً للتضخم. ورأى أنّ "هذا الاتجاه قد يؤدي إلى سلسلة من الأزمات المالية بين الاقتصادات النامية، التي لا يزال الكثير منها يعاني من الوباء، من شأنها أن تلحق بهم ضرراً دائماً".

وأكبر التداعيات التي قد تكون محسوسة هي في البلدان التي أصدرت ديوناً مقومة بالدولار. فإنّ سداد هذه الالتزامات يصبح أكثر تكلفة مع انخفاض قيمة العملات المحلية، مما يجبر الحكومات على تقليص الإنفاق في مجالات أخرى تماماً كما يضر التضخم بمستويات المعيشة.

كما أنّ تراجع احتياطيات العملة يعد مدعاة للقلق، فقد ساهم نقص الدولارات في سريلانكا في أسوأ أزمة اقتصادية في تاريخ البلاد وأجبرت رئيسها على ترك منصبه في وقت سابق من هذا العام.

وتظهر المخاطر من خلال ارتفاع أسعار الفائدة في العديد من هذه البلدان. على سبيل المثال، أبقت البرازيل أسعار الفائدة ثابتة هذا الشهر، ولكن بعد 12 زيادة متتالية أصبح بعدها سعر الفائدة القياسي عند 13.75%.

ورفع البنك المركزي النيجيري أسعار الفائدة إلى 15.5% يوم الثلاثاء، وهي نسبة أعلى بكثير مما توقعه الاقتصاديون. وفي بيان له، أشار البنك المركزي إلى أنّ "التشديد المستمر للسياسة النقدية من قبل بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي يضع أيضاً ضغطاً تصاعدياً على العملات المحلية في جميع أنحاء العالم، مع تمرير الأسعار المحلية".

"الوقت حان لاتفاق بلازا آخر"

في أوائل الثمانينيات، المرة الأخيرة التي شهد فيها الدولار وضعاً مماثلاً، أعلن صناع السياسة في الولايات المتحدة واليابان وألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة عن تدخل منسق في أسواق العملات عرف باسم اتفاق "بلازا".

أثار الارتفاع الأخير للدولار، والألم الذي تبعه للدول الأخرى، أحاديث مفادها أنّ الوقت قد حان لاتفاق آخر. لكنّ البيت الأبيض ألقى بـ"الماء البارد" على هذه الفكرة، ممّا يجعلها تبدو غير مرجحة في الوقت الحالي.

في غضون ذلك، من المتوقع أن يواصل الاحتياطي الفيدرالي مساره. وهذا يعني أنّ الدولار قد يرتفع أكثر، ولن تتمكن البنوك المركزية الأخرى من الاسترخاء.