هل سيساهم كورونا في تحوّل اجتماعيّ واقتصاديّ نحو الأفضل؟

تدابير وإجراءات كثيرة استخدمت في العديد من دول العالم لحماية الفئات الضعيفة والعمّال الصحيين والمشردين خلال أزمة كورونا، لكن هل ستستمر هذه الاجراءات وتتطوّر كنتيجة إيجابيّة للوباء بعد انحساره؟

  • هل سيساهم كورونا في تحوّل اجتماعيّ واقتصاديّ نحو الأفضل؟
    ممرضات يعتصمن يوم 7 أيار/مايو أمام البيت الأبيض أمس الخميس للمطالبة بتأمين حقوقهن وتوفير الحماية لهنّ بعد وفاة عدد من الممرضات بكورونا (أ.ف.ب)

حققت البشرية أحياناً تقدماً اجتماعياً على أنقاض كوارث كبرى،  فشهدت زوال النظام الإقطاعي في أعقاب وباء الطاعون الأسود، وقيام نظام الرعاية الاجتماعية إثر الحرب العالمية الثانية.

وفي مواجهة تفشي فيروس كورونا (كوفيد-19)، اتخذت حكومات عديدة تدابير كانت ترفضها حتى الآن باعتبارها  "طوباوية"، فوزعت "شيكات" على الأفراد، وعززت الرعاية الصحية للأكثر هشاشة، وأمنت ملاجئ للمشردين، ووعدت بالاستثمار بكثافة في النظام الصحيّ. فهل ستستمر هذه التدابير بعد الأزمة؟.

إجراءات لدعم العمّال الأكثر هشاشة

سلّط كورونا الضوء على أهمية دور العمّال الأكثر هشاشة، مثل السائقين والموزعين والمعلمين والممرضين الذين يتقاضون أجوراً متدنية، ولا يحظون بالكثير من الاهتمام في غالب الأحيان، وهم الذين مكّنوا العالم من الاستمرار في ظل الحجر المنزلي، وحاربوا الوباء منذ البداية.

مثلاً، يبلغ عدد العمّال المستقلين في المملكة المتحدة 5 ملايين، لا يحظى معظمهم بضمان اجتماعي. وخوفاً من أن يواصلوا العمل حتى إذا أصيبوا بفيروس كورونا، قررت رئاسة الحكومة منحهم تغطية صحيّة منذ اليوم الأول، ومنحهم مساعدات البطالة الجزئيّة ذاتها الممنوحة للموظفين، وقدرها 80% من متوسط عائداتهم الشهرية حتى حدود 2500 جنيه استرليني في الشهر.

وإذا كان وزير المالية ريشي سوناك تحدث عن إبطاء هذه المساعدات، فإن أستاذ الأنثروبولوجيا الطبية في جامعة "يو سي إل" ديفيد نابيير، رأى أنّه "سيكون من الصعب انتزاع هذه المكاسب منهم بالكامل بعدما عوّل الأقوياء على الأكثر ضعفاً لضمان استمراريتهم".

المملكة المتحدة التي تعتمد سياسة تقشف صارمة منذ عقد، بات رئيس حكومتها بوريس جونسون من كبار المدافعين عن نظام الرعاية الصحيّة المجانية (إن إتش إس)، ولا سيما بعد تلقيه العلاج في مستشفى عام، إثر إصابته بفيروس كورونا.

أستاذ التاريخ الاقتصادي في جامعة وارويك مارك هاريسون، علّق على الموضوع قائلاً أن "قصة رئيس الوزراء الذي أنقذته هيئة الخدمات الصحية الوطنية، لها وطأة شديدة"، مضيفاً: "سيكون من الصعب على المحافظين التراجع بعد ذلك عن وعود الاستثمار في الصحة". 

وحققت فكرة تأمين دخل أساسي شامل تقدماً في دول عديدة من هونغ كونغ وصولاً إلى الولايات المتحدة.  الرئيس الأميركي دونالد ترامب قام بتوزيع مبالغ مالية مباشرة تصل إلى 3 آلاف دولار للعائلة ضمن خطة إنعاش الاقتصاد بعد الأزمة التي ألحقت 30 مليون شخص حتى الآن بصفوف العاطلين عن العمل.

كما يعتبر المشردون الذين يعانون عادة من وضع صحي سيء، من الأكثر عرضة للإصابة بفيروس كورونا. الحكومة البريطانية باشرت برنامج "الجميع في الداخل"، الذي سمح حتى الآن بإيواء 5400 شخص يمثلون 90% من المشردين الذين ينامون عادة في الشوارع.

إلّا أنّ هذا العدد بحسب جمعية "كرايسيس"، لا يشمل كل المشردين الذين يقدر عددهم الإجمالي بـ170 ألفاً في المملكة المتحدة. حيث حذرت المتحدثة باسمها جاسمين باسران بأن "العديد من الأشخاص باتوا على وشك طردهم من مساكنهم، لكن حصلت جهود خارقة من قبل الحكومة"، مؤكدةً أنّ "هذا يثبت ما يمكن القيام به حين تتوافر الإرادة السياسية".

في أوروبا، أظهرت دراسة أجرتها جامعة أوكسفورد، أنّ 71% من الأوروبيين يؤيدون مبدأ تأمين دخل أساسي شامل، بعدما كان هذا المفهوم يعتبر "راديكالياً، بل من باب اليوتوبيا"، بحسب ما أوضح البروفسور غارتون آش.

فكان العاملون في أقسام الطوارئ والممرضات في فرنسا، يحتجون ويتظاهرون منذ سنوات للمطالبة بتخصيص المزيد من الوسائل للمستشفيات التي تواجه ضغوط عمل كبرى، وحين اجتاح كوفيد-19 العالم، خاضوا المعركة ضده في الخطوط الأمامية، وسقط العديد منهم ضحايا للفيروس.

وبعدما كان الرئيس إيمانويل ماكرون يؤكد أنه "لا يملك مالا سحريّاً"، وعد بـ"وضع خطة كثيفة للمستشفيات".

دعوات لتفعيل الاقتصاد الأخضر

ويدعو الكثيرون في ظل الأزمة التي يعيشها العالم، إلى اغتنام عودة "يد الدولة" لتوجيه السياسة الصناعية، على غرار "خطة مارشال" بعد الحرب العالمية الثانية، وإعطاء منحى أخضر للاقتصاد.

مدير وكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول، دعا قادة العالم إلى "ضمان وضع مسألة الانتقال في مجال الطاقة في مقدم استجابتهم لوباء كوفيد-19".

أمّا فرنسا، فطالبت جمعية "أرباب العمل"، تعليق التدابير البيئية المطبقة، لكن الحكومة تؤكد أنه "لن يتمّ وقف آلية إقرار القانون لمكافحة الهدر والقانون المضاد للمواد البلاستيكية"، كما تؤكد أن "ضخ 7 مليارات يورو لدعم شركة إير فرانس، يقترن بوجوب الحد من الرحلات القصيرة وخفض الانبعاثات الملوّثة". 

وبخصوص ألمانيا، فقد تعمد الحكومة إلى ربط المساعدات بالتزامات من أجل المناخ.

وفي حديث لوكالة الأنباء الفرنسيّة، حذّر الأستاذ في كلية "إمبيريال كوليدج بيزنيس سكول" سانكالب شاتورفيدي، بأن لـلنوايا الطيبة حدود، وأن "الحكومات ستواجه على المدى البعيد مديونية طائلة"، متوقعاً أن "يترافق هذا السخاء مع زيادة في الضرائب".