هل يقدّم صندوق النّقد الدوليّ الحلّ للبنان؟

يشترط صّندوق النقد الدولي على الدّول التي تواجه مشاكل إجراء إصلاحات في إدارتها المالية والاقتصادية، وحتى السياسية، لكنّ التجارب التي شهدناها في الكثير من البلدان لم تكن مشجّعة، بل زادت الطين بلّة.

  • تثبت كلّ تجارب الدول التي عانت أزمات مالية حادّة ولجأت إلى صندوق النقد للاقتراض أنّها لم تتلقّ الحلّ السحري
    تثبت كلّ تجارب الدول التي عانت أزمات مالية حادّة ولجأت إلى صندوق النقد للاقتراض أنّها لم تتلقّ الحلّ السحري

تأسّس صندوق النقد الدولي في العام 1944، وكان أحد أهدافه الحفاظ على استقرار نظام النقد الدولي ومساعدة الدول الأعضاء التي تواجه مشاكل فعلية وجوهريّة في ميزان المدفوعات، ومن بينها لبنان، فضلاً عن العديد من بلدان العالم التي يصنّف معظمها ضمن ما يُسمّى "دول العالم الثالث". 

ويشترط الصّندوق على الدّول التي تواجه مشاكل إجراء إصلاحات في إدارتها المالية والاقتصادية، وحتى السياسية، لكنّ التجارب التي شهدناها في الكثير من البلدان لم تكن مشجّعة، بل زادت الطين بلّة. من هذه البلدان الأرجنتين، التي يعاني اقتصادها عجزاً وانكماشاً منذ العام 2001، ويستمرّ إغراقها بالديون من صندوق النقد الدولي، من دون أي نتيجة إيجابيّة بتاتاً.

وفي ظلّ الأزمة الاقتصادية والمالية التي يعانيها لبنان منذ صيف العام 2019، والحديث عن حكومة "مهمّة" تفتح باب المفاوضات مع صندوق النقد الدولي كخيار وحيد لمعالجة الوضع الاقتصادي والمالي في البلد الذي يشهد انهياراً غير مسبوق على صعيد العملة المحلية، وتدهوراً في القدرة الشرائية للناس، وانهياراً في عدّة قطاعات اقتصادية، يطرح السؤال الآتي: هل وصفة صندوق النقد الدولي الجاهزة هي الحل المناسب لبلد يعاني تضخماً هائلاً، وارتفاعاً مطرداً في نسب الفقر، وانهياراً لما يسمّى بالطبقة الوسطى؟

تثبت كلّ تجارب الدول التي عانت أزمات مالية حادّة، ولجأت إلى صندوق النقد للاقتراض، وسارت وفق برامج يفرضها، أنّها لم تتلقّ الحلّ السحري، فقد ارتفعت فيها المديونية بشكل كبير، كما تضاعفت نسب الفقر، في ظلّ الاعتماد على رفع الدعم عن السلع الأساسية، وتحرير سعر العملة، والعمل على خصخصة قطاعات الدولة، إضافة إلى ترشيق القطاع العام ووقف التوظيف.

وقد باشر لبنان منذ عام، عقب تفاقم الأزمة المالية والمصرفيّة والاقتصادية، جولات من المفاوضات مع صندوق النقد، ولكنها لم تؤدِ إلى أيّة نتيجة، بسبب عدم توحيد الأرقام بين ممثلي الحكومة وممثلي المصرف المركزي، ثم توقفت المفاوضات في آب/أغسطس الماضي. ويقترح الصندوق ضخّ ملياري دولار سنوياً كحد أقصى في الاقتصاد اللبناني، مقابل تحرير سعر العملة، وخصصة القطاعات الخدماتية (كهرباء وماء...)، ووقف التوظيف في القطاع العام، والتخفيف من النفقات الاجتماعية. 

هل يستطيع لبنان، إذاً، أن يسير وفق دفتر الشروط المقترح ليخرج من أزمته المستفحلة؟ وهل تستطيع وصفة صندوق النقد وحدها أن تضعه على سكّة الحلّ الاقتصادي؟

في حديث إلى "الميادين نت"، طالب الخبير الاقتصادي إيلي يشوعي بحكومة كفاءات تضم شخصيات وطنية مشهوداً لهم بالخبرة، وتضع برنامجاً إنقاذياً تذهب به إلى صندوق النقد الدولي، ولا تأخذ وصفته الجاهزة، وتطلب منه التدخل مع الدائنين الخارجيين للبنان، من أجل إعفائه من جزء من ديونه الخارجية، مقابل إصلاحات يقوم بها في الداخل ويلتزم بها أمام الصندوق.

ورفض يشوعي برنامج الصندوق الجاهز برفع الدعم عن النّاس اجتماعياً، موضحاً أنّ الصندوق ينظر إلى الأرقام، ولا ينظر إلى الوجود البشري وحاجات الإنسان، ويطالب بمساعدة فرنسية لتلزيم كلّ قطاعات الخدمات العامّة في لبنان لشركات دولية من دون بيعها، مع احتفاظ الدولة بملكيتها، وعبر مكاتب استشارية دولية وإداريين دوليين يضعون دفاتر شروط، ويلزمون بالمزايدة لمصلحة الدولة اللبنانية قطاع الكهرباء والاتصالات والنقل المشترك، وقطاع النفايات، والنقل الحديدي، ومشاريع البنى التحتية الكبرى، كإنشاء طريق سريعة ثانية على طول الشاطئ اللبناني تربط الحدود الشمالية بالجنوبية مع وجود محطات دفع. وتشيّد شركة هذا الخطّ السّريع غير التجاري، ويتمّ الدفع من خلال عدّة محطات يتوقف عندها.

ودعا يشوعي إلى إنشاء مطار ثانٍ عبر تكليف شركة دولية بتشييده واستثماره، ودفع حصة المطار للدولة التي تحتفظ بملكيته، ما من شأنه أن يضخّ 20 مليار دولار خلال 6 أشهر، كما أن هذا التلزيم الدولي الشفّاف الذي لا يقحم الحكومة يكفّ يد الفاسدين عن هذه الخدمات، ما يؤدّي إنعاش الاقتصاد. 

وأضاف أنّ دور الحكومة ينحصر بأخذ العلم بوضع المكتب الدولي دفتر الشروط والأسعار الدولية، وإطلاق المزايدة والاستثمار لمدة تتراوح بين 25 و30 سنة، لتعود بعدها ملكية هذه المنشآت للدولة، فتحصل على أرباح من رقم الأعمال أو البيوعات، معتبراً أن المضي في ملف ترسيم الحدود البحرية واستغلال الاستكشافات النفطية والغازية يسمح بوضع البلد على سكّة الخلاص والإنقاذ.

وشدد يشوعي على ضرورة تطبيق اللامركزية الإدارية والمالية عبر مجالس أقضية منتخبة من الشعب مع إلغاء اتحادات البلديات. هذا المجلس هو حكومة مصغّرة تنموية تقوم بإنجاز المشاريع، وتجمع الضرائب من قبل كل المقيمين بالقضاء الذي يحتفظ بجزء منها ويحوّل قسماً إلى الخزينة المركزية، مشدداً على أنّ هذه الطريقة الوحيدة لتحقيق الإنماء المتوازن جغرافياً.

ودعا إلى استقلالية القضاء والإدارة، بالاعتماد على النموذج الكندي الذي تعيّن فيه الحكومة القيادات القضائية والإدارية بعد استشارة لجنة من كبار القضاة المتقاعدين وكبار الإداريين المتقاعدين. وبعد التشاور معهم والاتفاق على الأسماء، تعيّن القيادات القضائية والإدارية من قبل الحكومة. 

وبحسب يشوعي، فإن هذه القيادات تتمتع باستقلالية كاملة لمتابعة مشوارها القضائي، كما في الإدارة، حيث تملأ الملاكات، ويعاد النظر في سياسة الوظيفة العامة من دون تدخّل السياسة على الإطلاق، ليصبح القضاء ذراع العدل والإدارة، وتصبح ذراع الحكومة والسلطة التنفيذية، ويتحوّل ملاك الدولة إلى إدارة عصرية بكل وظائفه، ويباشر الوزير العمل، ولا يأتي بإدارة رديفة. 

ولفت إلى أنّ من غير المقبول أن يستمر الدعم بشكله الحالي، إذ يستفيد منه غير اللبنانيين، إضافةً إلى التهريب المغطّى من نافذين سياسيين إلى الخارج، معتبراً أنّ المليارات التي أنفقت على الدعم ذهبت هدراً، مطالباً بوقف الدعم. 

وطالب الخبير الاستراتيجي بردّ دولارات المودعين، الأمر الذي سيخفّف الضغط على سعر الصرف، ويقوم كل كل فرد بدعم نفسه كما يريد. ويذكر بأنّه كان يمكن دفع المستحقات على لبنان من يورو بوند، والحفاظ على مصداقية البلد، وخصوصاً أنّ قيمة اليوروبوند انخفضت بنسبة 40% إلّا أنّ التخلف عن سدادها جعل البلد مفلساً ومتعثراً.

وأشار إلى إقفال حسابات المصرف المركزي والمصارف اللبنانية لدى المصارف المراسلة، جرّاء السياسة المتّبعة وفقدان الثقة الدولية بالبلد، محذّراً من فقدان السلع الأساسية في المرحلة المقبلة في حال أقفل المصرف المراسل الأخير حسابات المصرف المركزي.

يشوعي أكد على ضرورة وضع سياسة اقتصادية رشيدة تعتمد على تعزيز الصادرات، والاستفادة من الموارد البشرية والمالية والطبيعية المتوافرة، ووضعها في خدمة نمو الاقتصاد اللبناني والتنمية البشرية، وتوظيفها في سبيل تحقيق الإنماء الجغرافي المتوازن، داعياً إلى تطبيق اللامركزية الإدارية والمالية.

في الخلاصة، هل يبقى لبنان الرسمي أسير طروحات صندوق النقد كخشبة خلاص وحيدة لأزمته، على الرغم من تجاربه غير الناجحة مع الدول النامية التي خضعت لوصفته أو أنّه سيتخذ خياراً ذاتياً لتنمية القطاعات المنتجة التي تضخّ عملة صعبة في البلد وتقوم بدورة اقتصادية متكاملة؟