كورونا يجتاح العقول في فرنسا.. تزايد معدلات الانتحار

تمثّل فرنسا نموذجاً لما يحصل في مجتمعات غربية وشرقية. التقارير عن تزايد حالات الانتحار بسبب تداعيات وباء كورونا اجتماعياً واقتصادياً تصدر عن جهات عدة، ولا يبدو في الأفق أن حل هذه الظاهرة قريب.

  • منذ بداية الأزمة الصحّية، يفكّر واحد من كلّ 5 فرنسيين بجدية في الانتحار، بحسب جريدة
    منذ بداية الأزمة الصحّية، يفكّر واحد من كلّ 5 فرنسيين بجدية في الانتحار، بحسب جريدة "الأصداء" الفرنسية

تشهد فرنسا موجة انتحار تثير الرعب فيها. لم تعد الظاهرة تسجل معدلات بسيطة هنا وهناك، كما كان يحصل في السابق. أصبح الانتحار من يوميات الناس، وصار خبراً متداولاً في صفحات الجرائد وشاشات التلفزة. 

في مؤسّسات الدولة، تقود المعدلات المرتفعة للمنتحرين إلى التفكير في إعلان حالة طوارئ نفسية، فبعد تسجيل أعداد متزايدة من المنتحرين بين المراهقين والتلامذة، وقعت أخبار انتحار تجار وأصحاب مطاعم كالصاعقة على الحكومة والبرلمان. مراكز البحث والتتبع مصدومة لانتشار السلوك الانتحاري مع تفاقم أزمة وباء كورونا وما يرافقه من إقفال عام وحجر ملزم.

نشرت صحيفة "لوباريزيان" عنواناً مزلزلاً يقول: "اكتئاب وانتحار التجّار وأصحاب المطاعم، والأسوأ لم يأتِ بعد". رئيس الحكومة جان كاستكس، ارتجفت شفتاه قبل شهر من الآن حين تحدث عن أن التقارير التي وصلته جدية ومقلقة، وتنبئ بتزايد نسبة الانتحار بين التلامذة والمراهقين.

وفي 13 كانون الثاني/يناير، تداول المسؤولون في قصر الإليزيه المصير المأساوي لصاحب حانة صغيرة يُدعى رودي نويل، كان قد انتحر في اليوم السابق. رئيس الجمهورية ألمح إلى أن الأمر لم يكن مسألة دراما معزولة، وقال: "لقد كان هناك الكثير منذ بداية الأزمة. هذا يعني أن العديد من زملائه يعيشون حالة من اليأس وخسارة مالية وفقداناً للمعنى".

وفي تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، أنهت صاحبة مطعم من موربيهان حياتها. حالات عديدة بدأت تسجّل في أنحاء فرنسا تشي بالخطر وتمثل إنذاراً على الصعيد الوطني.

ووفقاً لمسح أجرته مؤسّسة "Ifop" بعنوان "الانتحار: الموجة الأخرى من فيروس كورونا"، أكّد 25% من التجار والحرفيين، و27% من قادة الأعمال الذين شملهم الاستطلاع في نهاية سبتمبر/ أيلول، أنهم فكّروا بجدية في الانتحار، بينما هناك 20% من السكّان العاديين فكّروا في الأمر نفسه. ما يوضحه المسح هو أنَّ فئة التجار وأصحاب الأعمال يمكنهم في المستقبل أن ينساقوا إلى ممارسات انتحارية مشابهة للوضع الذي يعانيه المزارعون بالفعل، وهي فئة متأثرة بشدة بهذا الوباء في فرنسا.

وفقاً لمركز الأبحاث المقرّب من الحزب الاشتراكي الفرنسي، فإن الأسوأ لم يأتِ بعد. تظهر جميع الدراسات أنَّ الآثار الانتحارية يتم الشعور بها في غضون أشهر أو سنوات. ما هو مؤكّد حتى يومنا هذا هو أن الكساد آخذ في الازدياد بين أصحاب المطاعم والتجار وأصحاب العمل الصغار. يحذّر التاجر الكبير ميشيل بيدو قائلاً: "كلَّما مر الوقت من دون فتح مؤسساتنا، زادت مخاطر الانفجار". خلال الحجر الأول، سُحق فنسنت، صاحب فندق ومطعم في بريتاني، وأبلغ المقربين منه: "كان عليَّ أن أتناول الدواء. لم أعد أنام طوال الليل. كنت أتقيأ كل صباح بسبب التوتر. كنت أتجول في دوائر وأصبحت عدوانياً".

لدى بعض رؤساء الأعمال انطباع بأنَّهم لم يعودوا يتمتعون بأي دور اجتماعي، وأنهم منعزلون عن جزء كبير من هويتهم التجارية، وهم جالسون على أرائكهم يشاهدون المسلسلات. لم يعد بإمكانهم إبراز أنفسهم، فهم عالقون في الحاضر.

منذ بداية الأزمة الصحّية، يفكّر واحد من كلّ 5 فرنسيين بجدية في الانتحار، بحسب جريدة "الأصداء" الفرنسية التي أوضحت: "في زبد الوباء، أصبحت الصحة العقلية الآن هي التي تقلق الأطباء والعلماء".

التحقيقات الجارية حول تأثير "الحبس" في الصحة النفسية تظهر أن النساء والشباب والفئات الأكثر ضعفاً هم الأكثر تضرراً نفسياً من هذه الأزمة، ويقول 20% من الفرنسيين إنهم فكروا بجدية في الانتحار في العام 2020. في فرنسا، تعود 16% من الوفيات بين الشَّباب إلى حالات انتحار. يعتقد الأطباء أنَّ عاملي الخطر الرئيسيين هما المشاكل العائلية وخيبات الأمل، ويقول 1 من كل 10 مراهقين إنهم فكّروا بالفعل في قتل أنفسهم.

وتمثّل فرنسا نموذجاً لما يحصل في مجتمعات غربية وشرقية. التقارير عن تزايد حالات الانتحار بسبب تداعيات الوباء اجتماعياً واقتصادياً تصدر عن جهات عدة، ولا يبدو في الأفق أن حل هذه الظاهرة قريب، ما يتيح الاستنتاج بأن الفيروس لا يتحوّل في خلاياه فقط، بل في خلايا المجتمع وداخل عقل البشر.